الحلقة 3
هل يمكن للمرأة، في سينما رومان بولانسكي، أن تكون مجرد شخصية داخل الحكاية، أم أنها تتحول إلى مرآة مكسورة تعكس تشقق العالم من حولها، وتعيد إنتاجه ككابوس بارد يتنكر في هيئة الواقع؟ ومن أين يبدأ التواطؤ: من النظرة الأولى أم من الصمت الذي يلتف حول الجسد حتى يخنقه ببطء؟ وهل العنف هنا حدث خارجي أم بنية خفية تتسلل داخل العلاقات، داخل البيت، داخل اللغة نفسها حتى تفقد معناها؟
وفي عوالم سينما رومان بولانسكي، لا تُرى المرأة بوصفها حضورًا بسيطًا، وإنما بوصفها قلقًا يمشي على قدمين، وهشاشة تقاوم الانمحاء، وصوتًا يتردد بين الانكسار والفضح. لماذا يبدو الجسد الأنثوي في أفلام بولانسكي كأنه ساحة حرب غير معلنة؟ ولماذا تتحول الأمومة والحب والعائلة إلى أقنعة شفافة تخفي تحتها نظامًا معقدًا من السيطرة؟
وفي لحظة ما، تقول إحدى شخصياته، كأنها تهمس من داخل ذاكرة محاصرة: «لا أحد ينجو من أن يكون موضوعًا لعينٍ لا تنام». وهنا لا تعود المرأة مجرد موضوع للسرد، وإنما تصبح سؤالًا مفتوحًا على معنى الوجود نفسه، وعلى حدود السيطرة حين تتخفى في شكل العادي واليومي، وعلى هشاشة الإنسان حين يكتشف أن بيته ليس مكانه، وإنما فخّه الأجمل.
سردية التواطؤ والسيطرة وتعدد الأقنعة
تتخذ صورة المرأة في سينما رومان بولانسكي بعدًا مركبًا يتجاوز التمثيل النمطي، لتصبح فضاءً تتقاطع فيه الهشاشة مع القوة، والخوف مع الرغبة، والذات مع العالم الذي يسعى إلى ابتلاعها. ولا تظهر المرأة هنا ككائن ثانوي أو مكمل للحكاية، فهي كمرآة حادة تكشف اختلالات المجتمع وتفضح عنفه الرمزي والمادي، وكأنها مركز التوتر الذي تنبني حوله كل التحولات الدرامية والنفسية.
وفي فيلم “الاشمئزاز”، تتجسد المرأة في شخصية كارول، التي تنسحب تدريجيًا من العالم لتغرق في عزلة خانقة داخل شقتها. ولا يعود المكان مجرد إطار للأحداث، بقدر ما يتحول إلى امتداد لذهنها المتشقق، حيث تقول في لحظة انكسار: «الجدران تقترب، لا أستطيع التنفس». وهذه العبارة لا تعبر فقط عن خوف آني، وإنما تكشف عن انهيار داخلي يجعل من الجسد سجنًا ومن الواقع تهديدًا دائمًا. وهنا تصبح المرأة ضحية لعالم لا يحتمل هشاشتها، وفي الوقت ذاته شاهدة على تصدع المعنى في محيطها.
وتبلغ هذه الصورة ذروتها في فيلم Rosemary’s Baby / “الطفل روزماري”، حيث تتحول روزماري إلى رمز للمرأة التي يُسلب منها حقها في جسدها وفي مصيرها. إن لحظة إدراكها لطبيعة الحمل الذي تعيشه تختصر مأساة كاملة، حين تقول: «هذا ليس طفلي، إنه شيء غريب زرعوه داخلي». ولا يكتفي المخرج بولانسكي بتقديم قصة رعب، ولكنه يبني سردًا عن السيطرة، عن تواطؤ المجتمع مع قهر المرأة، وعن العنف الذي يمارس باسم الحب والعائلة. وتصبح الأمومة هنا تجربة مرعبة، ويغدو الجسد الأنثوي ساحة للصراع بين الإرادة الفردية وقوى خفية تتجاوزه.
وفي فيلم Chinatown / “الحي الصيني”، تتخذ المرأة بعدًا تراجيديًا من خلال شخصية إيفلين، التي تعيش تحت وطأة ماضٍ مظلم وسلطة أبوية قاهرة. وتقول في لحظة اعتراف: «كنت أحاول حمايتها، لكن لا أحد ينجو». وتكشف هذه الجملة عن عالم لا يمنح المرأة فرصة الخلاص، حيث تتحول إلى ضحية لصراعات أكبر منها، ويصبح صمتها شكلًا من أشكال النجاة المؤقتة. إن بولانسكي يرسم هنا ملامح امرأة محاصرة بين الخوف والواجب، بين الرغبة في الحماية والاستسلام لقوة لا تُقاوم.
أما في فيلم The Tenant / “المستأجر”، فإن المرأة تحضر كغياب مؤثر، كأثر يتركه وجود سابق يواصل السيطرة على الحاضر. وتتحول الشخصية النسائية إلى شبح يلاحق البطل، وإلى رمز للهوية المهددة بالذوبان، حيث يهمس: «أنا أصبحها، شيئًا فشيئًا». وفي هذا التداخل بين الذكورة والأنوثة، يعيد بولانسكي طرح سؤال الهوية بوصفه سؤالًا مفتوحًا على القلق، حيث لا حدود ثابتة بين الذات والآخر.
ويأخذ حضور المرأة منحى مختلفًا في فيلم Carnage / “مجزرة”، حيث تظهر المرأة كجزء من لعبة اجتماعية تكشف هشاشة القيم البرجوازية. وفي خضم المواجهة الكلامية، تقول إحدى الشخصيات: «نحن لسنا أفضل من أطفالنا، نحن فقط أكثر تهذيبًا في كذبنا». وهنا لا تكون المرأة ضحية فقط، ولكنها فاعل يشارك في تفكيك الأقنعة، ويكشف عن العنف الكامن خلف اللياقة.
إن المرأة في سينما بولانسكي ليست صورة واحدة، فهي تعددية من الوجوه التي تعكس تناقضات العالم الحديث. وهي الضحية والمقاومة، الهشة والقوية، الصامتة والصارخة. ومن خلال هذه الشخصيات، يعيد المخرج طرح أسئلة عميقة حول الجسد، السلطة، والهوية، جاعلًا من المرأة مدخلًا لفهم عالم يزداد تعقيدًا وقسوة. إنها سينما ترى في المرأة ليس فقط موضوعًا للحكي، وإنما ذاتًا تقاوم الاختزال، وتفتح أفقًا للتأمل في معنى الوجود نفسه.
السينما كأداة لقياس الهشاشة
تشكل موضوعة الخوف والعزلة في سينما رومان بولانسكي محورًا بنيويًا تتقاطع عنده الرؤية الجمالية مع الخلفية الفلسفية، حيث لا يُقدَّم الخوف بوصفه انفعالًا عابرًا، وإنما كحالة وجودية متجذرة، ولا تُصوَّر العزلة كاختيار فردي، ولكن كقدر يفرضه عالم مأزوم. وفي هذا الأفق، تتحول الصورة السينمائية إلى أداة لقياس هشاشة الكائن الإنساني، ويغدو الفضاء المغلق مختبرًا نفسيًا تُختبر داخله حدود العقل والهوية.
وفي فيلم “الاشمئزاز”، تتجسد العزلة كمسار انحداري يقود البطلة إلى الانهيار الكامل، حيث تتحول الشقة إلى فضاء خانق تتشقق جدرانه كما يتشقق وعيها. ولا يأتي الخوف من الخارج، وإنما ينبع من الداخل، من ذاكرة مضطربة ومن رغبات مكبوتة، ليصبح العالم امتدادًا لاضطراب الذات. وهنا يشتغل بولانسكي على تفكيك العلاقة بين الإدراك والواقع، بحيث لا يعود المشاهد قادرًا على التمييز بين ما هو حقيقي وما هو متخيل، وتصبح العزلة شرطًا لإنتاج هذا الالتباس.
وتتعمق هذه الرؤية في فيلم Rosemary’s Baby، حيث تتحول العزلة إلى حصار اجتماعي ونفسي في آن واحد. وتعيش البطلة وسط مجتمع يبدو طبيعيًا في ظاهره، لكنه يخفي تواطؤًا مرعبًا يسلبها إرادتها. ولا يمثل الخوف هنا صدمة مفاجئة، بقدر ما هو بناء تدريجي يتسلل عبر التفاصيل الصغيرة، عبر النظرات، الإيماءات، والصمت المريب. إن بولانسكي لا يعتمد على المباشر، وإنما على الإيحاء، جاعلًا من العزلة تجربة داخلية حتى في قلب الجماعة، حيث يمكن أن يكون الإنسان محاطًا بالآخرين، لكنه في أقصى درجات الوحدة والعزلة.
أما في فيلم The Tenant / “المستأجر”، فإن العزلة تأخذ بعدًا أكثر تعقيدًا، حيث تتحول إلى اغتراب وجودي يفقد فيه البطل إحساسه بذاته. ولا يمثل المكان هنا فقط ضاغطًا، وإنما متآمرًا، يفرض على الشخصية نمطًا من الوجود يفضي إلى الذوبان في هوية الآخر. ويتولد الخوف من هذا التآكل البطيء، من الشعور بأن الذات لم تعد ثابتة، وأن الحدود بينها وبين العالم تتلاشى. وفي هذا السياق، تصبح العزلة شكلًا من أشكال المحو، ويغدو الخوف نتيجة حتمية لفقدان السيطرة على الهوية.
وفي فيلم Chinatown / “الحي الصيني”، ينتقل الخوف من المستوى النفسي إلى البعد السياسي والاجتماعي، حيث يجد البطل نفسه معزولًا أمام منظومة فساد معقدة تتجاوز قدراته. ولا تتأسس العزلة هنا على بعد مكاني وإنما على بعد أخلاقي، إذ يكتشف أن الحقيقة التي يسعى إليها لا تملك قوة التغيير. ويتحول الخوف إلى وعي مأساوي بعجز الفرد أمام قوى أكبر منه، ويصبح الانكشاف ذاته مصدر تهديد، لأن المعرفة لا تقود إلى الخلاص ولكن إلى مزيد من الإحباط.
ويمتد هذا الاشتغال إلى فيلم The Pianist / “عازف البيانو”، حيث تتخذ العزلة شكل البقاء القسري في مواجهة الإبادة. ويعيش البطل في عزلة مطلقة، محاصرًا بالخوف من الموت في كل لحظة، ومع ذلك يتحول هذا الخوف إلى دافع للاستمرار. وهنا ينجح بولانسكي في تحويل التجربة الفردية إلى شهادة إنسانية، حيث يصبح الخوف جزءًا من غريزة الحياة، وتتحول العزلة إلى شرط للبقاء لا للهلاك.
إن ما يميز سينما بولانسكي هو قدرتها على تحويل الخوف والعزلة إلى لغة بصرية وفكرية، حيث لا تُعرض هذه الثيمات كموضوعات جاهزة، وإنما كعمليات معقدة تتشكل عبر الإخراج، الإضاءة، وبناء الفضاء. ولا تكتفي الكاميرا بالمراقبة، بقدر ما تشارك في خلق الإحساس بالحصار، والزوايا الضيقة تعمق الشعور بالاختناق، فيما يساهم الاقتصاد في الحوار في جعل الصمت عنصرًا فاعلًا في بناء التوتر. وبهذا المعنى، تصبح السينما عند بولانسكي تجربة حسية وفكرية في آن واحد، تدفع المتلقي إلى مواجهة خوفه الخاص، وإلى إعادة التفكير في معنى العزلة داخل عالم يبدو مفتوحًا في ظاهره، لكنه في جوهره أكثر انغلاقًا وقسوة.
ختامًا
لا تبدو المرأة مجرد شخصية، ولكنها تتحول إلى أثرٍ لا يزول في ذاكرة الصورة، وإلى جرحٍ مفتوح في جسد العالم. كل شيء هنا يتهاوى بهدوء: الأقنعة، البيوت، الطمأنينة الزائفة، لتبقى الحقيقة معلقة بين الخوف والرغبة، بين السيطرة والانكسار. إننا لا نخرج من هذه الأفلام، بل نظل داخلها كما لو أننا فقدنا القدرة على مغادرة القلق. كأن سينماه تقول لنا إن بعض الحقائق لا تُغيَّر، ولكنها تُعاش إلى الأبد كقدرٍ بصري لا خلاص منه، وكذاكرةٍ لا تنطفئ.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.