وحدها الصدف شاءت أن يتزامن صدور كتاب”استبانة” للمفكر المغربي عبد الله العروي مع ذكرى وفاة الحسن الثاني وقضية “تفويت”عقارات في ملكية الدولة إلى مسؤولين سياسيين بأثمنة بخسة. لنشرح أكثر:
العروي مفكر مغربي يشيد مشروعه حول الحداثة غير آبه بين التمفصلات بين مجالي الفكر والأدب، فتارة تلفيه يترجم لروسو وتارة أخرى يقعد للأدلوجة وتارة أخرى يحتمي بالرواية، ثم استقر منذ كتابه “السنة والإصلاح” على جنس جديد من الكتابة الأدبية تميل إلى الشذرة السريعة والخاطفة مع حضور طاغ لأدوات الاستدراك والفراغات، مع تسجيل ملاحظة غاية في الأهمية، وهي أن العروي لم يعد “واصفا” للأحداث السياسية، مؤرخا “تاريخانيا” صارما، بل إن أسلوب الشذرة أفسح له مجالا كبيرا للتعليق عليها بكثير من”الخبث” الأكاديمي.
في الكتاب الجديد، يحاور صاحب”الأدلوجة” نفسه مسترجعا ذكريات عائلية واجتماعية أو ما نعته في شذرة سابقة بتأثير تربية الأم على النشأة النفسية والفكرية أيضا، ولا يتردد في الحفر في سديم عائلته- الأب- الأخ- الأخت-، لكنه في لحظة من اللحظات أن العروي، بدأ يفكك بنية المخزن ابتداء من محاولة القوى الكبرى التوغل داخل المغرب.
الوطنية، المقاومة، الحماية، الاستقلال، القبائل، الأعيان، المقيمون العامون، الزوايا، القبائل كلها تيمات تحضر في الكتاب الجديد بصيغ مختلفة بيد أنها تدافع عن تصور واحد – هذا فهمي على الأقل- وهو أنه كلما ساد اليقين أن المخزن مؤسسة ضعيفة، تنبعث من رمادها ولا يفتأ يشرح ذلك بكثير من الإسهاب في علاقة المخزن المغربي بسلطات الحماية..هو بنية نفسية قبل كل شيء.
هو مصدر الوطنية والتقليدانية، هو الضابط للتوازنات الكبيرة للدولة، هو منشأ النخبة التي تعضده والمتمثلة على وجه الخصوص في طبقة العلماء..إنه بمزيد من الوضوح حسب تعبير العروي ” شبح لكنه شبح والد هاميلت يسير حركات الأحياء”..
الحسن الثاني رحل سنة 1999أورث الجالس على العرش تركة ثقيلة: ماضي سنوات الرصاص، وضعية اقتصادية قريبة من “السكتة القلبية، وإلى جانب ذلك أورثه نظرية صاغها الحسن الثاني طوال فترة حكمه مدموغة برجال أقوياء في كل دواليب الدولة وبعقليات سكت بالحديد والنار وصنعت من طين الخوف، أقرت التبعية مبدأ من مبادئ الدولة إذا استعرنا جملة الأنتروبولوجي المغربي عبد الله حمودي.
الحسن الثاني ما يزال يحرك سكنات وحركات الأحياء في مغرب العهد الجديد، وما تزال الكثير من نظريات حكمه مستحكمة وتحتاج لوقت طويل كي تختفي، لأن الدول والشعوب التي تبحث عن المصالحات العظيمة لا تفعل ذلك في مدة زمنية قصيرة، وليس غريبا أن نصيخ السمع لمثقفين مغاربة كبار حين يقولون إن دستور 2011 يسير بنخب 1996..
المخزن لا يشبه فقط هاميلت كما وصفه العروي، إنما يشبه شخصية هاربة من الروايات الأوربية والأمريكية الناقمة على الثورة الحمراء..شخصية شاجة بالتناقضات إلى أقصى حد، فلا هي تريد أن تدين الثورة ومآسيها تحت سلطة رقيب ذاتي تربى بغير قليل من الوثوقية العمياء في كنف اليسار أيام الانشداد الآسر إلى كل ما يمت الثورة، ولا هي تريد أن توقف زحف المقاصل ضد المخالفين فقط لأن النقيض البرجوازي استقر في اللاوعي بأنه عدو للإنسانية..إنه مثل مثل شخصية أحمد سعداوي في “فرانكشتاين في بغداد” كلما شاخ كلما صار أكثر بأسا..
المخزن شبح يحرك حركات الأحياء ويتحكم فيها، ويرسم مساراتها، ويصنع نخبة تفكر بصوت واحد، وتؤمن بعقيدة واحدة..ويمنح، أيضا، بقعا بثمن زهيد للنخبة السياسية في طريق زعير..
… لا يحكمها المخزن ؟ هل هي أحسن حالا من المغرب ؟
دخلت تسمية " المخزن " القاموس السياسي المغربي منذ أن خصص بن تومرت دارا لجمع المؤونة في تنمل وكلف بها العبيد ، حيث ذكرهم رفيقه المؤرخ البيدق في مذكراته.
وفي عهد عبد المؤمن صارت التسمية تطلق على بيت المال حيث ذكر بن القطان في كتابه نظم الجمان ص177 ، وهو يتحدث عن مكارم عبد المؤمن الموحدي :
" ومنها أنه رضي الله تعالى عنه أحسن بضعف طلبة مجلسه المكرم من طلبة الحضرة منهم أبو محمد المالقي وغيره ، فقال لأشياخ الموحدين أعزهم الله تعالى : هؤلاء طلبة غرباء ضعفاء و الإقلال عليهم ظاهر ، فنرى أن ندفع لهم مالا نقارضهم فيه ، ويتجرون به ويردون السلف لنا ، فقالوا نعم ، فاسلفهم من مال المخزن ألف دينار لكل واحد منهم ، فكتسبوا منها وكانت أصل غناهم ، ولم يأخذها منهم أبدا ".
ثم شملت التسمية فيما بعد الدولة بما فيها السلطان و الحكومة.
يتميز النظام المخزني بالجمع بين التقليدي و الحداثي بسبب الحماية التي حافظت على إمارة المؤمنين و أسست بجانبها إدارة عصرية .
المخزن حارب نظام الحزب الواحد فأغضب اليساريين ، وحارب التطرف الإسلامي فأغضب دعاة الخلافة.