الصنهاجي تكتب حول "استبانة" الموت في حياة المفكّر عبد الله العروي‎

الصنهاجي تكتب حول "استبانة" الموت في حياة المفكّر عبد الله العروي‎
صورة: أرشيف
الجمعة 26 مارس 2021 - 07:00

تطرقت الكاتبة والإعلامية المغربية غادة الصنهاجي لشائعة وفاة المفكر والمؤرخ المغربي عبد الله العروي، معتبرة أن لشائعات وفاة الكتاب والمثقفين وقعا مؤلما.

وقدمت الصنهاجي في مقال بعنوان “استبانة الموت في حياة عبد الله العروي”، نبذة عن المفكر المغربي وعلاقته بوالده، واكتشاف تأثير تجربة الأب في ميوله الاجتماعية والسياسية.

إليكم نص المقال كما توصلت به هسبريس:

إنّ لشائعات وفاة الكُتّاب والمثقفين وقعاً مؤلماً، لكنّ أخبارها الكاذبة لحسن الحظ تعيد إليهم حيواتهم كما تعيدهم إلى حيواتنا، وما إن نطمئن عليهم حتّى ننبش مكتباتنا لاستخراج كتبهم فنبعثها بدورها من الموت.

مؤخرا، ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي بشائعة وفاة المفكر والمؤرخ المغربي عبد الله العروي، ومع الأسف، لم تكن هذه المرّة الأولى.

في كتابه “استبانة”، يقول العروي: “شتّان بين ما نعلم وما نعتقد. والأغلبية تعتقد قبل أو دون أن تعلم”.

لقد كان البدء في هذا الكتاب بالاسم، اسم العروي الذي يتضايق كلّما سمعه محرّفا. ولنا أن نتخيّل شعوره وهو يقرأه منعيّا.

ولد عبد الله العروي في مدينة أزمور، والواقع أنه لا يشعر بأدنى انتماء أو ارتباط بأية منطقة بعينها، فهو يشدّد على أنّ القبيلة مفهوم وهمي، تعاقدي لا تلاحمي، وأنّ ارتباطه القوي هو مع الكليات..الوطن، الأمة، الدولة. فما استخلصه العروي من تجربته اليومية هو أنّ تغليب منطق الأسرة، أي القبيلة، على حساب المجتمع والدولة يؤدي إلى آفات كثيرة.

كتب عبد الله العروي عن وفاة والده في كتابه “خواطر الصباح” يوميات (1967-1973) ما يلي: “مات الأب وانسدّ باب الأمل. انتفت كلّ فرصة لمحاورته في شؤون كثيرة… كنت أنوي تسجيل أجوبته وكنت دائما أنسى آلة التسجيل.. ألاعيب القدر. بعد أسابيع سأشرع في حوار طويل مع أبي.. من جانب واحد وعلى الورق”.

يؤكّد العروي في كتاب “استبانة” أنّه كان ينوي استجواب والده عن أطوار حياته قبل الحماية وأثناءها. ثم تراخى إلى أن فات الأوان. لذلك لا يعرف إلا القليل عن حياته رغم أنه كان يحاوره طويلا، لكن في موضوعات عامة، تاريخية فكرية سياسية وغيرها.

لم يلعب والد العروي دوراً في تربيته الوجدانية، وهذا ما أوضحه في رواية “اليتيم” التي نقرأ له فيها: “لكنّ الموت باغتني. لذلك سأعتقد في قرارة قلبي أنّ الزمن خانني وأنّي أصبحت يتيما قبل الأوان”. لكن كلّما تقدّم العروي في السنّ كان يكتشف تأثير تجربة الأب في ميوله الاجتماعية والسياسية.

يقول العروي في حوار تلفزيوني: “أبي رحمه الله، كان يقرأ كثيراً لابن خلدون، لم يكن مثقفا كبيرا، ولكن كانت عنده طبعة شعبية لمقدمة ابن خلدون، كان يقرأها باستمرار، فورثت عنه هذا الإعجاب”.

لقد درس العروي حين كان مستوى التعليم عاليا جدا، حين كان المعلّمون يعطون لكلمة التعليم معناها الحقيقي، معنى التنشئة والتثقيف. ومع أنّ الأمية كانت متفشية وثقافة الأفراد هزيلة في تلك الأيام، إلاّ أنّه يرى أنّ هذا لم يكن يؤثر في المدرسة التي كانت مفصولة عن محيطها البائس، وهو ما لا يلاحظه اليوم من تأثير لمستوى الثقافة العامة في مستوى التعليم أو بأحرى مستوى المدرّس.

في المرحلة الثانوية، تقوّى شعور العروي بالعزلة بما قرأه من الأدب الوجودي، وتغذّى بما كان يشاهده من بؤس وحرمان في أزقة المدينة القديمة في مراكش. كان يجهل حقيقة أوضاع البلاد وهو شاب. وقتها كانت هناك صورة متحكّمة في الأذهان، وحسب ما يذكر العروي: “هي أنّنا كنّا نملك شيئا فقدناه بسبب بؤس حظنا وكذلك بسبب تهاوننا وتخاذلنا، فيجب أن نعمل على استرداده”.

عن سؤال متعلّق بوفاة شخصية إدريس في روايته “أوراق”، أجاب عبد الله العروي في أحد الحوارات الصحافية بما يلي: “إدريس مات بالفعل، ولكن موضوع أوراق هو البحث عن مغزى موته. مات إدريس لأنه لم يستطع أن يفصل. بمعنى آخر إنّ موت إدريس عبارة عن عدم الاطمئنان في نفس صاحب إدريس. نستطيع أن لا نحسم ما دمنا في ميدان الأدب والفن، والشعر، لأننا وحدنا في الميدان، لا أحد ينازعنا في مدارنا اللغوي والأدبي، ولكن لا بدّ من الحسم اجتماعيا وسياسيا وفكريا. هذه عقدة نفسانية، تميّز كل مثقف عربي واعٍ بذاته وبحاله، وهذه عقدة قاتلة بكلّ معنى الكلمة. وهذا ما يشير إليه مآل إدريس”.

“تشبّث بالحياة”؛ إنها نصيحة الطبيب في رواية “اليتيم”، ومنها نقرأ للعروي: “يمكن أن تعيش إلى الأبد، على الأقل في مفهوم بني آدم. تعلّق بالحياة تتعلّق بك الحياة. والطقس سيتغيّر أيضا في النهاية ويجلو عن البلد هذا الضباب الكثيف”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

10
  • شهبندر
    الجمعة 26 مارس 2021 - 09:40

    الاستاذ العروي ثروة قومية يتوجب إحاطته بكل العناية اللازمة

  • محمد
    الجمعة 26 مارس 2021 - 11:04

    لابد من العناية بهذا الرجل قبل فواة الأوان

  • alam
    الجمعة 26 مارس 2021 - 11:18

    يقول المثل الشخص الغير منتمي هو منتمي والاستاد العروي في كتابته الغزيرة سواء التاريخية والفكرية والادبية والفلسفية اراد ان ان يعبر عن خيبة الامل لكي يوضح للمتلقي الصورة بانه اتى للواقع لوحده كما يقال باللهجة العامية -ومكينش معامن -ولكنه اختار في الاخير و انتقد الشرق والغرب .لكننا ننتظر منه ان يعبر لنا عن هدا الواقع الدي بقي فيه الغرب لوحده يصول ويجول لمادا لم ينتقد هده الثقافة الجارفة التي اوصلت العالم الى اسفل سافلين . لابد ان يتجند استاد مثل العروي بثقتفته الكبيرة من الجواب على هدا الواقع

  • احمد
    الجمعة 26 مارس 2021 - 11:35

    الحسن الثاني رحمه الله هو من ضم العروي الى ثلة مثقفي الدولة اورد الخبر احد المختصين و زاد ان انضمامه و غيره كانت اخطاءا اذ المثقف يخبو عطاؤه كلما انضم الى النخبة المثقفة المهللة للدولة ايضا تشرشيل متنكرا لما امتطى سيارة اجرة متوجها الى البي بي سي لاجراء حوار اخبره السائق انه لن يتمكن من ايصاله مبلغه لانه مرتبط بموعد مع الشاشة بتوقيت المقابلة المهمة التي سيجريها تشيرشل فازاح تشيرشل تنكره ليعرفه السائق و اغراه بالمال لايصاله مقر البي بي سي و هنا عدل السائق عن التزامه باللقاء التلفزي و راح يتملق لتشيرشل و اخبره ان اللقاء التلفزي ما عاد يهمه بعد لقائه تشيرشل نفسه و انه تفرغ من تعاقداته بلقائه السيد الرئيس ما افقد السياسة طعمها او افقد طعم السياسة و عاش يعيش العروي الى حين .

  • Taoufik
    الجمعة 26 مارس 2021 - 12:30

    الدكتور عبد الله العروي قامة كبيرة. و الظاهر أن فكره و فلسفته و دفاعه عن اللغة العربية الفصحى. دعت بعض المفسدين يخرجون شائعات عن وفاته

  • فوكوي
    الجمعة 26 مارس 2021 - 13:32

    امرح عند قراءتي للعروي كما يعجبني حفره الداءم في المخ المغربي و محاولاته استكناه ماوراء مادته الرمادية.
    ما لا يقبله عقلي الصغير هو المصطلحات الجديدة التي يخترعها كتمثل عربي لمصطلحات غربية، ما يعد اجترارا للكلام في نظر العقل الصارم.
    اطال الله في عمره و نحن افي انتظار كتابه الجديد.

  • عبدالرحمان الحارثي العوني
    الجمعة 26 مارس 2021 - 13:35

    أتسائل ما الهدف من إشاعة مثل هذه الأخبار الكاذبة على الدكتور عبدالله العروي.
    فالدكتور قامة تاريخية وعلمية كبيرة لا يضره من نشر هذه الأكاذيب وسيستمر في عطائه العلمي رغم أنوف الحاقدين

  • أيمن
    الجمعة 26 مارس 2021 - 17:26

    جميل أن نهتم بمُبدعينا و نثمِّن أعمالهم و إسهاماتهم الفكرية و الفنية و الأدبية و الثقافية بصفة عامة . إنما ، بخصوص عبد الله العروي ، يجوز لنا أن نتساءل : لماذا يكتب الرجل بلغة صعبة المنال ؟ و بصيغة أخرى : هل يكتب الرجل عن قصد للنخبة المثقفة ؟ هذا من المآخذ الكبرى على الأستاذ العروي ، الذي ظل بعيدا عن الشعب سواء في كتاباته الغزيرة و محاضراته على قِلَّتها . و هذا أيضاً ما جعله معزولاً في محيطه الجامعي كأستاذ بكلية آداب الرباط لم يعمِّر بها طويلا على أية حال .

  • امير توت اكس
    الجمعة 26 مارس 2021 - 17:53

    رحلتي نحو الكفر بالنضال

    لأني قرأت كثيرا عن اليسار، وربما تأثرت برؤى الجابري السياسية، وتجربة العروي الذي اعتزل السياسة ذات هزيمة في الإنتخابات البرلمانية، هي لم تكن هزيمة بقدر ما كانت تصفية حسابات متأخرة عن صراع اعتقد العروي أنه انتهى.. نسى أو تناسى أن المخزن لا ينسى.. تأثرت أيضا بالمثقف محمد الأشعري وتوهمت أني يوما قد أكون ك “هو”، سياسيا على الأقل، أما الكتابة فذاك وهم أكثر بشاعة.. البوكر..؟

    عبد السلام المساتي

  • ahmed
    الجمعة 26 مارس 2021 - 22:40

    اولا بارك الله في عمر مفكرنا الكبير عبد الله العروي و اطال الله في عمره المليء بالعطاء فعلا لقد استطاع الاديب / المؤرخ / المبدع الفذ عبد الله العروي و باقتدار كبير كما جاء في التعليق ان تكون شخصياته مركزا زخما للافكار و مجالا منيعا للمعاني بشكل اصبح فيه النموذج البشري(الشخصية) نموذجا بحق من خلال الصورة المتكاملة الابعاد للشخصية الانسانية الحية بفضائلها و نقائصها و لعل ”تحولات احمد المغربي” مثالا اخر لذلك…

صوت وصورة
إرث المرابطين والموحدين
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 00:10 1

إرث المرابطين والموحدين

صوت وصورة
طريق مهترئة وخسائر متواصلة
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 23:58

طريق مهترئة وخسائر متواصلة

صوت وصورة
جلسة عمل | إدريس الكراوي
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 22:53

جلسة عمل | إدريس الكراوي

صوت وصورة
العسري واتصال المنصوري
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 22:02

العسري واتصال المنصوري

صوت وصورة
بنعبد الله بعد لقاء المنصوري
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 21:26 10

بنعبد الله بعد لقاء المنصوري

صوت وصورة
لشكر في مقر ''البام''
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 20:15

لشكر في مقر ''البام''