على واجهات عديدة وعلى أكثر من مستوى، يمكن لفعل المجتمع المدني الرصين أن يقوم بدور وإسهام رافع، بما في ذلك ما هو بتماس مع مؤسسات عالمة وفعل أكاديمي يخص تأهيل تجارب ومن ثمة موارد تأطيرا وتكوينا، من خلال ما يسمح بخوض غمار مجالات عديدة منها استحقاقات علمية فكرية فضلا عما هو بعلاقة مع تنمية مجتمع.
ولعل من المفيد لكل فعل مدني يراد به أثرا فعلا من جهة وقاطرة ببرامج تنموية عملية وظيفية من جهة أخرى أن يكون بخطة عمل وورش بمعالم واضحة واقعية حريصا على مدخلات وتدابير ومخرجات، تستمد روحها وكيانها فعليا وتفاعليا من مرجعية دستورية قانونية، تجعله بإدراك جيد لمهامه ولِما يمكن أن يسهم به من إشعاع وخلق وتشارك وتلقيات ضمن حلقات معرفة ومهارات منفتحة مستدامة.
ولا شك في أن من المهم بالنسبة لأي فعل جمعوي استيعاب ما هو بصدده وما مقدم عليه، بتحريكه لوعيه وانتقاله مما هو نظري مغلق صوب ما هو إنجاز وإنتاج ومن ثمة ما هو منشود من أثر نماء.
وعي جمعوي جهوي تأسس عليه أول ملتقى جهوي للمؤرخين الشباب قبل خمس سنوات، ذلك الذي احتضنته فاس في ربيع سنة ألفين وستة عشر من قِبل جمعية روافد بفاس بتعاون مع جامعة سيدي محمد بنعبد الله بفاس. موعد علمي جمعوي تأسس على شعار “المؤرخ في قلب نهضة الشعوب” تكريما لعلمين عِلميين وعميدين مقتدرين كل من الدكتور عبد الرحمن طنكول والدكتور إبراهيم أقديم. وبالمناسبة في كلمة افتتاحية تحدث الدكتور عمر صبحي، رئيس جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس آنذاك، عما كان عليه المحتفى بهما من جدية أغنت تدبير المؤسسة الجامعية بفاس إن على من حيث تطوير عرضها العلمي أو ما هو حكامة إدارية وبيداغوجية، مشيرا إلى ما يمكن أن يسهم به الفعل الجمعوي من جهة والباحثين الجدد بالجامعة المغربية من أدوار طلائعية كخلف من جهة أخرى.
في شق ملتقى فاس الأول للمؤرخين الشباب العلمي، كانت هناك إسهامات باحثين متخصصين عن مؤسسات جامعية عديدة، وكان سؤال البحث العلمي والتجديد وعلاقة المؤرخ والأديب من خلال تجربة كل من عبد الله العروي وأحمد التوفيق وغيرهما ممن اهتم بالرواية والتاريخ هو ما توزعت عليه ورقة الدكتور عبد الرحمن طنكول، عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر مهراز بفاس سابقا ورئيس جامعة ابن طفيل بالقنيطرة آنذاك. أما الدكتور محمد بن هاشم، الباحث الاسم الذي طبع الدرس الجامعي بفاس على امتداد عقود من الزمن، فقد تحدث للمؤرخين الشباب في هذا الموعد عن تفردات مدرسة تاريخية مغربية مقارنة بأخرى عربية إسلامية مشرقية، من خلال قراءته ومقاربته لمسألة الجيل والتاريخ ولنماذج من مؤرخين وباحثين مغاربة تباينت اهتمامهم وتخصصاتهم بين زمن قديم ووسيط وحديث ومعاصر وراهن بحسب أولويات وسياقات عديدة ومتداخلة. مع وقفة تأمل له حول ما هو محلي وعام في تاريخ المغرب وما هو جزئي وكلي فيه، دون إغفال جهود واهتمامات استهدفت الرد على إنتاج فكري تاريخي استعماري باعتماد مناهج عديدة، مؤكدا أن المدرسة التاريخية المغربية كانت بزعامات وأنها في عمقها هي مدارس وليست مدرسة واحدة.
من إسهامات ومداخلات ملتقى فاس للمؤرخين الشباب هذا، تلك التي تقدم بها الدكتور سمير بوزويتة، الباحث المجدد والمتجدد عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس فاس حاليا، صاحب عدد من الإصدارات العلمية في حقل التاريخ؛ منها مؤلف “مكر الصورة” و”تاريخ العظام البشرية في مغرب القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين”.. مساهمة تمحورت حول سؤال فعل المؤرخ وتفاعل المؤرخ ومتاهاته، من خلال إثارة جملة سياقات ومكونات من قبيل تمثلات هذا الأخير وانشغالاته عند تأهبه صوب التاريخ، ومن قبيل رهانه من تفاعله مع ثابت ومتحول وذاتٍ وتجارب قائمة. هكذا، تم استحضار الإنسان كمفهوم مهيكل للزمن التاريخي باعتباره مختبرا منبعا لأسئلة المؤرخ، كذا وعي تاريخي بفترة وسياق وتأثير من خلال تجربة ابن خلدون الذي كتب عبرته قاصدا تجاوز عقبة بلوغ حقيقة تاريخية، حيث ظهر معاصرا برغبة في أن يكون شاهدا على زمن تاريخي بسؤال لا انتماء له زمنا ومكانا، إلى جانب السؤال عن علاقة التاريخ بالفلسفة تحديدا عند تحول المؤرخ لفيلسوف، وعندما يكون التاريخ صانعا للمؤرخ والمؤرخ صانعا للتاريخ وأثناء وجود المؤرخ بين حق وماض وحقيقة وسياسة وقيم. ولم يغب عن نقاش المؤرخ ومتاهاته ما يهم تجرده ومهنيته وتماساته وما ينزعج به عن ماض واقع، كذا موقعه من وقائع ماض ومسافات فاصلة وتقييم وبرهانية ووثائق ووارث وموروث.
وعن كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمكناس في مداخلة علمية لفائدة مؤرخين شباب، تحدث الدكتور رشيد بنعمر عن البحث التاريخي في المغرب، مسارا واقعا حصيلة ورؤية بين السياسي والمهني، مشيرا إلى أن البحث في حقل التاريخ كإشكال هو قضية منظومة، وأن بداياته تعود إلى زمن الحماية بالنظر إلى ما تم إحداثه خلال هذه الفترة من مؤسسات ومعاهد وغيرها، وأنه بعد استقلال البلاد تأسست أولى الجامعات بكل من الرباط وفاس حيث بدأت أول الأعمال العلمية الإنسانية والاجتماعية. لتتم مناقشة أول رسالة جامعية في التاريخ بالرباط عام 1963 وأول رسالة جامعية في التاريخ بفاس عام 1980. في وقت عانى فيه الباحثون من صعوبة توفيقهم بين البحث والعمل ومن حصولهم على الوثائق كذا ولوجهم إلى دور الأرشيف. ومما ورد من إشارات في المداخلة ما جاء حول سبل وكيفية حفظ البحوث العلمية الجامعية بدءا من بحوث الإجازة، خاصة منها تلك التي تم إعدادها وإنجازها خلال السنوات الأولى للجامعة المغربية أي خلال فترة سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، عندما كانت الإجازة تعادل دراسات عليا حاليا من حيث متنها ومنهجها وقيمتها المضافة. ولم يغب الحديث في ملتقى فاس الأول للمؤرخين الشباب هذا قبل خمس سنوات عن فلسفة التاريخ وأهمية الوثيقة في الكتابة التاريخية، ما تمت مقاربته من خلال مداخلتين قيمتين لكل من الدكتور محمد حجاوي والدكتور لحسن اوري عن جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس.
وبقدر ما كان هذا ملتقى المؤرخين الشباب في دورته الأولى بفاس موعدا لمطارحات فكرية ومقاربات وقراءات جمعت بين علم ومنهج ومعرفة ورأي ونقد واجتهاد وانفتاح وإنصات وبين سلف وخلف هما في تماس ببحث علمي وتكوين وتأطير لرسم موقع تاريخ ومؤرخ في نماء ونهضة وبناء الشعوب بقدر ما كان هذا الملتقى موعدا فكرة وبادرة لإعطاء المؤرخ ما يستحق من اهتمام كفاعل بين ماض وحاضر واستشراف، كذا إثارة انتباه الجميع لفعل وفاعلية فئة مؤرخين هم نخبة مثقفة عضوية لها ذكاءها ورأيها ومقترحها وفهمها ونقدها، ما هو بقيمة مضافة مهمة لفائدة كل ورش وتشارك وتحول وإقدام ورهان، من أجل كل سياسة واقتصاد ومجتمع وتواصل وحكامة واستدامة تهم البلاد والعباد؛ وهو ما ينبغي الوعي به في أية استحقاقات ومهام من شأنها جعل المؤرخ في قلب كل بناء وتنمية وخيار باعتباره مراقبا ملاحظا باحثا ودارسا..
وإذا كان المؤرخ من علامات ومعالم المجتمع التي من غير المفيد القفز عليها وعلى موقعها ودورها ورأيها وإسهامها، لما هي عليه من مزايا وقدرة… لفائدة بعث الأمم واستنهاضها وصيانة تماسكها وبناء صرحها الفكري، فهو بذكائه وتقييمه كضمير مجتمع يظل حاضرا في جميع الاهتمامات والتخصصات الحقول العلمية حقة كانت أم إنسانية. ومن جميل ما تم التوقف عليه في ملتقى فاس الأول للمؤرخين الشباب هذا كون المؤرخين الباحثين المغاربة كانوا بمهام طلائعية وما زالوا سواء في مجال البحث والتأطير والتكوين، أو من خلال إسهامهم في الكشف والتنقيب وإماطة اللثام عن جوانب مغمورة وأحداث وشخصيات وجزئيات، بحيث ما كان عليه هؤلاء من جهد وإنتاج وتأليف وتحقيق.. كان بدور مهم لفهم قضايا واكتمال حلقات عديدة منها كانت مفقودة. وعليه، فإن من كتب من هؤلاء الباحثين حول تاريخ المغرب فقد كتب حول ما هو هوية ومواطنة ووطنية وذاكرة جماعية.
من هنا، ما أثث ملتقى فاس الأول للمؤرخين الشباب من عرفان والتفات من خلف لسلف، ومن احتفاء انحبست أنفاسه أحيانا من شدة تأثر على وقع كلمات فضلا عن تعبير شعر لا كغيره، كيف لا وقد كان شعر عبد الكريم الوزاني والحسين بوقسيمي اللذين سمحا بنكهة خاصة لحفل تكريم واعتراف. كل هذا وذاك قبل رفع ستار موعد كان فسيفسائيا فكرا معرفة حلما وعرفانا، بكلمة ختامية تناول فيها الدكتور إبراهيم أقديم بأسلوب رصين أهمية تسلح جيل المغرب الجديد بما ينبغي من ذكاء ورؤية ومعرفة، داعيا المؤرخين الشباب إلى حمل المشعل بما ينبغي من مناعة فكر ومنهج وأدوات بحث وأسس لتحقيق الجيد من الدراسة والبحث. مشيرا إلى دور المؤرخ المهم والجوهري لفائدة هوية البلاد ووحدتها وتماسكها واستمراريتها، داعيا الباحثين الجدد بالجامعة المغربية كل من موقعه إلى رفع وإغناء ثقافة وحضارة مغرب كانت دوما بوقع عبر الزمن.
على المؤرخ ان يحاول ان يستفيد منه مجتمعها وليس كتابة التاريخ من اجل تطوير الذات لان اغلب المؤرخين المغاربة والعرب يرددون ما كان يرددها ابن خلدون ولم تظهر مند تلك الفترة اية نظرية جديدة هذا من جهة ومن جهة أخرى البحث عن نظريات جديدة يمكن ان يستفيد منها المجتمع على غرار مؤرخي وفلاسفة اوربا .