المسألة التعليمية عند عبد الله إبراهيم

المسألة التعليمية عند عبد الله إبراهيم
الخميس 19 أكتوبر 2023 - 14:06

ما بين عقم الثقافة المتحررة واحتشام الطرح الخلدوني

لا شك في أن القضايا الاجتماعية اتخذت حيزا مهما ضمن اهتمامات رواد العمل السياسي المغربي عند بداية القرن العشرين، إذ شكلت مدخلا محوريا لتوجيه انتقادات سياسية إلى الإدارة الاستعمارية ومحاولة التضيق على مبادراتها التي كانت تخدم الرأسمال الاستعماري بالأساس.

كما راهن الرواد من الوطنيين المغاربة بشكل قوي على تقويم الإطار الاجتماعي المغربي وتصحيح اعوجاجه، باعتباره يمثل أداة فعالة في تطوير عملية خلق كتلة اجتماعية سليمة قادرة على مناهضة الاستعمار وتحمل مسؤولية البناء؛ فكان أن حظيت المسألة التعليمية بنقاش مستفيض بين مختلف الفاعلين المغاربة والمفكرين حينها، كل حسب نظرته إلى مضمون الإصلاح التعليمي وطبيعة الاختيارات الملزمة لتصحيحه. ومن ثم، النهوض بالأمة المغربية نهضة مبنية على الأسس العلمية المضبوطة عوض مجال الفوضى والترهل والعشوائية.

ومن أبرز الشخصيات الفكرية المغربية التي كان لها نصيبها القوي في المساهمة في هذا الجانب عبد الله إبراهيم، أحد أبرز زعماء الحركة الوطنية المغربية والذي يصعب في الواقع الجزم بالوقوف على جميع المنطلقات الفكرية المجسدة لمنظوره لمضمون إصلاح التعليم؛ بحكم أن منظوره الإصلاحي لم يكن منعزلا عن سياق شمولي لمفهوم النهضة الاجتماعية المغربية حينها والقائمة على الجمع في عملية الإصلاح ما بين التقويم السياسي والاقتصادي والديني أيضا. كما أن تصور هذه الشخصية الوطنية لإصلاح التعليم لم يكن له طابع قار؛ بل خضع لتطورات عديدة واكبت تطور المسار السياسي والاقتصادي والاجتماعي للبلاد، سواء خلال مرحلة الحماية والاستعمار وتصاعد النضال السياسي الوطني أم مع السنوات الأولى لنهاية نظام الحماية بالمغرب.

وبناء عليه، فإن فهم طبيعة التصور الإصلاحي لهذه الشخصية الوطنية يتطلب في الواقع رصدا شموليا وبنيويا منسجما مع التطور التاريخي للبلاد أيضا، ليس على مستوى الزمن التاريخي القصير؛ بل وفق نسق تبلوره الفكري لدى عبد الله إبراهيم نفسه، في سياق متطلبات المجتمع المغربي وحاجياته التنموية نحو منطلقات النهضة الشاملة. فما هي أسس هذا الإصلاح وتجلياته عند رجل جمع ما بين السياسة والفكر؟

الثقافة المتحررة أساس إصلاح التعليم

نظر عبد الله إبراهيم إلى المسألة التعليمية بمنظور نوعي، حمل معه هواجس مفكر ملم بثقافة الغير، وعارف بأصول التلقين وسياقات التأصيل لمعرفة تحقق مفهوم النهضة القائمة على ما أشار إليه في إحدى محاضراته حول “الثقافة المتحررة” (منشورة بمجلة رسالة الأديب يوليوز 1958)، حيث دعا إلى أن تكون جميع الأعمال القائمة مبنية على دعامة قوية من الفكر؛ وهي الدعامة التي لا يمكن أن تتحقق من دون التوفر على أرضية سليمة لتحقيق المعرفة وفق نظام تعليمي رزين، خارج ما تطبعَ به المغاربة منذ قرون من الحرص على تبني فكر متحجر، مبني على ثقافة فقهية تقوم على الحفظ وتضعف ملكة التفكير.

ظل النظام التعليمي المغربي يشجع ضُعف الفكرة وقُوة الحافظة، فكان من نتائج ذلك أن انكب الشباب المغربي على صرف جهودهم في حفظ القرآن الكريم، وربما حفظ الروايات، وحفظ الشيخ خليل وحفظ آلاف الأبيات الشعرية، وبالأخص من الشعر التعليمي، فتنمو حافظته؛ ولكن فكره يبقى في طور الطفولة. وهذه حقيقة مؤلمة، حسب عبد إبراهيم، أثرت بشكل قوي في ثقافة المغاربة التي أصبحت معاقة بحكم حبس ملكة التفكير، فالحافظة لا توافق التفكير في شيء.

النهل من الثقافة العربية الإسلامية المتذبذبة عائق من عوائق تطور التعليم

ومن معيقات ودلائل فشل المنظومة التعليمية المغربية أن مجال النهل من الثقافة العربية الإسلامية أصبح بدوره عاملا معثرا لتطور بنية التفكير؛ لأن الثقافة العربية الإسلامية مرت بدورها بمرحلة الركود، بعد انهيار الإمبراطوريات العربية بعد سيطرة الأتراك على الرقعة الإسلامية، فضعف التفكير العربي، وانحط الإنتاج في جميع البلدان العربية، فأصبح التعليم المغربي يعتمد على إنتاج مُهلهل ضعيف وركيك، وانفصل بطبيعة الحال عن التفكير، لتعمه “التزويقات” اللفظية، مقابل امتداد فجائي لثقافة غربية عرفت تطورا ملحوظا، اصطدم مع آليات تثقيفية مغربية عتيقة، أصابها الانحطاط ولم تتمكن من فهم ومواكبة تطور التفكير الغربي القائم حينها.

واكب عبد الله إبراهيم نظرته إلى المسألة التعليمية ودورها التثقيفي بالنسبة للمجتمع برصده لطبيعة تطور التعليم الأوروبي، وانتشار بعض مظاهره بالمغرب خلال فترة الحماية، حيث لاحظ أن الإدارة الفرنسية عملت على فتح مدارس التعليم الأوروبي بالمغرب ونشر ثقافتها بحد ضئيل؛ ولكن المغاربة لم يجدوا لهذه الثقافة مكانا في شعورهم ولا في إحساسهم، فكانت بمثابة مجرد علم يتلقاه المغاربة. فعلى مدى أربعين سنة في الثقافة الفرنسية، لم يستطع المغاربة أن ينتجوا كتابا كبارا ولا مفكرين كما هو الحال في فرنسا، وإنما وُجد أشخاص انتقلوا انتقالا إلى الثقافة الأوروبية؛ بل إنه في ظل الانحطاط الاجتماعي الذي ساد البلاد كان من الصعب تحقيق مطلب المعرفة الأصلي، وهو الذي يحرر الفكر ويبتعد عن ما أصبح شائعا حينها من انهيار القيم وكثرة الخونة.

كما أن كثيرا ممن يستطيعون أن يغيروا شيئا – من وجهة نظر عبد الله إبراهيم- يجدون أنفسهم في ركاب الأجنبي، فترى القيم الفكرية تدخلها أعراض السياسة الاستعمارية؛ مما أدى إلى تورط كثير من الناس كمثقفين، وهو المظهر المؤلم في حياة المغاربة الفكرية. والذي لن يتغير إلا بوجود ثقافة تساند عملية البناء، التي يمكن أن تبنى عليها الحضارة المغربية، والوسيلة التعليمية المبنية على تحرير العقول، وتحقيق معرفة يفهما الجميع، وتتساوق مع منظورهم الفكري وطبيعتهم الاجتماعية، إلى مرحلة تجعل الناس يتذوقون نعم الفكر متجاوزين أفق تفكيرهم اليومي، ومستندين في معارفهم على مثقف مهندس لعقول الأمة وفق قوانين معرفية مضبوطة، لا تشملها الفوضى والتعثر؛ بل تحمل معاني المسؤولية الشاملة لدور المثقف والمربي، والحامل لأصول المعرفة الصحيحة، والتي ينعم صاحبها بظلال الحرية في التفكير والإبداع والعطاء.

وأضاف عبد الله إبراهيم، في توضيح علاقة المعرفة بخلق مبادرة التفكير ودور المثقف المغربي، قائلا، في مقال نشر بجريدة “الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، بتاريخ 12 يوليوز 1973، إن “الذين يقرؤون كل شيء، وأعترف بأن القراءة فضيلة نادرة جدا الآن عند المثقفين المغاربة-ويلاحظون كل شيء، ويفكرون في كل شيء، ولا يلتزمون بأي شيء في الأخير، إنما يزجون بملكاتهم العقلية الخلاقة في التيه ويقدمون أنفسهم بعضا من ضحايا مجتمع منهار وتافه، ويلغون في نفس المجتمع، وسيلة أساس، من وسائل خروجه من التفاهة والانهيار، يتوفرون هم عليها كمثقفين”.

إصلاح التعليم على مستوى الناشئة سر تقويم المنظومة التعليمية

لم تقتصر نظرة عبد الله إبراهيم إلى إصلاح التعليم على مجرد تحديد معالم التفكير وأصول المعرفة، ودور المثقف في رسم معالم بنية معرفية شاملة للمجتمع المغربي؛ بل عمل من جانب آخر على تحديد معالم الإصلاح التعليمي بالمغرب، انطلاقا من دعوته لإصلاح التعليم على مستوى الناشئة، فخصص له مقالا وضعه بعنوان دال وقيم، تمثل في: فكرة التعليم الابتدائي في مقدمة ابن خلدون.

والواضح أن عبد الله إبراهيم كان يعي كل الوعي قيمة مناقشته للطرح الخلدوني في المسألة التعليمية الخاصة بالناشئة، ومدى صعوبة الموضوع، معتبرا أن الأمر لا تكفيه ورقات، وإيجاز الكلام فيه هو إيجاز الكلام في الجانب التعليمي من فلسفة إنسانية شاملة، تحاول أن تعطي صورة عقلية للحياة اليومية بما يعتريها من أغلاط وحقائق.

لقد وقف عبد الله إبراهيم عند الطرح الخلدوني لتحقيق مبتغى أساس، يتمثل في الوقوف على معيقات تعليم الناشئة في المذهب المغربي، ومقارنة نتائجها بما تقدمه مذاهب تعليمية أخرى، حيث حدد فيه معالم إصلاح التعليم الأولي بالمغرب من وجهة نظر ابن خلدون، بناء على أربع مذاهب تعليمية وهي: المذهب الأندلسي، والمذهب المغربي، والمذهب التونسي، والمذهب الشرقي؛ ليرصد في الآن نفسه معالم الاختلافات الفكرية مع الطرح الخلدوني في هذا الباب، إذ لم يركن عبد إبراهيم إلى تبني منظور ابن خلدون في شموليته، بالرغم من إقراره ببعض إيجابية المذهب الأندلسي، حيث أشار إلى أن المذهب التعليمي الأندلسي في مرحلة الدراسة الأولى يفرض على الطفل منهجا يقوم على ثقافة أدبية خالصة تعتبر القرآن نفسه وسيلة من وسائل هذه الثقافة، ويعنون عناية خاصة بتقديم طائفة من روائع الشعر العربي ومقتطفات من النثر البليغ لأبنائهم. أما فن الخط فله ركن ممتاز في برامج هذا النحو من التعليم عندهم.

الأندلسيون لم يروا قيمة ذاتية لحفظ القرآن لدى الناشئة

وبناء عليه، فالأندلسيون على عهد ابن خلدون لم يكونوا يرون قيمة ذاتية لحفظ القرآن لدى الناشئة، فالقرآن عندهم وسيلة من وسائل الفهم، ومظهرا من مظاهر البلاغة العربية والأدب العربي. وقد أفاد الأندلسيون، حسب تعبير ابن خلدون، التفنن في التعليم وكثرة رواية الشعر والترسُل ومُدارسة العربية من أول العمر إفادة كبيرة، جعلت لهم الزعامة الأدبية والفكرية على المغرب الإسلامي كله؛ ولكن دراستهم للقرآن كانت ضعيفة مذبذبة، لا تجعل منهم حفاظا ومقرئين.

التعليم الأولي بالمغرب مجال لحفظة الجمود في العبارات وقلة التصرف في الكلام

ولتحقيق نظرة تقابلية ما بين أسس التعليم الأولي الأندلسي والمغربي، يقف عبد الله إبراهيم على منظور ابن خلدون لمنهج المغاربة التعليمي الخاص بالناشئة، على اعتبار أن هذا الأخير هو المذهب الذي يعارض المذهب الأندلسي على طول الخط؛ فهو يقاوم كل ثقافة أدبية أو فكرية، ويفرض على الطفل منهاجا لا يقوم إلا على حفظ القرآن فقط وإتقان رسمه، واختلاف جملة القرآن فيه.

ويصور ابن خلدون في الوقت نفسه نتائج هذا المنهاج التعليمي، في كونه فتح المجال لتفوق المغرب تفوقا تاما على الأندلس، في حفظ القرآن والخبرة بآراء الرواة في رسمه، ولكنه في الوقت نفسه، فتح المجال لامتلاء المغرب- على حد قول ابن خلدون- بحفظة الجمود في العبارات وقلة التصرف في الكلام؛ بل لاحظ عبد الله إبراهيم، في سياق تناوله للطرح الخلدوني، أن النشء المغربي الخاضع لهذا المنهاج التعليمي لا يتأتى له أن يتصل بشيء من الثقافة الأدبية والفكرية التي كان يجيدها أطفال الأندلس، إلا بعد أن يرجع شبابا راشدا، ويضطلع بمسؤوليته الخاص، مما يُعرضهم إلى الانقطاع عن الدراسة جملة، والاشتغال بشؤون الحياة، فإذا استمر عدد نزر منهم في الدراسة العلمية تجدهم سكونا لا ينطقون ولا يفاوضون، وعنايتهم بالحفظ أكثر من الحاجة فلا يحصلون على طائل.

التعليم الأولي بالمغرب مجال للشلل العقلي وصدم لقوة الإدراك

يعرض عبد الله إبراهيم معيقات التعليم الأولي المغربي وفق الطرح الخلدوني، ضمن جانب آخر، إذ يشير إلى أن اعتماد المغاربة على مذهبهم الجاف القائم على الحفظ جعلهم يصابون بنوع من الشلل العقلي وصدم قوة الإدراك فيهم صدمات مُتلفة، تَغلغلت آثارها في حياتهم الفكرية تغلغلا مخفيا، وليس أدل على ذلك من المدة المقررة لسنوات الدراسة في المغرب ولسكنى الطالب في مدارسها؛ إذ ترتفع إلى ست عشرة سنة بعد مدة التحصيل القرآني، بينما في تونس لا تتجاوز حينها خمس سنين، وليس الذنب حسب ابن خلدون ذنب المنهج المتقدم؛ بل لفساد أسلوب الدراسة وسخفه.

ولرسم صورة متكاملة حول بنية التعليم الأولي ما بين المذهب الأندلسي والمغربي، عرض عبد الله إبراهيم تصور ابن خلدون لمنهاج تعليمي ثالث، لصيق بنفس المستوى التعليمي، إذ قدم التجربة التونسية في شموليتها، والتي تعتمد منهاجا قرآنيا، على اعتبار أن القرآن وحدة مستقلة في التعليم، وحفظه وتجويده غاية في نفسهاـ ويُنظر إلى الخط على العموم كوسيلة للقراءة، فلا يحفل كثيرا برداءته ولا يعار اهتمام لهندسته وتنسيقه كبير اهتمام، وهو في ذلك يتوافق نوعا ما مع طريقة التعليم المغربي، مع وجود اختلاف في المذهب التونسي، ويتمثل في كون هذا الأخير لا يقاوم ثقافة الطفل؛ بل يعترف لها بمكان ضعيف إلى جانب التعليم القرآني، ويصطنع لها أسلوبا يشبه أن يكون أندلسيا، ولكنه خال من الشعر الرائع والنثر البليغ، ولذلك لا يُخرج هذا المذهب أيضا إلا جيلا ضعيفا، تعوزه حسب ابن خلدون، ملكة في اللسان العربي، وحفظه الجمود في العبارات وقلة التصرف في الكلام، بدرجة أخف مما يحدث في المنهاج المغربي.

ويلاحظ أن عبد الله إبراهيم تَعمد استحضار التصور الخلدوني في إصلاح التعليم الابتدائي ونظرته النقدية إليه، بهدف الإقرار بعمق الخلل الحاصل فيه وتجذره التاريخي، خاصة أن النظرة الخلدونية اعتمدت نقدا شموليا لأسس التعليم الأولي في التجارب العربية، إذ تضمنت رصدا لمناهج هذا التعليم على مستوى أقطار الشرق العربي، وهو تعليم دأب فيه المشارقة على تدريس القرآن إلى جانب الحديث والنحو والفقه. أما الخط، فينظرون إليه كفن له أساتذته المختصون وله قوانينه، فهو لا يضايق مدة التعليم الابتدائي في شيء.

من الغبن ألا يكون للشرق العربي سوى منهج تعلمي أولي متفرد

لاحظ عبد الله إبراهيم أن التصور الخلدوني لمنهاج التعليم في الشرق قد حمل معه نوعا من الشك والتردد، بل طُبع بقلة العُمق والإحاطة، نظرا لأن هذا الأخير تحدث عنه بنوع من العطف وشيء من الإعجاب الخفي؛ وذلك مطابق لمدى إعجاب ابن خلدون في معرض كلامه الدائم على الشرق العربي، بينما يكشف الواقع ضعفا واضحا لتعدد المناهج التعليمية في الشرق العربي. فمن الغبن-على حد قول عبد الله إبراهيم- ألا يكون للشرق العربي كله سوى منهج تعليمي أولي واحد، مما يجعل الطرح الخلدوني في هذا الباب تنتفي فيه شروط العلمية والتوصيف السليم لمناهج التعليم الابتدائي في الشرق العربي.

ابن عربي أكثر جرأة من ابن خلدون في توصيف عقم التعليم الأولي العربي

وتأكيدا لتوصيف عبد الله إبراهيم للطرح الخلدوني ومحدوديته حول التعليم الأولي بالشرق العربي، اعتبر عبد الله إبراهيم النقد الخلدوني للتعليم الأولي المعتمد على تصور ابن عربي في الموضوع غير مكتمل وغير ناضج؛ بل إن ابن عربي كان أكثر جرأة من ابن خلدون في تناول الموضوع، إلى درجة تبعث على الاحترام، خاصة أن ابن عربي كان أكثر واقعية، إذ اعتبر أن المذاهب المعروفة في التعليم الابتدائي لا تكفي، بل هي مذاهب عقيمة بالنظر إلى الوسط الاجتماعي للشعوب الإسلامية، وإلى شيوع العجمة واللحن في لغة التخاطب، وإلى فساد الذوق الأدبي و”اصطباغه” بصبغة سوقية منحطة، وهو ما جعل ابن عربي حسب عبد الله إبراهيم يقدم نظرة واقعية لحال التعليم، حيث اقترح ضرورة الأخذ بمذهب تعليمي حي، مستوحى من ضرورات الساعة ومن المطامح الثقافية وتطبيقه على التعليم الابتدائي، وهو أن يقتصر الطفل في تعليمه الأولي على البلاغة والنحو وعلوم العربية كلها، ويقدم إليه نصوص من الأدب البليغ ما يُقوم لدى المتلقي أسس الإدراك ويربي ملكاته، فإذا أخذت ثقافته الأدبية تقوى وتتأصل يُنتقل به إلى الحساب والرياضيات، فإذا تمت الملكة الرياضية فيه وأخذت في التمكن استطاع حينئذ أن يرجع إلى دراسة القرآن وحفظه، وقد قوم الأدب الرفيع ذوقه وعززت الرياضيات عقله وأصبح مقتدرا على درس القرآن.

لاحظ عبد الله إبراهيم أن نقد ابن خلدون لبعض مضامين نظرية ابن عربي حول التعليم الأولي نقد غير سليم وغير منطقي، واعتبر مبرراته غير مقنعة، والمتمثلة في أن تحفيظ القرآن للطفل من أول عهده بالمدرسة فيه ثواب وبركة، وأن الطفل بعد أن يترعرع مُعرض لنزق الصبي وغاويات الشباب وطغيانه عن إتمام دراسته، فينقطع عن الأخذ جملة في الوقت الذي يبتدئ فيه حفظ القرآن، وبذلك يتم الجني عليه وحرمانه حفظ القرآن.

فهذه العوارض الخلدونية هي مجرد توصيفات سطحية، لا ترقى إلى تقديم منهج شامل إيجابي حول المسألة التعليمية، على اعتبار أن ابن خلدون وقف على الموضوع من زاوية خاصة، ليست زاوية رجل التربية؛ وهو ما يشفع له من جانب آخر، في عدم مطالبته بمنهج إيجابي كامل، واقتصاره على رصد الظاهرة، بعيدا عن وضع أسس علم جديد مستقل، ومنفتح حول أسس التعليم الأولي في المغرب.

المغرب يسلخ السنين تلو السنين من عمر أجياله في اللف والدوران لإنتاج جيل راسب

يجمل عبد الله إبراهيم خلاصة تصوره حول إصلاح المسألة التعليمية، في مقال صدر له بجريدة “الاتحاد الوطني للقوات الشعبية” منذ 22 دجنبر من العام 1972، حمل عنوان: “الجيل الراسب”، مشيرا إلى أن مشكلة التعليم، في الأوضاع المغربية الراهنة، لا حل لها؛ لأنها مشكلة تضع ضمنيا جميع المشاكل الأساس المطروحة على البلاد، وهي بدورها تضع مشكلة التوجيه السياسي العام، ووسائل العمل، ومن ثمة فالمغرب يسلخ السنين تلو السنين- حسب قوله- من عمر أجياله، في اللف والدوران، فمشكلة التعليم متعددة الوجوه والاعتبارات، وجميع وجوهها واعتباراتها قاسية ومؤلمة، لأن مصير المغرب، لأجيال عديدة، يتقرر من خلالها، أيضا بقساوة وألم، وليس هناك أية مشكلة وطنية أخرى، اتضح فيها رأي الشعب المغربي كله بجميع ألوانه واتجاهاته ومصالحه، كما اتضح الآن في مشكلة التعليم.

وبناء عليه، يقر بأن التعثر الدائم في محاولة فرض حلول صحيحة لمشاكل التعليم راجع إلى أن مشاكل التعليم لا حل لها بمفردها، ما لم تحل المشاكل الوطنية الأخرى.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة

صوت وصورة
مضادات "درون" مصنوعة مغربيا
السبت 10 أكتوبر 2026 - 21:30

مضادات "درون" مصنوعة مغربيا

صوت وصورة
الدار البيضاء تتضامن مع غزة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 20:15

الدار البيضاء تتضامن مع غزة

صوت وصورة
سعر الدجاج بـ24 درهما
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:45

سعر الدجاج بـ24 درهما

صوت وصورة
لشكر .. تحالف "البام" والكتلة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:15

لشكر .. تحالف "البام" والكتلة

صوت وصورة
صقور السعودية في سماء مراكش
السبت 10 أكتوبر 2026 - 16:32

صقور السعودية في سماء مراكش