العلماء بين حضور المنهج وغياب الرؤية

العلماء بين حضور المنهج وغياب الرؤية
الجمعة 24 يوليوز 2015 - 13:05

العلماء هم ورثة الانبياء في مهمتهم العلمية والارشادية، والقيام بواجب التبليغ على الصورة المثلى التي لا تطرف فيها ولا تنطع أو تقعر؛ فهم جماعة تتميز بحب التضحية، والبذل والعطاء، وتوجيه الناس نحو الخير والمحبة، وأسوتهم في العمل رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله تعالى للناس بهذا التوجيه. قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا ) الاحزاب/45-46. يقول القرافي في فروقه: ” اعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الامام الأعظم والقاضي الاحكم والمفتي الاعلم، فهو صلى الله عليه وسلم إمام الأئمة وقاضي القضاة وعالم العلماء، فجميع المناصب الدينية فوضها الله إليه في رسالته، وهو أعظم من كل من تولى منصبا في ذلك المنصب إلى يوم القيامة، فما من منصب ديني إلا هو متصف به في أعلى رتبة”.

ولذلك فإن البناء الصحيح للعلماء ينطلق من بناء الشخصية المسلمة، وذلك بتهذيب الاخلاق وتصحيح السلوك، وبث روح المحبة والتسامح ونبذ أسباب الفرقة والخصام، لأجل ذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة أن يبلغ أحدهم زلات الآخر ويفضح عيوبه، أو أن ترفع إليه صلى الله عليه وسلم لأن ذلك يغير قلبه فيحرمون من سلامة صدره التي ينتفعون بها، ويستمدون منها الأنوار والأسرار الربانية. روى الامام أحمد في مسنده عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: ” لا يبلغني أحد منكم عن أحد من أصحابي شيئا، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر” (المسند: 1/396). ورغب صلى الله عليه وسلم الصحابة في ستر عُوَيْرَاتِ بعضهم البعض، لأن ذلك أسلم لهم وأرشد، لتبقى نظرة التعظيم والتوقير فيما بينهم، ولكي لا يفسد الذين في قلوبهم مرض وحدتهم ومحبتهم. فقد أخرج الامام الترمذي في سننه في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في شفقة المسلم على المسلم: قال صلى الله عليه وسلم: ” إن أحدكم مرآة أخيه، فإذا رأى فيه شيئا فليمطه عنه”. ﻭلهذا ﻛﺎﻥ ﺭﺳﻮﻝ ﷲ صلى الله عليه وسلم ﻳﻮﺟﻪ ﺍﻫﺘﻤﺎﻡ الصحابة ﻹﺻﻼح، ﻗﻠﻮبهم ﻭﻳـﺒين لهم ﺃﻥ ﺻﻼﺡ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻣﺘﻮﻗﻒ ﻋﻠﻰ إصلاح ﻗﻠﺒﻪ ﻭﺷﻔﺎﺋﻪ ﻣﻦ الأمراض ﻭﺍﻟﻌﻠﻞ الظاهرة والخفية. أخرج البخاري في كتاب الايمان، ومسلم في كتاب المساقاة عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” ﺃﻻ ﻭﺇﻥ في الجسد مضغة ﺇﺫﺍ ﺻﻠﺤﺖ ﺻلح الجسد ﻛﻠﻪ، ﻭﺇﺫﺍ ﻓﺴﺪت ﻓﺴﺪ الجسد ﻛﻠـﻪ، ألا ﻭﻫﻲ القلب “.

ومن خلال هذا المنهج النبوي، فإن مهمة العلماء ينبغي أن تكون بهذه الرؤية في تكوين الشخصية المسلمة، المحققة لجمال السلوك ومكارم الأخلاق، أما التربية على غير المنهج الرباني، فتؤدي إلى عدم الاستقرار، والتذبذب في الشخصية مما يولد التطرف. قال تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ) الزمر/29، إنه تصوير لرجلين، أحدهما يعيش على مناهج الناس وتصوراتهم وأقوالهم وأفكارهم، شأنه شأن العبد المملوك لعدد من الشركاء المتخاصمين، إنه موزع بينهم، ولكل واحد منهم عليه تكليف، وهو بينهم حائر لا يستقر على رأي، ولا يستقيم على طريق، ولا يملك أن يرضي أهواءهم المتناقضة التي تمزق فكره واتجاهاته، والرجل الثاني الذي يتبع منهج الله، حاله حال عبد يملكه سيد واحد، يعلم نوازعه ورغبته، وأشواقه وعواطفه، ومحيط بطاقاته وقواه، ومحب له، وراغب في استمرار حياته، واعتدال منهجه، وتحسين توجهه وسلوكه، ولذلك فهو عبد مستريح مستقر على منهج واحد سليم وصريح. (هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) الزمر/29. فالعَالِمُ إذن ليس عَالِمَ جماعة أو طائفة، بل هو لجميع الناس يسير بهم وفق المنهج الرباني الذي يربي القلوب على الايمان، والقيم السامية، لتستقيم الخطى إلى الله حبا واطمئنانا، وثقة وتعاونا، وانسجاما وتآلفا وتسامحا؛ أما الخطاب المتناقض والمتهافت في العمل والسلوك، يؤدي دائما إلى انهيار البناء، وتبدد الأعمال، ونشوء الطائفية، والاستهزاء والإساءة إلى القيم. يقول تعالى: ( وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ۚ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) النحل/92، وفي هذا المثل صورة لامرأة متناقضة، لا عزم لها ولا إرادة، ولا منهج لها ولا استقامة، لأنها تعمل وتنقض عملها، وتظهر للناس حقيرة مهينة، حتى لا يتحول العلماء في هذه الأمة إلى مثلها.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • Ahmed52
    السبت 25 يوليوز 2015 - 13:46

    لم افهم شيئا .

    ادا افترضنا ما تقول سيدي:

    – ان تكون عبدا مملوك لعدد من الشركاء المتخاصمين .؟؟؟؟؟؟؟.

    – الرجل الثاني الذي يتبع منهج الله، حاله حال عبد يملكه سيد واحد .؟؟؟؟؟؟.

    فاين الرؤية في مقالك؟.

    لم تستطع ان تخرج عن نطاق العبودية. سواء عبودية من الانسان لاخيه الانسان او من الله للانسان.

    عندما تقر بان الانسان عبد للانسان فهده مصيبة لا يمكن ان تنطبق هده النظرة على عصرنا ولا رؤية مستقبلية لها في المعاملات البشرية.

    اما الفكرة الثانية فنحن لسنا عبيدا لله نحن خلفاء الله في الارض يا سيدي.

    وشكرا.

  • zairi
    الأحد 26 يوليوز 2015 - 12:21

    المشكلة أن هذا الدين (في حالتنا بالخصوص) بدأ يلعب دورا كارثيا في حياة الانسان،ويحولها إلى جحيم،فكلما سنحت الفرصة لكهنته بالتكشير عن انيابهم،وإطلاق العنان لتصريف النصوص وتحويلها إلى أفعال،وتحريرها من القيود التي أحيطت بها،رأيت أمامك المجازر،وسيناريوهات قد لا تتوقع مشاهدتها حتى في أفلام الرعب،فعمت الهمجية والتوحش واللاإنسانية في كل مكان.وهذا ليس إلا من بركات مجموعة من المجانين والحمقى،الذين نصبوا انفسهم أنبياء لا حجاب بينهم وبين "الله"،وصدروا تخميناتهم كتعليمات إلهية لا تقبل غير التنفيذ،وشرعنوا الطريق بينهم وبين تحقيق طموحاتهم السياسية،وأحاطوا هذا الطريق بالاوامر الالهية المقدسة.وكان لهم الفضل في تحويل "الله" إلى دابة يركبها من هب ودب.
    بالتالي فلا ملامة على أحد إن اختار التخلص من الدين،فلم يعد سوى مادة منتهية الصلاحية،قد افسدت الاجواء.

  • محمد**المغرب
    الأحد 26 يوليوز 2015 - 15:43

    1- انطلق المقال من مسلمة : العلماء هم ورثة الانبياء .وماذا نعمل بالمسلمة التابتة وعليها اجماع وهي : الانبياء لا يورثون.
    2- المشكلة ليس في الاسلام وانما في المسلمين…
    3- الاحظ ان الكتاب الاسلاميين ليس غردهم الوعظ وانما الطفطاح في الاسلوب اللغوي…..
    4- مفهوم العالم في هذا العصر اصبح caduc

صوت وصورة
بركة يعد بردع المضاربات
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 00:06

بركة يعد بردع المضاربات

صوت وصورة
من ورقة الاقـتراع إلى الحكومة
الخميس 17 شتنبر 2026 - 22:00

من ورقة الاقـتراع إلى الحكومة

صوت وصورة
ملعب هسبريس | اعترافات مثيرة لبابلو فرانكو
الخميس 17 شتنبر 2026 - 21:20

ملعب هسبريس | اعترافات مثيرة لبابلو فرانكو

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | المصطفى بنعلي
الخميس 17 شتنبر 2026 - 21:00

الطريق إلى الانتخابات 2026 | المصطفى بنعلي

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | إدريس لشكر
الخميس 17 شتنبر 2026 - 18:15 4

الطريق إلى الانتخابات 2026 | إدريس لشكر

صوت وصورة
الفصل 34 وحقوق الإعاقة
الخميس 17 شتنبر 2026 - 17:30 1

الفصل 34 وحقوق الإعاقة