الكراهية في زمن الأسماء المستعارة .. العنف الرقمي يجرح المجتمع المغربي

الكراهية في زمن الأسماء المستعارة .. العنف الرقمي يجرح المجتمع المغربي
كاريكاتير: عماد السنوني
الخميس 19 يونيو 2025 - 03:00

بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة خطاب الكراهية، الذي يُحتفل به في الـ18 من يونيو من كل سنة، شدد مهتمون بالشأن الثقافي والاجتماعي بالمغرب على ضرورة تعزيز الآليات الزجرية لمواجهة هذا النوع من الخطاب، خاصة على منصات ومواقع التواصل الاجتماعي التي أصبحت مرتعًا خصبًا لنشر خطابات الإقصاء والتحريض ضد الأفراد وكذا الجماعات، مؤكدين في الوقت ذاته أهمية إرفاق هذه المقاربة الزجرية بمقاربات أخرى ذات طابع تربوي وتوعوي من أجل تأهيل الناشئة وتعزيز مناعة المجتمع ضد خطابات الكراهية بما ينسجم مع الرصيد الحضاري والثقافي للمغرب كأرض للتسامح والتعايش.

في هذا الصدد، قال خالد التوزاني، أستاذ جامعي رئيس المركز المغربي للاستثمار الثقافي، إن “خطاب الكراهية في المغرب يُعد استثناءً، وتيارًا دخيلاً لا ينتمي إلى الثقافة المغربية ولا إلى الهوية الوطنية، لأن الشخصية المغربية تقوم على احتضان الآخر المختلف وقبوله، وتتأسس على التسامح والتواصل والانفتاح، ولذلك لم يعهد المغاربة خطاب الكراهية؛ فهو حالة مستجدة، ولها صلة بتحولات العصر، وتحديدًا ما له صلة بتكنولوجيا التواصل والإعلام، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، التي يستغلها بعض مستخدمي هذه المواقع في الإساءة إلى الآخر، وفي نشر الشائعات، والتنمر، ونشر الإحباط، أو إثارة بعض المشكلات”.

وأضاف التوزاني، في تصريح لهسبريس، أن “أصحاب هذه الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي غالبًا ما يختارون الاختفاء وراء أسماء مستعارة وهويات غامضة، الشيء الذي يوحي بأنها شخصيات معظمها غير مغربية، وإنما تسعى إلى زرع التفرقة، وتشتيت وحدة المغاربة، وزعزعة القيم والأخلاق المغربية الأصيلة، وعلى رأسها التسامح وقبول الآخر”.

وتابع بأن “ظاهرة خطاب الكراهية مرتبطة بالبعد النفسي والسياسي أكثر من ارتباطها بالظروف الاقتصادية والاجتماعية. ويتمثل البعد السياسي في رغبة أصحاب بعض الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي في الترويج لتيار معين أو أفكار محددة، ما يضطرهم إلى نبذ التيارات الأخرى والتقليل من أهميتها، ويقودهم الحماس والتعصب لمواقفهم إلى تشويه صورة الآخر والدعوة إلى عزله وتهميشه وازدرائه، فتقع تلك الصفحات في خطاب الكراهية إما بوعي أو بدون وعي”.

وأبرز أن “هناك حاجزًا وفاصلًا بين العالم الرقمي أو الافتراضي والعالم الواقعي أو الميداني؛ لأن الإنترنت يساعد على إخفاء الهوية ونقل الخطاب بأشكال مختلفة، مع قدرة عالية على التأثير في شريحة واسعة من مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي، لكن في الواقع الميداني يصعب الجهر بخطاب الكراهية في المجتمع المغربي؛ لأنه مجتمع متشبع بقيم مغربية أصيلة، على رأسها التسامح، وقبول الاختلاف، والتضامن، والتعاون، والرحمة، والبر، والإحسان… فلا يجد خطاب الكراهية موقعًا له داخل المجتمع المغربي حيث يتم استنكار كل خطاب غير منسجم مع القيم المغربية. ولذلك، فإن مثل هذه الخطابات المتطرفة لا تجد لها مكانًا إلا في مواقع التواصل الاجتماعي بسبب خاصية الاختباء وراء أسماء وهمية”.

وحول طبيعة المقاربات الواجب اتباعها لمواجهة هذا النوع من الخطاب، سجل رئيس المركز المغربي للاستثمار الثقافي أن “القوة الزجرية مهمة في الحد من تزايد خطاب الكراهية في منصات التواصل الاجتماعي، وقد أثبتت فعاليتها في كثير من الأحداث، لكن بالتأكيد لا بد من دعم هذه المقاربة الأمنية بمقاربة أخرى تربوية وتوجيهية، من خلال إدماج أخلاقيات الإنترنت في البرامج الدراسية، وتأهيل الناشئة لكيفية التعامل السليم مع مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك منذ سن مبكرة؛ لأن الجيل الحالي له اهتمامات كبيرة بالإنترنت، وينبغي مده بأدوات التحصين حتى لا تجرفه التيارات الدخيلة، التي تستهدف تغيير قيمه وتسخيره لخدمة أغراضها. فالمغرب مستهدف في تنميته واستقراره، ولذلك ينبغي محاصرة كل الخطابات المتطرفة والدخيلة على المجتمع المغربي، وعلى رأسها خطاب الكراهية”.

من جهته، ذكر الحسين العمري، باحث في السوسيولوجيا، أن “مواقع التواصل الاجتماعي وفّرت لكُثُر فضاءً خصبًا للتنفيس عن النفس، ولتصريف مختلف المشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي يعانون منها، ولو في شكل خطابات غير مقبولة إنسانيًا، كخطاب الكراهية، الذي يُعد ظاهرة عالمية لا تقتصر فقط على مجتمع دون غيره، أو على دولة دون أخرى، بل إنه أكثر انتشارًا في بعض البلدان التي توصف بالمتقدمة علميًا وثقافيًا”.

وأوضح العمري، في حديث مع جريدة هسبريس الإلكترونية، أن “الذين يروجون لخطاب الكراهية، سواء تجاه أفراد أو جماعات، غالبًا ما يكونون مدفوعين بأسباب إيديولوجية أو سياسية أو حتى عرقية ودينية، كما أن هذا الخطاب غالبًا ما يجد صداه في أوساط الفئات المحرومة، التي تتأثر به وتجد فيه بديلًا أو تفسيرًا للمشاكل التي تعاني منها”، مبرزا أن “مواقع التواصل الاجتماعي ساهمت بشكل كبير في انتشار هذا الخطاب، حتى إن ما يسمى الذباب الإلكتروني هو واحد من تمظهرات هذا الأمر، من خلال استهداف مجموعة من الحسابات لأشخاص أو جماعات، لأسباب معينة، بغية ضرب سمعتهم وصورتهم”.

وتابع المتحدث ذاته بأن “انتشار خطاب الكراهية ينطوي على كثير من الخطورة بالنسبة لأي مجتمع؛ إذ يهدد تماسكه واستقراره، ويبث التفرقة والشعور بالنقص والدونية بين مكوناته. وبالتالي، فإن التصدي لهذا النوع من الخطاب يتطلب أولًا تعزيز الأطر القانونية الرادعة، وتشديد العقوبات فيما يتعلق بجرائم الكراهية التي تهدد النظام العام، إضافة إلى الرهان على مقاربات أخرى بشكل موازٍ، كالتربية والتعليم والأسرة وإشاعة ثقافة الاختلاف والتسامح، مع العمل أيضا على معالجة السياقات التي تنتج هذا الخطاب الهدام”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • مواطن مغربي
    الخميس 19 يونيو 2025 - 06:50

    العنف الرقمي أو التنمر لم يأتي من فراغ فهو يعبر على عدة اشياء يعاني منها المواطن المغربي لذا يجب معالجة الأمور من جدورعا و ليس بالمقاربة الأمنية فهم يعانون مثلا من انعدام التربية و نقص في التعليم و المسألة ترجع للابوين و للمدرسة. و هم أيضا ربما يعانون من القمع و الضغوط و هم أيضا ربما يعانون من البطالة و الحرمان.

  • الهجرة القروية
    الخميس 19 يونيو 2025 - 08:20

    سبب جل المشاكل الاجتماعية والنفسية والتخلف والأمية والعنف والكراهية هي الهجرة من القرى إلى المدن خلال التسعينيات بطريقة مبالغ فيها وممنهجة .حيث لم يتمكن المهاجر المغربي إلى المدن من الانسجام مع ضروف العيش وقواعد المدينة من دون مواكبة مجتمع مدني او برامج حكومية، واليوم أصبحت المدن بدورها بوادي والأحياء عبارة عن دواوير بسبب العشوائية التي تودي إلى الهمجية.

  • الى المعلق التاني
    الخميس 19 يونيو 2025 - 13:54

    واش تقدر تقول نفس الهضرة على الهجرة الافريقية او انتمما حادكين غير فالمغاربة المغربي حاضي المغربي والافريقي قاضي حاجة

  • Sarfati
    الخميس 19 يونيو 2025 - 13:56

    أولا؛ يمكن للأجهزة الأمنية المختصة برصد كل شخص يدخل الإنترنت، وهناك أساليب يعرفها الامني ن للوصول إلى المطلوب ولو يع+ل تحت 100 إسم مستعار، فهناك ما يسمى بالأثر السيبراني.
    ثانيا؛ لا يجب النظر للمجتمع المغربي عبر نظارات وردية، العنف التنمر موجود قبل الإنترنت، ومثال ذلك مشجعي فرق كرة القدم. كم من معارك في الملاعب كانت تقوم في السبعينيات خاصة عندما كان يلعب الجيش الملكي والفتح؟ لذلك هي مسألة تربية، كما أشار احد المعلقين.

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 12

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 6

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32 4

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع

صوت وصورة
إصلاح الضريبة على الدخل
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 17:47 3

إصلاح الضريبة على الدخل

صوت وصورة
لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 16:02 7

لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة