علمت هسبريس من مصادر جيدة الاطلاع أن مصلحة تحليل المخاطر والبرمجة التابعة لقسم التحقيقات وتثمين المعطيات بمديرية المراقبة لدى المديرية العامة للضرائب استنفرت فرقَ المراقبة الجهوية في الدار البيضاء والرباط وطنجة ومراكش وأكادير، بعد تزويدها بمعطيات دقيقة حول تلاعبات خطيرة ورطت شركات في “نفخ” وتضخيم فواتير إصلاحات وتهيئة لمكاتب ومقرات ومستودعات تابعة لها قبل نهاية السنة.
وأفادت المصادر ذاتها بأن مراقبي الضرائب شرعوا في التدقيق بشأن لجوء شركات متهربة إلى مقاولات أشغال ومكاتب محاسبة متخصصة في إنتاج وبيع فواتير تحت الطلب، بهدف رفع التكاليف المصنفة في الحسابات وتقليص الضريبة المستحقة ضمن الحصيلة المحاسبية السنوية، مؤكدة أن مهام الافتحاص شملت وثائق ومستندات واردة ضمن تصريحات 53 شركة حتى الآن، وركزت على مقارنة قيم حقيقية للأشغال مع تلك المصرح بها عبر صيغ مختلفة، رغم تعقد عملية مراقبتها.
المصادر نفسها أكدت رصد التحريات الأولية للمراقبين لجوء شركات في سياق التلاعب بالحصيلة السنوية للنشاط الإنتاجي إلى مكاتب محاسبة في الدار البيضاء ومراكش معروفة بهذا النوع من الممارسات؛ إذ تتكفل بإيجاد المقاولات التي تنجز أشغال التهيئة وتتفق معها على القيمة التي ستحصل عليها وتلك التي ستضمنها في الفاتورة، ويمكن أن يصل الفرق إلى أزيد من الثلث حسب طبيعة الأشغال، مشددة على إمكانية تحديد أتعاب مقاولات بشكل دقيق في مجالات معينة من الإصلاحات، في حين يصعب تحديدها في مجالات أخرى لا تتوفر مصالح الضرائب على قائمة مرجعية بشأنها.
وكشفت مصادر هسبريس عن تركز نشاط الشركات المشتبه فيها في مجالات التواصل، وتنشيط التظاهرات، وخدمة الزبائن، وتهيئة الأروقة، والتجارة، وتوزيع المواد الاستهلاكية، موضحة أن التدقيق في تصريحاتها الجبائية كشف عن تكرر استغلال فواتير تحمل الاسم التجاري لمقاولات معينة في تبرير نفقات مختلفة، لا تدخل ضمن نشاط الجهات المصدرة للفواتير، وذلك بعد التثبت من سجلاتها التجارية وتصريحاتها الجبائية أيضا، انطلاقا من الرقم التعريفي الموحد للضرائب (ICE).
وتتهدد الشركات المنتجة للفواتير المزورة والمستعملة لها غرامات، ويمكن أن تصل الجزاءات إلى عقوبات حبسية وفق مقتضيات المدونة العامة للضرائب؛ إذ تنص المادة 192 على أن تسليم أو تقديم فاتورات صورية تترتب عنه غرامة تتراوح بين 5 آلاف درهم و50 ألف درهم، وفي حالة العود قبل مضي خمس سنوات، فإن مرتكب المخالفة يعاقب، إضافة إلى الغرامة، بالحبس من شهر إلى ثلاثة أشهر.
وتعقب مراقبو الضرائب، وفق مصادر هسبريس، مسار مقاولات منتجة لفواتير أشغال وإصلاحات، أظهرت التحقيقات الجارية تمركز مقراتها عبر التوطين المحاسباتي (Domiciliation) بمكاتب للمحاسبة في الدار البيضاء أساسا. وقد أنتجت هذه الشركات آلاف الفواتير بمبالغ ضخمة تجاوزت قيمتها نصف مليار سنتيم خلال سنة واحدة فقط، علما أن أغلب الفواتير تضمنت مبالغ صغيرة بهدف عدم إثارة شكوك المراقبين.
يشار إلى أن مديرية الضرائب بإعدادها قائمة بالشركات “الوهمية” التي تتاجر في الفواتير، استهدفت محاصرتها وتجفيف منابع الدخل عنها، حيث تروج الفاتورة في السوق بنسبة تتراوح بين 2.5% و3% من قيمتها، علما أن نشاط هذا النوع من الشركات، التي لم تتمكن الإدارة الجبائية من حصر عددها حتى الآن، يضر بالاقتصاد الوطني، من خلال إحداث قيمة مالية غير حقيقية في الدورة الاقتصادية.
كل الشركات العالمية تحاول ألا تؤدي أي دولار كضرائب على الأرباح، وهذا لا يدخل في خانة التهرب أو التحايل، بل هو ممارسة قانونية وشفافة تسمح بالحفاظ على استدامة الاستثمار واستمرارية التطور. في نهاية كل سنة محاسباتية، تعتمد الشركات آليات عملية لتقليص الأرباح الخاضعة للضريبة، من خلال شراء أو تجديد المعدات أو تمويل البحث والتطوير أو الترفيه، وتُحتسب هذه النفقات كمصاريف تُخفّض الربح الصافي، وبالتالي تُخفّض قيمة الضريبة المستحقة دون أي خرق للقانون شريطة أن تكون الفواتير حقيقية.
وشخصيًا أقوم بنفس الشيء؛ أشتري لنفسي أفضل أنواع السيارات باسم الشركة، وأُمتّع أبنائي في أرقى المنتجعات خلال عطلة نهاية الأسبوع والعطل السنوية، وأقتني لهم أغلى الهواتف والحواسب باسم الشركة مع الاحتفاظ بالفواتير وتمريرها كمصاريف مهنية. وكل ذلك من المال الذي تعبت عليه، ومن حقّي أن أتصرف فيه كما أريد.
هذه السياسة ليست مراوغة، بل هي جزء أساسي من النمو الاقتصادي، إذ ينعكس كل دولار يُعاد استثماره في المعدات أو الترفيه على الاقتصاد الوطني ويساهم في خلق فرص الشغل. وحتى الحكومات تشجع هذه الممارسات إذا كانت الفواتير حقيقية.
أضن أن المبدأ هو أن الدولة تشجع الاستثمار المنتج وخلق القيمة والابتكار وعليه فإن الضرائب تقوم على مساهمة عادلة مبنية على النتيجة الحقيقية للنشاط، ولا تهدف إلى محاربة الاستثمار، بل إلى التصدي لخلط الذمم وسوء استعمال أموال الشركة، وليس تحميل الشركة مصاريف شخصية. ويبقى المنهج الضريبي مشروعا فقط ما دامت النفقات مرتبطة مباشرة بالاستغلال، وكل تجاوز لذلك يعرض الشركة ومسيريها للجزاءات القانونية، مهما توفرت الفواتير