ما بعد التهنئة

ما بعد التهنئة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 19:41

العاشر من أكتوبر، اليوم الوطني للمرأة المغربية، يمر كل سنة بالطقوس نفسها: عبارات تهنئة جاهزة، وصور نساء تملأ مواقع التواصل الاجتماعي، وكلمات إشادة تُقال بحماس ثم تُنسى. والسؤال الذي يستحق أن نقف عنده هو: ماذا يبقى من كل هذا حين ينتهي اليوم، وتعود المرأة إلى حياتها العادية، بما فيها من مسؤوليات وأعباء وانتظارات لم تتغير؟

لا أحد ينكر أن المرأة المغربية قطعت طريقًا طويلًا في مسار إثبات الذات. صارت حاضرة في المدرسة والجامعة والإدارة والمستشفى والمحكمة، ودخلت مهنًا ظلت زمنًا طويلًا، في المخيال الاجتماعي، شأنًا رجاليًا. فهي اليوم أستاذة وطبيبة ومهندسة وقاضية ومقاولة، كما نجدها في القرى والجبال والحقول، تشتغل في ظروف قاسية وبإمكانات شحيحة، بعيدًا عن الأضواء وعدسات الكاميرات.

غير أن مكانة المرأة لا تُقاس بعدد المناصب التي بلغتها، ولا بعدد الصور التي تتصدر بها واجهات الاحتفاء. المعيار الأصدق هو مدى قدرتها على ممارسة حقوقها كاملة، وما يتوفر لها من شروط العيش الكريم والاستقلال الاقتصادي والأمان الاجتماعي، ومدى الاعتراف الفعلي بعملها، سواء أكان مؤدى عنه أم ظل حبيس جدران البيت.

هناك امرأة تستيقظ فجرًا لتُجهّز أبناءها للمدرسة، ثم تلتحق بعملها، وتعود مساءً إلى عمل ثانٍ لا يعترف بساعات الدوام. وهناك أخرى تشتغل في الحقول والأسواق والورشات وتعيل أسرتها، من دون أن تتوفر لها دائمًا حماية اجتماعية تؤمّن الحد الأدنى من الاستقرار. وهناك امرأة في أعالي الجبال تقطع المسافات بحثًا عن الماء أو الدواء أو مدرسة لأبنائها، ولا تجد صورتها طريقًا إلى الخطب الاحتفالية إلا نادرًا.

هؤلاء أيضًا نساء المغرب اللواتي لا يظهرن كثيرًا في واجهات الاحتفاء. لا ينتظرن تصفيقًا، ولا يملكن بالضرورة حسابات على منصات التواصل الاجتماعي، لكنهن يقدمن كل يوم درسًا في الصبر والعمل ومغالبة الظروف. والمفارقة المؤلمة أن بعض أكثر النساء إسهامًا في استمرار الحياة، وأثقلِهن حملًا للمسؤوليات، هن أقلّهن حظًا في الاعتراف الاجتماعي والاقتصادي.

كثيرًا ما نسمع أن المرأة «نصف المجتمع»، وأنها «تلد النصف الآخر وتربيه». تبدو العبارة اعترافًا بفضلها، لكنها قد تحبسها، من حيث لا نقصد، في الأمومة والتربية وخدمة الغير. فالمرأة تستحق التقدير لأنها إنسان كامل الحقوق والكرامة، لها طموحاتها واختياراتها وحقها في النجاح والراحة والاختلاف، لا لأنها تنجب أو تضحي براحتها من أجل أسرتها. ومن حقها أن تختار مسارها دون أن تُطالب بتقديم القرابين في كل مرة لتثبت أنها جديرة بالاحترام.

الأمومة قيمة إنسانية عظيمة، لكنها لا تصلح أن تكون المقياس الوحيد لقيمة المرأة. فمن اختارت أن تكون أمًا تستحق الاحترام، ومن اختارت مسارًا مهنيًا مختلفًا تستحقه أيضًا، وكذلك من لم تسمح لها الظروف بتحقيق حلم الأمومة. فالاحتفاء بالمرأة لا ينبغي أن يظل مشروطًا بقدرتها على التحمل والتضحية، حتى يغدو الإرهاق فضيلة مفروضة عليها، ويصبح احتمالها للأعباء ذريعة لإبقائها تحت وطأتها.

وللمرأة العاملة في قطاع التربية والتعليم نصيب خاص من هذا الحديث. فهي لا تنقل المعارف وحسب، بل تشارك في بناء شخصيات المتعلمين والمتعلمات، وتغرس فيهم قيم الاحترام والمواطنة والمسؤولية، وتسهم في تشكيل وعي الأجيال القادمة. ومع ذلك، تجد الأستاذة نفسها في أحيان كثيرة مطالبة بالتوفيق بين عملها وأعباء بيتها، في مجتمع لا يزال يوزع المسؤوليات المنزلية بصورة غير متكافئة، وكأن نجاحها المهني لا يعفيها من تحمل النصيب الأكبر من شؤون الأسرة.

لذلك، لا يكفي أن نشيد بعطائها داخل المدرسة المغربية. المطلوب توفير ظروف عمل تحفظ كرامتها، وضمان فرص متكافئة للترقي وتولي المسؤولية، ومواجهة كل أشكال التمييز التي قد تعترض طريقها. فمن غير المنصف أن نطلب منها تربية أجيال تؤمن بالمساواة، ثم نتركها تواجه وحدها مظاهر اللامساواة في محيطها المهني والاجتماعي.

وفي المقابل، سيكون من المجحف اختزال قضية المرأة في صور المعاناة وحدها. فقد حققت نساء كثيرات نجاحات لافتة، وأثبتن أن الكفاءة لا جنس لها، وأن الصور النمطية لا تضع حدًا للطموح. كما أسهمت التحولات التي عرفها المجتمع المغربي، وما راكمته النساء من تجارب في التعليم والعمل والحياة العامة، في تغيير كثير من التصورات التقليدية. لكن ذلك لا يعني أن الطريق أصبح معبّدًا أمام الجميع، ولا أن الفرص توزعت بالتساوي بين امرأة تعيش في مدينة تتوفر فيها المؤسسات والخدمات وأخرى تسكن منطقة نائية، أو بين من تملك استقلالها المادي ومن لا تزال خياراتها رهينة الحاجة والتبعية.

إن معركة الإنصاف لا تنتهي بفتح الأبواب أمام النساء، وإنما تقتضي أيضًا إزالة العوائق التي تجعل عبورهن منها أكثر كلفة. فالمساواة المنصوص عليها قانونًا لا تكتسب معناها الحقيقي إلا حين تجد طريقها إلى الحياة اليومية، وحين لا تُجبر المرأة على الاختيار بين عملها وأسرتها، أو بين استقلالها وسلامتها، أو بين التعبير عن رأيها والخوف من أحكام المجتمع.

ولا يمكن، في هذا السياق، إغفال دور الرجل في بناء علاقة أكثر إنصافًا مع المرأة. فالدفاع عن حقوق النساء ليس حربًا على الرجال، ولا صراعًا بين الجنسين، وإنما هو سعي إلى مجتمع أكثر توازنًا وعدلًا. والرجل الذي يتقاسم أعباء البيت، ويحترم اختيارات شريكته، ويؤمن بحقها في النجاح والاستقلال، لا ينتقص ذلك من قدره، بل يسهم في بناء أسرة أكثر استقرارًا ومجتمع يستفيد من طاقات جميع أفراده. فالمساواة لا تعني تبادل الاتهامات، وإنما مراجعة أدوار ومسؤوليات اعتدنا طويلًا أن نعدّها طبيعية لا تقبل النقاش.

ما نحتاج إليه فعلًا هو الانتقال من الاحتفاء الرمزي إلى الاعتراف اليومي. اعتراف يبدأ من البيت، حيث لا ينبغي أن تبقى أعمال الرعاية مسؤولية نسائية خالصة، ويمر بالمدرسة وأماكن العمل، حيث تكون الكفاءة أساسًا للإنصاف والتقدير بعيدًا عن التمييز، ويصل إلى المؤسسات العمومية التي تتحمل مسؤولية ضمان الحقوق والحماية وتكافؤ الفرص. ويقتضي ذلك أيضًا الالتفات إلى النساء في وضعية هشاشة، وتوسيع فرص التعليم والتكوين والشغل، وتعزيز الحماية من العنف والتمييز، حتى لا تبقى مكتسبات المرأة امتيازًا لفئة محدودة من النساء.

العاشر من أكتوبر ليس مجرد موعد لتبادل التهاني، ولا مناسبة لترديد عبارة «نصف المجتمع»، وإنما فرصة لقياس المسافة بين ما نقوله عن المرأة وما نمنحه لها بالفعل. فالمجتمع الذي يفتخر بنسائه عليه أن ينصت إليهن، ويحترم قراراتهن، ويعترف بعملهن، ويتقاسم المسؤوليات معهن، ويدافع عن حقوقهن حتى في الأيام التي لا تذكّرنا فيها مناسبة وطنية بذلك.

فهنيئًا للمرأة المغربية بيومها، وللرائدات في مختلف المجالات، وللعاملات في صمت داخل البيوت وخارجها، وللأستاذات اللواتي يسهمن في صناعة المستقبل داخل الأقسام، ولنساء القرى والجبال اللواتي يواجهن قسوة الظروف بإصرار لا يكلّ، ولكل امرأة شقّت طريقها رغم الصعاب.

غير أن أصدق التهاني ما تحوّل إلى سلوك، وأصدق الاحترام ما لا ينتظر مناسبة ليُعلن عن نفسه. فالمرأة المغربية لا تحتاج إلى يوم واحد من الاعتراف، بل إلى مجتمع يجعل كرامتها حقًا يوميًا لا شعارًا موسميًا، ويتيح لها أن تختار ما تريد لنفسها، لا أن تعيش وفق ما يريده الآخرون لها.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
لوكهيد مارتن بمعرض مراكش
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 20:51

لوكهيد مارتن بمعرض مراكش

صوت وصورة
السيول تجتاح طرق أسني بالحوز
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 19:49

السيول تجتاح طرق أسني بالحوز

صوت وصورة
جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 16:47

جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة