المغرب بصيغة المؤنث

المغرب بصيغة المؤنث
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 18:25

إن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري من طرف صاحب الجلالة الملك محمد السادس رئيسةً للحكومة المغربية، باعتبارها أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ المغرب، ليس مجرد حدث سياسي غير مسبوق، بل مناسبة لإعادة قراءة موقع المرأة في التاريخ السياسي المغربي. فالمغرب لا يمكن فهم تاريخه من خلال الرجال وحدهم، لأن المرأة كانت حاضرة في عدد من المنعطفات التي أسهمت في تشكيل الدولة والمجتمع.

ومنذ كنزة الأوربية في بدايات الدولة الإدريسية، إلى زينب النفزاوية في العصر المرابطي، والسيدة الحرة في تطوان، وخناثة بنت بكار في عهد الدولة العلوية، نجد نماذج لنساء تجاوز حضورهن المجال الأسري والاجتماعي إلى دوائر التأثير السياسي والتدبير وصناعة القرار. وقد اختلفت طبيعة هذا الحضور من مرحلة إلى أخرى، تبعًا لاختلاف بنية الدولة وموازين السلطة، لكنه يكشف أن المرأة لم تكن غائبة عن المجال العام في تاريخ المغرب.

كانت كنزة الأوربية مرتبطة بالمرحلة التأسيسية للدولة الإدريسية، بينما ارتبطت زينب النفزاوية بصعود الدولة المرابطية وتدبير شؤونها. أما السيدة الحرة فقد مارست السلطة في تطوان خلال مرحلة دقيقة أعقبت سقوط الأندلس وتصاعد التوسع الإيبيري في غرب المتوسط.

وفي القرن الثامن عشر، برزت خناثة بنت بكار داخل الدولة العلوية، فكان لها حضور في الحياة السياسية وفي تدبير المرحلة التي أعقبت وفاة السلطان مولاي إسماعيل، كما ارتبط اسمها بتكوين السلطان محمد بن عبد الله.

لا يعني استحضار هذه النماذج أن المغرب عرف عبر تاريخه مساواة سياسية بين الرجال والنساء بالمعنى الذي نفهمه اليوم، كما لا يصح إسقاط مفاهيم الدولة الحديثة على مجتمعات كانت لها مؤسسات وقواعد مختلفة. لكنه يعني شيئًا أبسط وأكثر أهمية: أن المرأة كانت جزءًا من التاريخ السياسي المغربي، وأن اختزال هذا التاريخ في الرجال وحدهم يجعل الرواية ناقصة.

ومن هنا تأتي دلالة تعيين فاطمة الزهراء المنصوري. فالجديد في الحدث ليس دخول المرأة المغربية إلى المجال السياسي، وإنما وصولها، لأول مرة، إلى رئاسة الحكومة داخل الدولة الدستورية الحديثة. هنا تنتقل المشاركة النسائية من صور تاريخية مختلفة لممارسة النفوذ والتأثير إلى مسؤولية دستورية واضحة داخل مؤسسات الدولة الحديثة.

وهذا التحول لا يمثل قطيعة مع الماضي، بل يعكس تطور الدولة المغربية وتطور أشكال المشاركة السياسية فيها. فالمرأة المغربية التي كانت حاضرة في مراحل مختلفة من تاريخ الدولة أصبحت اليوم جزءًا من بنية القرار السياسي وفق قواعد دستورية ومؤسساتية حديثة.

ولعل الحدث يفرض علينا أيضًا مراجعة الطريقة التي نكتب بها تاريخ المغرب. فقد غلب على الرواية السياسية التقليدية التركيز على الرجال، بينما ظلت أدوار النساء أقل حضورًا في الذاكرة العامة. والحاجة اليوم ليست إلى صناعة بطولات نسائية بأثر رجعي، وإنما إلى استعادة الوقائع التي أغفلتها القراءة التقليدية، ووضعها في سياقاتها التاريخية الصحيحة.

إن قراءة التاريخ بصيغة المؤنث لا تعني تغيير التاريخ، وإنما تعني أن نراه كاملًا.

وتعيين امرأة على رأس الحكومة المغربية يضيف بالتأكيد صفحة جديدة إلى تاريخ الدولة الحديثة، لكنه يذكّرنا في الوقت نفسه بأن المرأة لم تكن غائبة عن تاريخ المغرب، وإنما كانت، في مراحل مختلفة، جزءًا من صناعته.

لهذا، فإن المغرب الذي يعرف اليوم أول رئيسة لحكومته، هو نفسه المغرب الذي يحتاج إلى أن يقرأ تاريخه كاملًا: بصيغة المذكر وصيغة المؤنث.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • د. حسن بويزدوزان
    الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 19:49

    قرأت مقال الدكتور بوصوف حفظه الله عن تعيين السيدة فاطمة الزهراء المنصوري رئيسةً للحكومة، ووجدت فيه دعوة وجيهة إلى إعادة الاعتبار لحضور المرأة في تاريخ المغرب.

    والنماذج التي ذكرها ارتبطت ببيت الحكم في عصرها: فكنزة الأوربية زوجة المولى إدريس الأول وأم إدريس الثاني، وزينب النفزاوية زوجة الأمير يوسف بن تاشفين ومستشارته، والسيدة الحرة التي حكمت تطوان بعد زوجها المنظري ثم تزوجها السلطان الوطاسي أحمد، وخناثة بنت بكار زوجة المولى إسماعيل وجدة السلطان سيدي محمد بن عبد الله. أما اليوم فقد انفتح أمام المرأة طريق المؤسسات، إذ جاءت السيدة المنصوري من حزب تصدّر الاقتراع، وعُيّنت وفق الفصل 47 من الدستور.

    وهذا التحول ثمرة للمسار الذي قاده جلالة الملك محمد السادس نصره الله، من مدونة الأسرة إلى دستور 2011، ونقطة تُحسب لجلالته في ترسيخ مكانة المرأة داخل مؤسسات الدولة.

    وكنت أتمنى لو اتسعت القراءة لتشمل نساء العلم والنضال الوطني، كفاطمة الفهرية مؤسسة القرويين، ومليكة الفاسي الموقّعة على وثيقة الاستقلال.
    أما رئيسة الحكومة، فأفضل ما نقدمه لها أن نحكم على ما ستنجزه، لا على كونها امرأة.

  • amaghrabi
    الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 20:14

    شكرا للسيد عبدالله بوصوف وشكرا لاستاذ المعلق الاول الذي أضاف لمسة ايجابية للمقال وبالتالي فالمرأة المغربية تركت بصمة مشرقة في تاريخ المغرب القديم والجديد حتى اصبحت اليوم البنت المغربية كما اشارت الاحصائيات المغربية في ميدان النعليم والتي تقول ان 57 في المائة من النجاح في ميدان التربية والتعليم هو العنصر النسوي اليوم بمعنى أصبحت المرأة المغربية تتفوق تربويا وعلميا على العنصر الذكري وبالتالي ألا يحق لها وعن جدارة واستحقاق أن تحصل على المراكز العليا في جميع الاسلاك السياسية والتربوية والعلمية ووو في وطننا الذي أصبح اليوم والحمد لله يقارع الامم الكبرى فهنيئا لهذه السيدة المحترمة التي فتحت باب هذه الوزارة السيادية لاول مرة وشكرا لجلالة الملك حفظه الله الذي يتجاوب مع المستجدات بدون اي حسابات اجتماعية او سياسية

صوت وصورة
أجواء فرح بمراكش عقب تعيين المنصوري
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 20:25

أجواء فرح بمراكش عقب تعيين المنصوري

صوت وصورة
مباشر | أول امرأة رئيسة للحكومة بالمغرب
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 19:00 14

مباشر | أول امرأة رئيسة للحكومة بالمغرب

صوت وصورة
المنصوري تصل إلى مقر ''البام''
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 17:30

المنصوري تصل إلى مقر ''البام''

صوت وصورة
الملك يعين المنصوري رئيسة للحكومة
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 16:55 10

الملك يعين المنصوري رئيسة للحكومة

صوت وصورة
محطة عشوائية في حديقة بسلا
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 11:28 11

محطة عشوائية في حديقة بسلا

صوت وصورة
انطلاق أشغال ملعب تيسيما
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 23:12

انطلاق أشغال ملعب تيسيما