المدرسة ورهاناتها التعاقدية

المدرسة ورهاناتها التعاقدية
الأربعاء 17 دجنبر 2025 - 23:05

في ضوء المادة الخامسة من القانون الإطار 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، تتحدد وظيفة المدرسة في عدة وظائف منها: التنشئة الاجتماعية، والتربية على قيم المواطنة والانفتاح والتواصل والسلوك المدني، والتعليم والتعلم والتكوين والتأهيل والتأطير. وبذلك يمكن أن تكون المدرسة موضوع شراكة بين الدولة والمجتمع، وموضوع تعاقد صريح أو ضمني بينهما. كما يمكن أن تكون موضوع هيمنة وتحكم في غياب هذا التعاقد أو لهشاشته أو في ضعف الالتزام بمقتضياته.

المدرسة، كغيرها من المؤسسات، كائن حي ينمو ويتطور ضمن رهانات الدولة الاجتماعية، في ظل معادلة التوازنات الاجتماعية والسياسية وميزان القوى والغلبة، في اتجاه مزيد من التراكم ومزيد من التقدم والنضج، من حيث وظيفتها كمؤسسة من مؤسسات الدولة، وكمؤسسة من مؤسسات المجتمع. وتلك هي سنة من سنن التاريخ الاجتماعي، وتلك هي المدرسة كموضوع لأفعال الحاضر، وكرهان من رهانات بناء المستقبل والمصير المشترك.

يقتضي منطق الجدل البنيوي أن تكون المدرسة واجهة للدولة وواجهة للمجتمع، أن تكون موضوعاً لفعل الدولة وموضوعاً لفعل المجتمع، في ذات الوقت. ومن ثمة، كانت المدرسة وما تزال موضوعاً للفعل السيادي الاستراتيجي من جهة، في دولة التوافقات والتعاقدات ذات الأفق الديمقراطي، من حيث اختياراتها الموجهة ورؤاها المعززة؛ كما كانت وما تزال موضوعاً للفعل السياسي العمومي من جهة ثانية، في دولة المؤسسات والتناوب المُمأسس، من حيث حراكها اليومي تدبيرياً وتربوياً، ومن حيث معاييرها وقواعدها وتنظيماتها ونماذج العلاقات القائمة داخلها، والمعايير الاجتماعية التي تسعى إلى ترسيخها بين مواطني اليوم وغرسها وإكسابها لمواطني الغد. فالمدرسة ليست فضاءً للتعليم والتعلم والتثقيف والتكوين والتنشئة الاجتماعية، بحسب منطوق النص وظاهره وحسب، وإنما هي مجتمعاً للتعلم كذلك، له حياته المدرسية الخاصة، يشكل في ذاته حاضنة لبناء وتدبير علاقات بيداغوجية، وترسيخ منظومة معايير اجتماعية ونموذج إجرائي للسلطة.

تتطلع الدولة أن تكون المدرسة من بين مؤسساتها المنتجة للاستقرار، عن طريق وظيفتها في إعادة الإنتاج، وإعادة توجيه النموذج الاجتماعي ونمط العلاقات من داخل نموذج السلطة القائم والمرغوب. كما هي مؤسسة للتغيير في إطار الاستمرارية عن طريق وظيفتها، كذلك، في تجديد النخب وإنتاج الخبرة والكفاءات وتوسيع نطاق الطبقة الوسطى التي هي صمام أمان الانتقالات الكبرى. كما يتطلع المجتمع أن تكون المدرسة مؤسسة للارتقاء الفردي والمجتمعي عن طريق تشبعها وتفعيلها لمبادئ الإنصاف وتكافؤ الفرص والعدالة المدرسية، وأن تكون قاطرة للتنمية عن طريق الاستجابة لحاجات التنمية الذاتية للأفراد وحاجات تنمية المجتمع وتطوره وازدهاره، بما تسهم به في مجالات التربية على القيم واكتساب قواعد ومعايير العيش المشترك والسلوك المدني، والتربية على الاختيار، وما تسهم به في تنمية وتطوير الكفايات النوعية والمستعرضة، ومهارات التفكير، والمهارات الحياتية الذاتية والاجتماعية، وكذا ما يمكن أن تسهم به، كذلك، في مجالات أخرى ذات راهنية من قبيل التربية البيئية والتربية المالية والتربية الرقمية والذكاء الاصطناعي على سبيل المثال، كحقول معرفية وبيداغوجية جديدة تستحق الاهتمام والعناية وفق مقاربة منهاجية مندمجة.

تبعاً لذلك، فإن التفكير في المدرسة، وفي نموذجها الإصلاحي، هو صلب التفكير في مشروع التنمية المندمجة والمستدامة، على أساس أن هذه التنمية، بطبيعتها، مجال التقائية إرادة الدولة والمجتمع معاً في زمن صار فيه الحق في التنمية محور الترافع والتخطيط لترسيخ نموذج متعاقد حوله للعدالة الاجتماعية والمجالية، والتقائية السياسات العمومية المندمجة، في إطار رؤية استراتيجية أفقها تحقيق مزيد من التقدم في تحصين الكرامة والإنصاف، وتثبيت دعائم الاستقرار والتقدم والتوزيع العادل للثروة والرفاه الاجتماعي، بما يجعل الدولة والمجتمع وحدة أساسها التكامل والتفاعل لا التوتر والصراع، ويجعل المجتمع بكل مكوناته في حالة تفاعل وتكامل وتضامن، أي وحدة تحمل في ذاتها تناقضاتها لكنها تعقلنها وتحتضنها وتوجهها في اتجاه ثبات الاستقرار واستدامته عن طريق التوجيه المرن لحركة التغير كمبدأ عام لجدل التاريخ وتطور العلاقات الاجتماعية، وعن طريق تنمية الوعي الجمعي بالمشترك الوطني، وعن طريق توسيع دائرة التفاعلات الحية والاستجابات الفعالة للحاجات المعبر عنها. وهذا ما يجعل الاستقرار كرهان اجتماعي وسياسي قائماً على سنن التاريخ لا على إكراه السلطة والنفوذ واللوبيات المهيمنة، وقائماً على قيم الكرامة والعدالة والحرية لا على قيم الاستعباد والإقصاء والاستغلال، وقائماً على أخلاق السمو لا على أخلاق الانحطاط. وذاك هو المثال الذي تستمد منه فئات عريضة من المجتمع حقها في الحلم والأمل والتفاؤل والثقة في المستقبل، وتجعله أفقاً لترافعاتها وتفاوضاتها. وفي صلب هذا المثال توجد المدرسة، من حيث نموذجيها التدبيري والبيداغوجي، كرهان يرتبط بالمستقبل وبالسبيل الأكثر فعالية من أجل إدراكه.

على هذا الأساس، فإن المدرسة كمؤسسة دامجة لإرادة الدولة والمجتمع، أو هذا ما يجب أن يكون، ليست مجرد مؤسسة تعبِّر عن هذه الإرادة المشتركة وتعكسها في حياتها المدرسية تدبيرياً وتربوياً وبيداغوجياً، وإنما هي تعكس في ذات الآن الرهان المشترك الذي تظهره صورة المستقبل كما تتمثله الدولة والمجتمع معاً على مرآة الحاضر. وعليه، فالمدرسة هي مؤسسة المستقبل المستنبتة ضمن معادلة تعاقدات والتزامات الحاضر وإكراهاته وتحدياته أيضاً، تعكس الإرادة المشتركة، وتدمج الاختيارات والرؤى الاستراتيجية ببرامج السياسات العمومية، وتعبر عن تطلعات وحاجات الأفراد والمجتمع بما يسهم في ترسيخ مقومات استدامة الاستقرار كرهان مشترك للدولة والمجتمع. وهذا ما يدعو إلى أن تكون المدرسة في قلب الاهتمام والتفكير والفعل من طرف مؤسسات الدولة من خلال رؤاها الاستراتيجية ومخططاتها التنموية وبرامجها القطاعية وإجراءاتها التدبيرية. كما يجب أن تكون محتضنة من طرف محيطها الاقتصادي والثقافي والاجتماعي والسياسي، ومن طرف مؤسسات التنمية المحلية والجماعات الترابية، وتنظيمات المجتمع المدني المهتمة بالتنمية المستدامة والتربية والتنشيط الثقافي والشباب والنساء، بما فيها جمعيات أمهات وآباء وأولياء التلاميذ، وفق ما تقتضيه مقاربة القرب. كل هذا في إطار شراكات حقيقية تجعل المدرسة شأناً من شؤونها وضمن مسؤوليتها.

في ضوء هذه الرؤية، ننتهي إلى أن التعاقد حول المدرسة بين الدولة والمجتمع من جهة، وبين مكونات المجتمع من جهة ثانية، في ظل محددات الإمكان التاريخي والسياق ومنظومة العلاقات، لا يمكن أن يكون تعاقداً فعالاً ومنتجاً إلا عندما تُبْسَطُ امتداداته وتُبَسَّطُ وتتقوى وتتمأسس عبر مختلف الهياكل المركزية والجهوية والإقليمية، وتترسخ في تربة القرب. وهذا ما يدعو إلى وضع استراتيجية محكمة دامجة لمواكبة انتقال التعاقد من صيغته النصية إلى صيغته التدبيرية والتنظيمية والإجرائية حتى يصير ثقافة يتشبع بها كل الفاعلين والمتدخلين في مجال التدبير التربوي والشأن التربوي عموماً كشأن عام. ومن ثمة يصير التعاقد في ذاته سلسلة من تعاقدات المأسسة والتنظيم المترابطة الحلقات، آخر حلقة فيها هي المدرسة ذاتها، حيث تصير، إلى جانب كونها موضوعاً للتعاقد، هي أيضاً مؤسسة لتدبير التعاقد المحلي من خلال مجلس تدبير المؤسسة، ومؤسسة لإنتاج التعاقدات الجزئية من خلال باقي مجالس المؤسسة، بما فيها المجالس التلاميذية. وهكذا نخلص إلى أن التعاقد من أجل المدرسة، إلى جانب كونه اختياراً استراتيجياً ضمن اختيارات الدولة، وخياراً سياسياً واجتماعياً في شأن التربية والتكوين، هو خيار تدبيري للشأن العام في القطاع المدرسي، ومقاربة للتعبئة الجماعية والفعل المشترك، تشتغل في حقل المدرسة ومحيطها عبر ثلاث واجهات هي: واجهة القرب لتقوية أواصر الترابط بين المدرسة ومحيطها وعمادها عقود الشراكة، وواجهة التدبير الإداري للشؤون التربوية للمدرسة وعمادها مشروع المؤسسة المندمج، ثم واجهة التدبير البيداغوجي والعلاقات البيداغوجية داخل الحرم المدرسي وفضاءاته، وعمادها النموذج البيداغوجي الذي هو جوهر عمل المدرسة، من خلال مجموع الأطر المرجعية والمنهجية لتصريف مكوناته في بعديها: العام المرتبط بما هو وطني المتضمن للمناهج والبرامج والهندسة اللغوية والمقاربات البيداغوجية ومنظومات التكوين والتقويم والتقييم والتوجيه المدرسي والمهني من جهة، والخاص المرتبط بما هو محلي والذي يشمل الإيقاعات المكيفة للزمن المدرسي، وبرامج العمل التربوي المتضمنة للأنشطة المندمجة المتعلقة بالدعم البيداغوجي بنوعيه: المكثف والممتد، والدعم النفسي والوساطة المدرسية، والتربية البيئية والمالية والرقمية، واكتشاف المهن، والمهارات الحياتية، وكذا أنشطة التفتح الفني والثقافي والرياضي، من جهة ثانية.

سؤال المدرسة إذن هو سؤال الحاضر كما هو سؤال المستقبل، هو سؤال رهاناتها التعاقدية. ومن ثمة هو سؤال يتجدد في سياقه كما يتجدد في سياق التحولات التي تعرفها الدولة والمجتمع. والحديث عن هذا السؤال المتجدد هو حديث لا ترتبط معالجته بحاجات الحاضر وآفاق المستقبل وحسب، وإنما ترتبط كذلك بتاريخ المدرسة وتاريخ المجتمع عامة في تطوره وتفاعلات مكوناته وما تعرفه البنى الاجتماعية من تطور داخل بنية المجتمع والدولة أيضاً. لذلك لا يمكن معالجة قضايا مدرسة اليوم ومدرسة المستقبل في عزلة عن تاريخ المدرسة وعلاقتها التاريخية بالوظائف التي أناطتها الدولة بهذه المدرسة، ما دامت المدرسة كانت ولا تزال مؤسسة من مؤسسات الدولة. ولم تتحول إلى مؤسسة ذات وظيفة مشتركة بين الدولة والمجتمع إلا في إطار ما يتم التوصل إليه من تعاقدات حول المدرسة من طرف الدولة والمجتمع من جهة، وبين مكونات المجتمع من جهة ثانية.

في ظل الانتقالات الكبرى التي عرفتها الأمة المغربية منذ تسعينيات القرن الماضي، وانبثاق العهد الجديد، عرفت منظومة التربية والتكوين سلسلة من الإجراءات الإصلاحية، أطرتها نصوص مرجعية. انطلقت بالنص المؤسس للتوافق الوطني حول الاختيارات الوطنية الاستراتيجية في مجال التربية والتكوين، أنتجته لجنة الميثاق الوطني للتربية والتكوين سنة 1999. وفي سياق الإصلاحات الدستورية لسنة 2011 أنتجت مؤسسة المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي نصاً مؤسساً للمدرسة الجديدة سنة 2015 تحت مسمى “رؤية استراتيجية لإصلاح منظومة التربية والتكوين”. وفي سنة 2019 صادق نواب الأمة على قانون إطار 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين كصيغة قانونية ملزمة للجميع، وضامنة لاستدامة الإصلاح. وهو أول قانون من نوعه في تاريخ منظومة التربية والتكوين المغربية. وفي سياق التحول السياسي الجديد الذي أفرزته انتخابات سنة 2021، والنموذج الإصلاحي التحويلي الذي تضمنته برامج خارطة الطريق (2022-2026) كآلية لتفعيل التصريح الحكومي، وبعض توصيات لجنة النموذج التنموي ذات الصلة بنهضة المدرسة، جددت مؤسسة المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي سنة 2024 الدعوة إلى تعاقد مجتمعي جديد من أجل التربية والتكوين. وهكذا، وعلى امتداد ربع قرن من الزمن، تم الانتقال من انفراد الدولة بالقرار والاختيار في المدرسة، إلى التوافق حول الاختيارات الاستراتيجية بين الدولة والمجتمع من جهة، وبين مكونات المجتمع من جهة ثانية، ثم إلى التعاقد حول المدرسة الجديدة واختياراتها الاستراتيجية بعد تحيينها وتدقيقها، انتهى إلى تثبيت رافعاته بنص قانوني ملزم، ما زالت معظم وأهم أحكامه في حاجة إلى تفعيل عن طريق إصدار قوانين تنظيمية وإعداد أطر مرجعية ودلائل وإجراءات تدبيرية، رغم أن المدى الزمني للإصلاح كما حدده النص المؤسس للمدرسة الجديدة صار على وشك الاستنفاذ. والنموذج الإصلاحي التحويلي الذي اعتمدته خارطة الطريق هو ذاته يقترب مداه الزمني من نهايته.

المدرسة الجديدة كمضمون للتعاقد المجتمعي لا تتحقق من خلال نص مؤسس كما هو الحال مع الرؤية الاستراتيجية (2015-2030)، أو على أساس نص قانوني حظي بمصادقة نواب الأمة كما حصل مع القانون الإطار 51.17، فكثيرة هي النصوص المرجعية ذات القيمة التاريخية التي تبقى على الرفوف في محاضنها الورقية أو الرقمية، وكثيرة هي النصوص القانونية التي لا تجد طريقاً سالكاً وميسراً لمسار التنزيل بفعالية والتزام. كما أنها لا تتحقق من خلال تحويل رافعات التجديد إلى شعارات صالحة للتبني أو حتى للاستثمار السياسي من طرف الأغلبية الحكومية أو من طرف المعارضة البرلمانية على حد سواء، أو من طرف أحزاب الهامش والفعاليات الحقوقية والمدنية والوسطاء الاجتماعيين؛ ولا من خلال الخطابات الرسمية في الندوات والمواقع ولا في المجالس واللقاءات والاجتماعات المغلقة والمفتوحة. المدرسة الجديدة تتحقق في التفاصيل، تتحقق في الانسجام بين السلوك القولي في مواقع القيادة والتنفيذ والسلوك التشريعي والتنظيمي من جهة، والسلوك الفعلي والممارسات التدبيرية والبيداغوجية المعممة في كل فضاءات التربية والتكوين ومنها فضاءات المؤسسات التعليمية وفصولها من جهة ثانية.

وبشكل أكثر وضوحاً، فإن المدرسة الجديدة هي انتقال مؤسساتي وثقافي وتدبيري وتربوي من وضعية صارت في حالة تجاوز، حالة اللاتكيف واللانسجام بين وضعها القائم وما تنتظره منها الدولة والمجتمع معاً، إلى وضعية في حالة تشكل قائمة على تغيير في المدخلات والسيرورات، وربما حتى في بعض تفاصيل المخرجات المرتبطة بالآفاق المستقبلية وبالأسئلة الاحتمالية التي يتطلبها التكيف والملاءمة مع الحاجات المعبر عنها من طرف منظومات الانتقال والتحول في السياسة والاقتصاد والثقافة والمجتمع. ومن ثمة، تمثل المدرسة الجديدة، في وضعيتها المستهدفة، درجة من درجات تحديث ومأسسة آليات التدبير والأداء سواء أكان تدبيراً للشأن الإداري أو تدبيراً للشأن التربوي والبيداغوجي. وبشكل أكثر تحديداً:

أولاً، من حيث درجة القرب من المتعلم وحاجاته واهتماماته وتطلعاته في بعدها الفردي أو الجماعي والمجتمعي، والمكانة التي يحظى بها هذا المتعلم، أهي مكانة محورية تجعله بؤرة الاهتمام والتفكير والفعل من حيث المنطلق والغاية، ومن حيث إنتاج التعلم واستهلاك التعليم؛ أم هي مكانة الهامش التابع الذي يتلقى ويستهلك كل ما يأتيه من أجوبة الآخر الذي هو المدرس، ومن اقتراحاته للنصوص والوسائط والحوامل المعرفية، ومن استراتيجياته في التفكير وفي الفعل وفي التدريب وفي التطبيق وفي التقييم. ومن ثمة، لن تكون المدرسة جديدة ما لم يكن نموذجها الإصلاحي يقوم على التحفيز وخلق الدافعية الداخلية للانخراط في مشاريع التعلم، ويجعل المتعلم محورياً فاعلاً ومسؤولاً عن تعلمه، في التفكير وفي البناء، وفي اختيار استراتيجياته، ومسؤولاً عن بناء مشروعه الشخصي في التعلم وفي الدراسة بأفق مهني واجتماعي.

ثانياً، من حيث طبيعة المقاربات البيداغوجية المعتمدة، والمضمون المعرفي، ونموذج تدبير العلاقات البيداغوجية. فالمدرسة الجديدة هي التي تعتمد مقاربات بيداغوجية قائمة على التنوع، متمركزة حول المتعلم وحول التعلم، تثير الحافزية وتشجع على التفكير النقدي وعلى البحث والابتكار والإبداع والاستكشاف وحل المشكلات، وتعتمد وضعيات بيداغوجية متدرجة من البسيط إلى المركب حسب الحاجة والسياق والوظيفة. وهي المدرسة التي تعتمد مضامين معرفية وظيفية وذات جدوى في دعم بناء وتوطيد المشروع الشخصي للمتعلم، وتسهم في بناء علاقات بيداغوجية قائمة على الأفقية والدور الوظيفي وتعزيز العمل المشترك والبناء المشترك للمعرفة من خلال مشاريع للتعلم فصلية ومدرسية. وهي المدرسة التي تعتمد التقويم التكويني لتعزيز التعلم وتشجيع وتحفيز جماعات المتعلمين فرادى وجماعات على مزيد من التقدم وعلى مزيد من الاهتمام وعلى مزيد من الاجتهاد.

ثالثاً، من حيث درجة الثقة في المدرس التي تقوم على مستوى تكوينه وتملكه لخصوصية النموذج البيداغوجي الذي يؤطر عمله وأنشطته ومفاهيمه واختياراته البيداغوجية، وعلى قدراته الإبداعية وقدراته على اختيار الاستراتيجيات والسيناريوهات الملائمة لجماعات التعلم التي يستهدفها، كما تقوم على ما يتملكه من قدرة على تكييف وملاءمة مفردات المنهاج الدراسي في صيغته العامة والافتراضية مع حاجات وخصوصيات الفئات التي يستهدفها. فالمدرسة الجديدة لا تنظر إلى المدرس كمنفذ لخطاطات تدريسية واستراتيجيات وسيناريوهات افتراضية معممة بمبرر توحيد الممارسات، وإنما تنظر إليه باعتباره مبدعاً وصانعاً للفعل البيداغوجي في ضوء ما يقدم له من أطر مرجعية، وفي ضوء خصوصيات جماعات المتعلمين وخصوصيات المحيط الذي تنتمي إليه المدرسة. وعلى هذا الأساس وفي ضوء هذه الخلفية يتم تكوينه التكوين الأساس والتكوين التأهيلي، وتتم مواكبته مهنياً عن طريق استراتيجية مضبوطة للتكوين المستمر وعن طريق برامج للتأطير الميداني.

ورابعاً، من حيث مدى الثقة في إدارة المؤسسات وفي كفاياتها النوعية ومهاراتها التدبيرية وفي قدرتها على إنتاج وابتكار الحلول للوضعيات التدبيرية اليومية والاستراتيجية، ومن ثمة مدى قدرة القائم بعمليات التدبير في المؤسسة التعليمية على اختيار الاستراتيجيات التدبيرية الملائمة للمؤسسة التي يدير شؤونها، ومدى قدرته على جعل مؤسسته منفتحة على محيطها ومستقطبة لشركائها، ومدى قدرته على جعل مؤسسته مؤسسة الجميع لإنتاج الحلول، ومدى قدرته على ضمان الاستفادة من الخدمات التي يمكن أن تقدمها المؤسسة لشركائها وعلى رأسهم الأسر والشباب، بما يجعل المدرسة في قلب محيطها الاجتماعي والثقافي وحتى الاقتصادي.

وعليه، فالمدرسة الجديدة، بهذا المعنى، ترتبط بشكل من الأشكال بمساحة الثقة التي تضعها الدولة في المدرسة وفي الفاعلين الإداريين والتربويين، ومسألة تعاقد صريح وضمني بين مختلف هؤلاء الفاعلين والمتدخلين، ومسألة تفويض للمهام والاختصاصات من خلال مساحات الاستقلالية التي توفرها المدرسة وتضمنها لكل من المتعلم والمدرس والمدير والمفتش المؤطر والمواكب والمراقب الذي بدوره لا يكتفي بتقييم مخرجات الفعل والممارسات، وإنما ينخرط كذلك في التقييم الداخلي التطويري المندمج الذي تسعى المؤسسة من خلاله إلى الانتقال من وضعية قائمة إلى وضعية جديدة. وتبعاً لذلك، فإن المدرسة لا تكون جديدة وذات جودة وجدوى إلا بدرجة الاستقلالية التي توفرها وتدعمها بيداغوجياً عند المتعلم والمدرس، وتدبيرياً لدى هيئة إدارة المؤسسة، وتأطيرياً عند هيئة التأطير والمراقبة والتفتيش والتقييم.

بناء على ما سبق، ننتهي إلى أن المدرسة الجديدة باعتبارها موضوعاً للتعاقد الوطني وآلية لتدبير التعاقد المحلي، هي ليست مؤسسة في حالة ثبات، وإنما هي مدرسة في وضعية تجدد مستمر، وفي وضعية انتقال مستمر، ومن ثمة فهي في وضعية تحول دائم لتحقيق الارتقاء والاستجابة للحاجات والتطلعات والالتزامات. وهي تعاقد شرطُ وجوده أن يتلاءم والإمكان التاريخي وخصوصيات السياق، ويلبي حاجات منظومة العلاقات بمختلف مكوناتها، السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية. وشرطُ تحققه أن يكون واقعياً وذا قابلية لدخول دائرة التنفيذ بما تتوفر عليه البلاد من إمكانيات مادية واعتمادات مالية وموارد خبرة وكفاءات. وهي تعاقد بين الدولة والمجتمع، وداخل المجتمع بين مختلف مكوناته، تعاقد مؤسساتي بامتدادات حقيقية في دواليب مؤسسات الدولة وأنفاق المجتمع السياسي والمدني من جهة، وفي البنيات الإدارية المركزية والجهوية والإقليمية وفي بنية المدرسة ذاتها من جهة ثانية.

هي ثقافة نسقية مرتبطة بتحول في الرؤية، رؤية الدولة للمدرسة ووظائفها الآنية والمستقبلية، ورؤية المجتمع للمدرسة كمؤسسة من مؤسساته، لا لأنها تقدم خدمة عمومية ذات جدوى في عالم الشغل وذات فائدة في تطوير الإنتاج وعلاقاته، وإنما أيضاً لدورها وأهميتها في إعادة تشكيل وعي الأفراد ومساعدتهم على التكيف والاندماج في عالم سريع التحول والتغير، وتمكنهم كذلك من الارتقاء الذاتي، ليساهموا بدورهم في ارتقاء المجتمع وتقدمه وازدهاره. إنها ثقافة تستدعي التملك والاستبطان والانخراط الميداني غير الظرفي. ومن ثمة هي تحول إرادي في ذهنية الفاعل بمختلف مستويات قربه التنفيذي والإداري والتربوي. وأخيراً، نقول: إن المدرسة الجديدة هي مدرسة في وضعية تحول وانتقال نوعي في الوظيفة وفي طرق الاشتغال وفي آليات المواكبة والتقييم، هي تحول في استراتيجيات التعليم والتعلم واستراتيجيات التكوين بمختلف مستوياته الأساسي والتأهيلي والمستمر. كل هذا التحول ينبني ويتحقق في ظل تراكماتها الذاتية ومكتسباتها وتحدياتها وقدراتها وخبرتها ورهاناتها المستقبلية. إنها سيرورة بناء كمي متواصل في اتجاه مزيد من التحسن والتقدم والفعالية الوظيفية. فالإصلاح النازل كثيراً ما يتعثر في الطريق، في حين يستطيع الإصلاح الصاعد استيعاب المستجدات وملاءمتها وإدماجها ضمن المكتسبات والتراكمات الذاتية للمدرسة وتجاوز وضعيات التعثر وتحقيق المردودية المطلوبة.

وهكذا ننتهي إلى خلاصة مفادها أن المدرسة المغربية، وخاصة المدرسة العمومية، لها ما يكفي من الإمكانيات حتى تصير مدرسة جديدة. لها نص مؤسس تراكمي تم بناؤه من خلال تشخيصات علمية، وتم بناؤه في ظل رؤية مجتمعية توافقية انتقلت به إلى منزلة التعاقد الصريح. وهذا النص تمت صياغته في قانون إطار ملزم، وفي نفس الوقت، تتوفر البلاد على الإمكانيات والموارد والخبرة الوطنية من أجل تعميم وتنويع بنية الاستقبال لتيسير الولوج وتأمين شروطه، ومن أجل تحسين جودة التعلمات والمردودية الداخلية والخارجية للمنظومة وتقليص الفوارق والعوامل المؤدية للهدر والانسحاب. فبعد كل هذا، أين يكمن الخلل؟ أهو ضعف في تملك النص المؤسس واستبطانه؟ أم هو ضعف قائم وموروث في الذهنيات؟ أم هو موقف ناتج عن انحيازات في السياسة العمومية؟ أم هو ضعف في قدرات الفاعل السياسي والتنفيذي على استيعاب متطلبات تنفيذ وأجرأة رافعات النص وأحكام القانون؟ أم هو راجع إلى ضعف انخراط الفاعل الإداري والتربوي لسبب من الأسباب؟ أم هو راجع لغياب في تفعيل الإرادة السياسية الحقيقية لتنفيذ النص المؤسس وأحكام القانون الملزم؟ أم الأمر يتعلق بكل هذا دفعة واحدة.

هذه هي الأسئلة الموجهة لإعادة النظر في سيرورة الإصلاح ومآلاته، كمضمون ورهان للتعاقد الاستراتيجي حول المدرسة ووظائفها وأدوارها، وكمقاربة ناجعة لتدبير القرب وترسيخ ثقافة مدرسية جديدة عمادها التعبئة الجماعية والعمل الجماعي والتدبير التشاركي القائم على أساس جملة تعاقدات، ومن خلال أطر لنجاعة الأداء، وأطر مرجعية للمواكبة وتتبع سيرورة التفعيل، من أجل نهضة تربوية تعاقدية حقيقية يقتضيها الانخراط في العصر وفي مجتمع المعرفة، كما تقتضيها الاستجابة لحاجات التنمية المندمجة المستدامة ومستلزماتها، والاستجابة لحاجات ارتقاء الفرد وارتقاء المجتمع في ظل استراتيجيات متقدمة، محكمة وحكيمة للعدالة الاجتماعية والمجالية.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 11:30

من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء

صوت وصورة
التأمين المهني مع ''ACAPS''
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 10:31

التأمين المهني مع ''ACAPS''

صوت وصورة
معاناة سيدي الطيبي
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 18:40

معاناة سيدي الطيبي

صوت وصورة
''الطاكسي'' وغلاء الوقود
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 15:54

''الطاكسي'' وغلاء الوقود

صوت وصورة
استياء من تهيئة الشريط الساحلي بسلا
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 10:58

استياء من تهيئة الشريط الساحلي بسلا

صوت وصورة
أثمنة اللحم البلدي والمستورد
السبت 24 أكتوبر 2026 - 17:56

أثمنة اللحم البلدي والمستورد