المجلس الوزاري في المنزلة بين المنزلتين

المجلس الوزاري في المنزلة بين المنزلتين
الإثنين 16 يناير 2012 - 16:26

في الوقت الذي تعلن فيه جريدة أخبار اليوم على صفحتها الأولى عدد 651 ليوم الاثنين 16 يناير أن رئيس الحكومة من المستبعد أن يعرض البرنامج الحكومي على المجلس الوزاري للمصادقة عليه قبل عرضه على البرلمان تتحدث جريدة الأحداث المغربية في عددها 4561 لنفس اليوم وحسب مصدر حزبي مطلع أن البرنامج الحكومي سوف يعرض على المجلس الوزاري قبل البرلمان. وحسب نفس الجريدة دائما أن مصادر مطلعة رجحت أن تكون الترتيبات تسير في اتجاه عرض البرنامج الحكومي على المجلس الحكومي غدا الثلاثاء ، وإحالته على البرلمان يوم الجمعة القادم وذلك بعد مجلس وزاري مرتقب بين فترتي المجلس الحكومي والبرلمان. ولم تستبعد نفس المصادر إمكانية المرور مباشرة إلى البرلمان لعرض البرنامج الحكومي حتى دون عقد اجتماع لمجلس الوزراء، في حالة عدم رصد تغييرات جوهرية في السياسة العامة للبلاد قد يكون تضمنها البرنامج.

لا أعتقد أن الأمر فيه ارتباك للحكومة أمام هذا الأمر ولا أعتقد كذلك أن المسألة مرتبطة بوجود إشارة في الدستور الجديد من عدمها تنظم إجراء من هذا النوع. الموضوع أولا يشكل سابقة في تاريخ تنصيب الحكومات بالمغرب. فالدستور القديم لم يتحدث بالنص الصريح عن وجود مؤسسة ذات طبيعة إستراتيجية مخول إليها التداول في التوجهات الإستراتيجية لسياسة الدولة كما أن البرامج الحكومية كانت في عمومياتها تبتعد عن ما هو استراتيجي لأنها تعتبره ضمنيا فضاء من اختصاص الملك وأن الحكومة هي الأداة التنفيذية لترجمة التوجهات الإستراتيجية للدولة التي يرسم معالمها الملك من خلال خطبه ويشرف على تفاصيلها مستشاروه قبل أن تشرع الحكومة في التنفيذ والإشراف العملي. وهذا التفصيل هو الذي أطر مرحلة الأوراش الكبرى التي أطلقها الملك طيلة العشر سنوات الفارطة في تناغم مع الحكومات الثلاث السابقة قبل مجيء المناخ الجديد والذي يعرف بالربيع العربي حيث سقوط ثلاث أنظمة عربية أدى في المغرب إلى دستور جديد أعاد ترتيب دوائر القرار بين الملك والحكومة في إطار مقاربة تشاركية لصناعة القرار الإستراتيجي في الدولة داخل مؤسسة هي الأخرى ذات طبيعة إستراتيجية تحت عنوان المجلس الوزاري وينظم صلاحياتها الفصل 49 من الدستور الجديد.

ثانيا، نحن أمام تمرين جديد على كيفية ممارسة الدستور الجديد. وهناك تفاصيل تعتبر معاملات جديدة في صياغة معادلة التوازن على مستوى صناعة وتدبير القرار الإستراتيجي في الدولة. التفصيل الأول يتمثل في كون الحكومة تعلن على أن برنامجها يتضمن بعض القضايا ذات طبيعة إستراتيجية وهي في مرحلة إعداد هذا البرنامج وبالتالي من الضروري المصادقة على هذه القضايا داخل المجلس الوزاري قبل عرض البرنامج على البرلمان. أما التفصيل الثاني فيتمثل في تعامل المؤسسة الملكية مع هذا الأمر إذ تصبح الحكومة صاحبة المبادرة في الدعوة إلى انعقاد المجلس الوزاري وهو أمر في حد ذاته سابقة. أما التفصيل الثالث فيتمثل في كون الدستور الجديد لم يتحدث عن كيفية تدبير هذا الإجراء الشيء الذي قد يستدعي تدخل المحكمة الدستورية في كل الحالات سواء تعلق الأمر بالذهاب إلى البرلمان مباشرة ببرنامج حكومي ذو توجهات إستراتيجية جديدة أو تعلق الأمر بعرض البرنامج الحكومي على المجلس الوزاري قبل البرلمان في غياب أي نص في الدستور ينظم هذا الإجراء.

ثالثا، حتى تنتهي الحكومة من صياغة برنامجها ،وأشير هنا على ما يبدو أن الأغلبية الحكومية تشتغل في جو من الأريحية فيما يخص هذا الأمر بالذات، وهي حرة في تقديم برنامجها للمغاربة دون تدخل من طرف مستشاري الملك. فإذا جاءت الحكومة بتوجهات إستراتيجية جديدة ولها قدرة الدفاع عنها فأمامها المجلس الوزاري حيث من اختصاصه التداول في طبيعة هذه التوجهات قبل عرض البرنامج على البرلمان لأن الفصل 49 ينظم بدقة صلاحيات هذا المجلس، وعليها مواجهة المعارضة الظاهرية ( التي تأخذ بظاهر النص الدستوري دون تأويل ) وإذا شاءت الحكومة الاستمرار في التوجهات العامة للدولة والاهتمام بالشق العملياتي كما جاء في برامجها الانتخابية “فكفى الله المؤمنين شر القتال”.

رابعا، لا أعتقد أننا سوف نستطيع أن ندخل ورش التنزيل الديمقراطي للدستور ونحن نتعامل مع الوثيقة الدستورية بفقه القانون الدستوري وأدوات العلوم السياسية فقط في حين أن سياق التحول في المغرب كما في العالم العربي يفرز يوميا تعقيدا وضبابية ومخاطر وتسارع في الأحداث وبالتالي وجب تدبير هذا السياق بأدوات الحكامة فيما تعنيه من :
(Les bonnes pratiques dans les différentes disciplines)

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • محمد أيوب
    الإثنين 16 يناير 2012 - 20:37

    عجيب أمر بعض الذين يكتبون عن واقع مشهدنا السياسي،وعجبي هذا مصدره شبه اليقين عند هؤلاء الكتاب الأفاضل وذلك حينما يبنون على شيئ باطل أحكاما واراء لهذا المشهد السوريالي…انا من الذين يرون أن الاستفتاء على الدستور كان مخدوما وكذلك نتائج الانتخابات الأخيرة…ليست لي حجج عن ذلك،وانما هو رأي شخصي لا أقل ولا أكثر تؤيده الوقائع التي صاحبت ذلك،وعليه فانني أتعجب من هؤلاء الكتاب الكرام الذين يذهبون بعيدا وبتعاملون مع واقع مبني على التزوير والتلفيق وكأنه واقع نابع من ارادة شعبية…ثم ان الجميع لا حظ وتتبع مخاض ميلاد حكومتنا الجديدة/القديمة والتي نعرف جميعا أنها لا تملك قرارا فعليا في كثير من الأمور التدبيرية المهمة،وعندما يرى البعض بأن هذه الحكومة هي بمثابة رجل اطفاء لامتصاص غضب الشارع ومحاولة الاستجابة لمطالب حراك الشارع فانه يقول حقا…اذ ان القائمين على امورنا كان عليهم أن ثيتحركوا قبل فوات الأوان والا أصابتهم عدوى ما وقع في بلدان أخرى…والخلاصة أن من يتحدث عن الحكومة والمجلس الوزاري والمؤسسات وغير ذلك فهو واهم…هذا هو رأيي…والله أعلم.

  • ENA
    الإثنين 16 يناير 2012 - 23:26

    في الحقيقة لا يوجد نص دستوري صريح يلزم رئيس الحكومة بان يعرض البرنامج الحكومي او لا يعرضه على المجلس الوزاري…فطبقا للفصلين 49 و 92 من الدستورفان تداول المجلس الوزاري في التوجهات الاستراتيجية للدولة و السياسة العامة للدولة وبالتالي يشكل الفصلين 94 و 92 الاطار الدستوري للبرنامج الحكومي.هذا الاخير الذي يتضمن السياسة العامة للدولة و القضايا الاستراتيجية .

  • االمريني
    الثلاثاء 17 يناير 2012 - 22:01

    عاشت الساحة الوطنية في الأيام والأسابيع الماضية من تعيين حكومة بنكيران وسط جدل دستوري وسياسي لا ينتهي ، انصب حول تأويل وتفسير تصرفات ومواقف الحكومة الجديدة وموقعها من اعراب الدستور الجديد . ولعل هذا الاشكال موضوع المقال جزء من من هذا الجدل ،الذي يعطي الانطباع بأن المشرع الدستوري تعمد خلق الغموض حول المقتضيات الدستورية للابقاء على حالة اللبس في عملية توزيع السلط والاختصاصات .وبالتالي التحكم في اللعبة السياسية .ألم يكن أجدر بالمشرع الستوري أن يحسم هذا الجدل بالافصاح عن المفتضيات التي من شأنها أن تثير الغموض والتأويل ويفسح المجال بالتالي لحياة سياسية سليمة تبعدنا عن تزجية الوقت في مناقشات عقيمة ؟ ماجدوى الابقاء على نصوص دستورية تحتمل أكثر من وجه ،وتفيد أكثر من معنى ؟خاصة إذا كنا صدقا نسعى الى بناؤ دولة القانون والمؤسسات ،التي تكون فيها الصلاحيات والسلط واضحة .أم أننا مازلنا في مرحلة المخاض؟

صوت وصورة
مضادات "درون" مصنوعة مغربيا
السبت 10 أكتوبر 2026 - 21:30 5

مضادات "درون" مصنوعة مغربيا

صوت وصورة
الدار البيضاء تتضامن مع غزة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 20:15 7

الدار البيضاء تتضامن مع غزة

صوت وصورة
سعر الدجاج بـ24 درهما
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:45 11

سعر الدجاج بـ24 درهما

صوت وصورة
لشكر .. تحالف "البام" والكتلة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:15 9

لشكر .. تحالف "البام" والكتلة

صوت وصورة
صقور السعودية في سماء مراكش
السبت 10 أكتوبر 2026 - 16:32 4

صقور السعودية في سماء مراكش

صوت وصورة
لشكر وحكومة المنصوري
السبت 10 أكتوبر 2026 - 13:57 12

لشكر وحكومة المنصوري