المحاكمة

المحاكمة
الإثنين 31 دجنبر 2018 - 15:48

تصدر موضوع حامي الدين عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية أغلب الجرائد والمواقع الوطنية، في قضية اتهامه في قتل المناضل اليساري بنعيسى أيت الجيد، بين مؤيدين للاهام وهم يشكلون أغلبية يطالبون برأسه مند سنوات وبين رافض لذلك معتبرين القضية سياسية محضة وفيه استهداف واضح لرموز الحزب وعلى رأسهم حامي الدين.

وفي حقيقة الأمر يصعب على المتتبع معرفة الحقيقة، لأنها خرجت مبكرا من الشق القضائي الصرف الذي هو صاحب الاختصاص في النظر إلى القضية من كل جوانبها وكشف كل الملابسات التي تحيط بها بعيدا عن الثوب السياسي الذي يحاول البعض إلباسها للقضية، إلى أمواج الإعلام المتلاطمة هنا وهناك. ويعرف المتخصصون في الميدان، أنه كلما تم نقل المعركة من رحاب المحكمة إلى فضاء الإعلام، فإنه يصعب جدا التحكم في مجريات القضية بسبب كثرة الآراء والتعليقات بين رافض ومتعاطف، وبين من يريد الحقيقة وبين من يريد تصفية الحسابات الكبيرة والصغيرة، إنه ميدان الموت مع سبق الإصرار والترصد .

وأنا أتابع بالصدفة، بإحدى الإذاعات المغربية الناطقة بالفرنسية، قضية محاكمة حامي الدين، كان موضوع النقاش مطولا، وكان المتدخلون كل يدلي برأيه في الموضوع من وجهة نظره، قال أحد الضيوف حول موضوع المحاكمة : ” لاأعرف لماذا حامي الدين خائف من المحاكمة وهو يعرف نفسه جيدا أنه برئ وتابع قائلا: مادام أنه متأكد من عدم ارتكابه جريمة القتل فليعطي للقضاء الفرصة ليقوم بعمله وبعد ذلك فلكل حديث حديث “.

بصراحة أعجبني هذا التدخل، وهو عين العقل، من منطلق أنه يجب أن نعطي فرصة للقضاء بالمغرب، ففي كل مرة تتم فيها المتابعة لأحد المناضلين من أحد الأحزاب السياسية المغربية، تعلن حالة الطوارئ و يبدأ الهجوم بقسوة وبكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة على القضاء بأنه غير مستقل وأنه يتبع التعليمات، وبهذه الطريقة المتسرعة والعاطفية فإننا لايمكن أن نساعد على بناء بيت القضاء وإعطائه فرصة ليكون بيت المغاربة جميعا مستقبلا.

أريد أن أسجل بصدق أن المغاربة شعب فقير ومتسامح ولكنه لم يكن يوما من الأيام شعبا غبيا، فهو يتابع كل صغيرة وكبيرة، فهو يتعاطف مع أي جهة أو قضية عندما يتطلب الأمر تعاطفا، وخاطئ من يعتقد أن قضية حامي الدين هي قضية حزب العدالة والتنمية لوحده، فقد تحولت إلى قضية وطن. أولا : لأنها تم فيها إهدار دم شاب في ريعان شبابه ظلما وعدوانا في واضحة النهار ، وثانيا : لأنها تجمع بين التاريخ والقضاء والمعرفة والحقيقة، وهذه العناصر الأربعة هي التي تشكل جوهر وكيان كل المغاربة.

وإنصافا للحقيقة، فالمغاربة لن يتوقفوا في النبش في جذور وخلفيات هذه القضية حتى يتعرفوا عن المجرم الحقيقي، حتى ولو تدخلت شياطين الجن والإنس لتحميه، لأن لا أحد يمكنه أن يحمي نذوب الجريمة من وجه التاريخ، ولهذا فمحكمة الشعب ستكون حاضرة بشكل مباشر أو غير مباشر في هذه القضية أو في قضايا أخرى حتى ولو حاولت بعض الجهات عزله فقط في مجال الرقص والغناء وقراءة النشيد الوطني في مقابلات كرة القدم.

وقد رأينا أن المغاربة خلال الأسبوع المنصرم كيف سجبوا ونددوا بقوة جريمة مقتل السائحتين الاسكندينافيتين وطالبوا أن تتدخل الدولة بحزم ومسؤولية لتجد حلا لتجفيف منابع التطرف ووقف هذا العدوان الدخيل على التربة المغربية الأصيلة، ولم يقف الأمر عند هذا الحد ، فسبب همجية الجناة فقد بدأت أصوات تطالب بالإبقاء على عقوبة الإعدام بعدما طالبوا في وقت سابق بحذفها، إنها السلطة التقديرية للشعب الذي يتفاعل بكل حواسه ومشاعره مع القضايا التي تهزه من الأعماق.

والمغاربة كذلك أعلنوا تعاطفهم المطلق واللامشروط مع شباب الريف في مطالبهم الاجتماعية ورفضوا أي مس بأمن البلاد والعباد، وطالبوا جميعا بإطلاق سراح كل المعتقلين، و الصحفيين، لأنه لايمكن في نظرهم، لأي بلاد أن تتطور وتتقدم بدون صحافة قوية ومستقلة، وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على يقظة الشعب ومتابعته لكل المحطات النضالية بنوع من الخشوع والمسؤولية والانتماء الحقيقي للوطن، ولعل تحقيقات المجلس الأعلى للحسابات قد أظهرت بالملموس أن هناك مسؤولية تقصيرية واضحة ترتبت عنها عزل بعض الوزراء من طرف الملك.

ويقظة الشعب ظهرت بقوة في مقاطعته للمنتجات الثلاثة المعلومة، ورغم ماتم الترويج له أن الحزب الإسلامي المزعوم هو من كان وراء هذه ” الحَرْكَةَ ” السياسية من أجل وقف مخطط سياسي كان يتم الطبخ له، فإن المقاطعة استمرت بنضج كبير ومتابعة مسؤولة أربكت حسابات العديد من صناع السياسة المالية بالمغرب، وأعطت درسا بليغا للدولة وللدين يدورون في فلكها أن المغاربة شعب مسالم، يرفض استغباءه ولايطالب سوى بحقه، إنه شعب يريد أن يكون حرا وكريما.

ووجب التنبيه أن محطات كثيرة كان الشعب المغربي حاضرا فيها بقوة، بعفويته المعهودة، وفي كل مرة يدق ناقوس الخطر عندما يستوجب الأمر التنبيه إلى مخلفات أخطاء صناع القرار وهي كثيرة لا تحصى، وهذا لعمري هو نضج الشعب وحضوره الايجابي، وهذا لايجعلنا أن نبالغ في قداسة هذا الشعب وتحويله إلى ملاك، ففي كثير من الأحيان يكون مجانبا للصواب في تدخلاته وتعاطفه مع بعض الأشخاص أو في بعض المحطات وهذا لايكون مبررا لنزع منه صفة المروءة والاقتدار واعتباره قاصرا، فمهما يكن فهو شريك حقيقي في صناعة مستقبل بلاده بهدوء ورزانة ومسؤولية، فالحاكم يمكنه أن يخطئ ونلتمس له العذر، ولكن الشعب عندما يخطئ يجب أن نلتمس له ألف عذر لأنه شعب مقهور.

*كاتب وباحث

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • MOHAMMED MEKNOUNI
    الإثنين 31 دجنبر 2018 - 20:04

    بصراحة تصرفات قيادة حزب العدالة والتنمية ستقوده حتما للإختناق .
    وحيث أن هذا الإختناق في حالة ثبوت التهمة الموجهة للسيد حامي الدين سيكون مصير الحزب مجهولا
    نظرا لخبايا مدى مصداقية هذا الحزب مع إحترامه لأحكام القانون ولربما ستتفرع عن هذه المحاكمة ، محاكمات أخرى وأتمنى أن أكون مخطئا .

  • مراد
    الثلاثاء 1 يناير 2019 - 23:49

    واش الناس شافو الجريمة و شكون اللي قتل و انت مازال كتقول لينا نبحثوا على الحقيقة؟ كتديرو المستحيل باش تغطيو على المجرم و كتبداو بدرف دموع التماسيح عل الفقيد و شويا كتبداو تقولو لينا الا كان قاتل غدي يتعاقب و لكن الى ما كانش قاتل خصو يتطلق، على من كتكدبو؟ علاش مالين الفقيد غدي يتهمو حامي الدين بالدات ؟ الناس ما كيعرفوه ما بينهم و بينو عداوة راه كاين سبب واحد هو او قتل ليهم ولدهم و اي واحد كينكر الحقيقة راه مشارك فالجريمة

صوت وصورة
وزير الداخلية يعلن نتائج الانتخابات
الخميس 24 شتنبر 2026 - 03:31

وزير الداخلية يعلن نتائج الانتخابات

صوت وصورة
النتائج  في دائرتي فاس
الخميس 24 شتنبر 2026 - 03:25

النتائج في دائرتي فاس

صوت وصورة
الفرز الانتخابي في الجديدة
الخميس 24 شتنبر 2026 - 02:27

الفرز الانتخابي في الجديدة

صوت وصورة
شوكي: النتائج تخلف الارتياح
الخميس 24 شتنبر 2026 - 00:24 2

شوكي: النتائج تخلف الارتياح

صوت وصورة
النتائج المؤقتة في بني ملال
الخميس 24 شتنبر 2026 - 00:02

النتائج المؤقتة في بني ملال

صوت وصورة
مباشر | نتائج انتخابات المغرب
الأربعاء 23 شتنبر 2026 - 23:41 4

مباشر | نتائج انتخابات المغرب