المغرب وكرة القدم

المغرب وكرة القدم
الثلاثاء 20 يناير 2026 - 15:00

من القوة الناعمة إلى الديبلوماسية الثقافية

مما لا شك فيه، أن كرة القدم لم تعد مجرد لعبة للتسلية والمتعة والتنافس الشريف، بل أضحت خلال العقدين الأخيرين خطابا رمزيا وإيحائيا يحبل بالكثير من المعاني والدلالات. لقد تحوَّلت إلى قوة ناعمة أعاد عبرها المجتمع المغربي تقديم نفسه للعالم، والتعريف بثقافته وهويته وتاريخه الضارب في القدم. فالكرة، هنا، لم تعد مجرد لعبة محصورة في فضاء الملعب، بل تجاوزت ذلك “لتحتل” الفضاء العمومي، ولتستحيل بؤرة ثقافية وتواصلية وحضارية تؤدي وظيفتها ورسالتها بنجاح.

في إطارها الكلاسيكي العادي، تمارَس هذه اللعبة كرياضة تنافسية تحتمل الربح أو الخسارة، إلا أنها في السِّياق المغربي الحديث، كشفت عن وجه آخر تجاوز مسألة المتعة والتسلية، إلى فلسفة المعنى، والدِّلالات الديناميكية المنفتحة على التأويل. نستحضر في هذا الصدد جُمْلَةً من المباريات الكبرى التي خاضها المنتخب الوطني، خصوصا في المحافل الدولية، التي تحوَّلت إلى لحظات حُبلى بالحكايات، تروي تاريخ بلد، وتكشف عن عناصر متعددة من ثقافته وهويته وحضارته، لقد تجاوزت كونها مجرد لقاءات رياضية إلى احتفاء بالمعنى، وإعادة ترتيب لصورة المغرب والمغربي في المخيال العالمي.

ضمن هذا الإطار، تشتغل القوة الناعمة، بوصفها قوة تقوم على الجذب الهادئ، والإغراء الإيجابي، ومخاطبة اللَّاوعي، بعيدا عن منطق القوة الكلاسيكي، وبعيدا عن الإكراه والإجبار، إنها تبتعد عن الخطاب الرسمي، وتتخذ من التأثير الجَوَّاني، ومخاطبة الوجدان عَبْرَ الصُّورة، والترميز واقتناص الفرح ركائزها.

لقد أصبح المنتخب الوطني، صفحة جماعية مفتوحة يَخُطُّ فيها المغاربة أحلامهم وآمالهم، بل ويبدعون في توقُّع تشكيلة الفريق، ويُسهمون عبر التشجيع وثقافة الاحتفال، في بث الروح الجماعية لدى اللاعبين، وحثهم على الانضباط التكيتيكي. إننا أمام مشهد تجاوز سياقه الزمني والمكاني ليتحول إلى احتفاء بقيم خلَّاقة تنهل عوالمها من الأخلاق الحميدة والقيم النبيلة، كما تنتصر لثيمات عدة منها الصبر والتضامن والعمل الصادق والانتماء.

إن حضور العائلة في الملعب، خاصة الأم برمزيتها وقيمتها المعنوية والثقافية، ومظاهر الاحتفال بالنشيد الوطني وبعَلَمِنا المغربي، ليست أمورا عفوية، يمكن أن نمرَّ عليها مرور الكرام، بل هي بُنًى ذات دِلالات رمزية عميقة، أعادت للوطنية معانيها الخالدة، وتجاوزت الخطاب الإيديولوجي الجامد، وأضحت نموذجا لعاطفة جامعة تُوَحِّد الشعب وتعزز انتماءه لأرضه وهويته وتاريخه التليد.

لقد شكلت التجربة الكروية المغربية نموذجا لقدرة هذه اللعبة على صياغة الهوية الوطنية باعتبارها هوية ثرَّة، متنوعة، ومتعددة الروافد. إن تنوع الخلفيات الثقافية للاعبين، وتجاربهم الاحترافية خارج الحدود، يعني تلاقحا ثقافيا يعكس المغرب في أبعاده الهوياتية المنفتحة التي تمتح من مساحات التعدد والانتماء الإنساني النابض بالحياة. هذه الصورة الهوياتية المرنة، تعني بالنسبة لبلدنا إرثا رمزيا وجب صونه، وتسويقه في أحسن صورة، خاصة بين الشعوب المتحضرة في العالم، والتي تؤمن بأن كرة القدم جسر ثقافي يرسخ الرَّوابط بين الشعوب ويُرسي ركائز التواصل والتسامح والأمن والسلام بينها.

ونشير إلى أن سَبْرَ عوالم القوة الناعمة، لا يكتمل إلا بالحديث عن الجماهير المغربية، ودورها كفاعل “ناعم”، إِنْ داخل مُدرَّجات الملاعب أو على المنصَّات الرقمية، فالمشجع المغربي تجاوز دور المتلقي السلبي غير المنتج، إلى فاعل رمزي يعيد إنتاج الخطاب عبر الصورة والأهازيج والهتافات والأشعار. إنه ينفتح في كل ذلك، على قضايا المجتمع وانتظاراته، فيتحول إلى ناقل لصورة وطنه خارجيا.

نستحضر في هذا الصدد ظاهرة “الألتراس” التي أضحت نموذجا لتفاعل كرة القدم مع نبض الشعوب، إذ تتحول “التيفوهات” والأغاني إلى رسائل رمزية تسافر إلى كل مكان، ويصل صوتها إلى كل المجتمعات التوَّاقة للانعتاق والتحرر.

نفهم في هذا السياق، المغزى من الاستثمار المغربي المتزايد في البنيات التحتية الرياضية، واستضافة التظاهرات العالمية، فتعزيز الحضور المغربي عالميا، يتحقق أيضا عبر الديبلوماسية الرياضية، التي لا يمكن أن نفصلها عن الديبلوماسية الثقافية. إن الغاية جعل كرة القدم مُنطلقا للتعبير عن صورة إيجابية، تُعَدِّل صورة المغربي لدى الآخرين، وتجعلهم يفهمون بأننا شعب عريق، صانع للحضارة ومُسْهِمٌ في تشكيل صورتها الكونية التي تتجاوز الانغلاق والعصبية والقَبَلِيَّة والتمييز العرقي. والواضح أن أثر هذه الديبلوماسية الناعمة لا يقاس بعدد التظاهرات المنظمة فحسب، بل بقدرتها على الجذب، وتحويل الانتصارات الرياضية إلى رأسمال رمزي، يمكن استثماره في المجال السياسي والثقافي.

تأسيسا على ما سبق، نؤكد أن التجربة المغربية أثبتت أن كرة القدم ليست مجرد لعبة أو فرجة جماعية تحضر فيها الأهازيج والاحتفالات والهتافات، بل إنها عالم مُتَجَدِّد، يبحث عن القواسم المشتركة بين الشعوب المتحضرة، كما يحتفي بالإنسان، بعيدا عن اللون والعرق والانتماءات الضيقة التي من شأنها أن تُقَزِّمَ الإنسان وتُذَكِّرَهُ بعصور الظلام التي عاشها في مراحل معينة. لقد استطاع بلدنا تقديم صورة إيجابية عن القارة الإفريقية، التي يظن العالم أنها ما تزال على هامش التاريخ والحضارة، كما تمكن أيضا من إعادة رسم موقع المغرب في خريطة العالم، فَعَبْرَ المستطيل الأخضر تمَكَّنا من سرد هويتنا العريقة، وأعدنا الاعتبار إلى ذاتنا الوطنية، لتعزز وجودها ضمن الدبلوماسيات الثقافية الشامخة، والإعلام العالمي.

هكذا تصبح كرة القدم في المغرب، بنية دالة، تُبْرِزُ أهمية تحويل الثقافة الشعبية إلى قوة ناعمة، تُؤثر وتُقْنِع وتصنع الأمجاد، في عالم لا يؤمن بالفائضين عن اللزوم، وبِسُرَّاقِ التاريخ والحضارة. إنها أكثر من مجرد لعبة، بل هي مدى، بِقَدْرِ ما يرتكز على الترميز، بِقَدْرِ ما يؤمن بالمصالح وبحتمية الدفاع عنها حتى آخر رمق.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • مهدي
    الخميس 22 يناير 2026 - 15:34

    احترامي لك أستاذي لازلت توصي على فكرة للانعتاق والتحرر إلا آخر رمق

  • مواطنة
    الأحد 25 يناير 2026 - 18:10

    الكاتب يعبر عن فخر بانتمائه لهذا الوطن الغالي وبطبيعة الحال نشاركه كلنا هذا الفخر. كرة القدم فيها خسارة وفيها ربح وبقدر ماتم الاهتمام بها نتمنى من المسؤولين الاهتمام بمجالات أخرى لتنمو بلادنا وتنافس البلدان المتقدمة. نحن بلد لانريد مقارنته بأحد ولكن نريد أن نراه في مصاف الدول الكبرى.

صوت وصورة
مغاربة يؤدون واجب التصويت
الأربعاء 23 شتنبر 2026 - 10:14

مغاربة يؤدون واجب التصويت

صوت وصورة
تصويت زعماء الأحزاب السياسية
الأربعاء 23 شتنبر 2026 - 10:07

تصويت زعماء الأحزاب السياسية

صوت وصورة
افتتاح مكاتب التصويت بمراكش
الأربعاء 23 شتنبر 2026 - 09:08

افتتاح مكاتب التصويت بمراكش

صوت وصورة
حفل اليوم السعودي بالرباط
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 23:58

حفل اليوم السعودي بالرباط

صوت وصورة
"فلامات" الاتحاد الدستوري
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 22:41

"فلامات" الاتحاد الدستوري

صوت وصورة
بنعتيق في "دوار الكورة"
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 20:58

بنعتيق في "دوار الكورة"