"أوراق من ساحة المقاومة المغربية" .. الجبلي يستعيد ذكريات الحركة الوطنية

"أوراق من ساحة المقاومة المغربية" .. الجبلي يستعيد ذكريات الحركة الوطنية
صورة: أرشيف
الخميس 28 أكتوبر 2021 - 04:00

صدرت للمقاوم والوطني المغربي الكبير مولاي عبد السلام الجبلي، خلال الأيام القليلة الماضية، الطبعة الثانية من كتابه الموسوم “أوراق من ساحة المقاومة المغربية”، من القطع الكبير في 272 صفحة، عن المطبعة والوراقة الوطنية بمراكش.

وبالموازاة مع ذلك، رأت النور للمقاوم نفسه، في الفترة ذاتها وعن دار النشر ذاتها، الترجمة الفرنسية لهذا الكتاب، في طبعتها الأولى، تحت عنوان: “مذكرات مولاي عبد السلام الجبلي، حياة مكرسة لاستقلال المغرب”، في 280 صفحة، والتي ترجمها محمد خماسي، وقام بمراجعتها الباحث والمترجم خالد المعزوزي.

هندسة الكتاب

تضمن هذا المؤلف، إضافة إلى إهداء إلى روح الفقيد الوطني ورجل الدولة عبد الله إبراهيم وإلى أرواح الشهداء الذين ضحوا في سبيل الاستقلال والكرامة والعدالة الاجتماعية بالمغرب، مجمل ما كتب وقيل عنه في الصحافة، وبمناسبة تقديمه للقراء، وكذا ثلاثة أبواب تعالج مواضيع وقضايا وطنية وسياسية محورية في مغرب ما قبل وما بعد الاستقلال؛ بدءا بالحركة الوطنية بين مراكش وباقي ربوع المغرب، ومرورا بالتكامل بين تجربة المقاومة في مراكش والبيضاء، وانتهاء بتتبع المشهد السياسي في المغرب. كما يحتوي هذا الكتاب بين دفتيه مداخلة الباحث والأستاذ الجامعي محمد معروف الدفالي، التي سبق أن ألقاها، خلال ندوة، في الموضوع، منظمة بمؤسسة محمد الزرقطوني بالدار البيضاء سنة 2015، علاوة على تعريف بمؤسسة مولاي عبد السلام الجبلي بتامصلوحت، غير بعيد عن مراكش، التي لها أهداف تربوية وثقافية وعلمية.

حياة منذورة للمقاومة

ولد المقاوم مولاي عبد السلام الجبلي، واسمه الحقيقي هو مولاي عبد السلام الإدريسي الجميلي، يوم 02 مارس 1929 بدرب سيدي أحمد السوسي بحي سيدي بن سليمان الجزولي، أحد أولياء مراكش السبعة، صاحب مؤلف “دلائل الخيرات”، والذي كان أتباعه من المجاهدين الذين ساهموا في تحرير الثغور المغربية من نير الاستعمار البرتغالي.

حفظ المقاوم الجبلي القرآن الكريم في الكتاب، وعمره لم يناهز الثامنة؛ ما جعله يتميز بحافظة قوية تمكنه من التقاط الأشياء بمجرد سماعها. عقب ذلك، انتقلت أسرته إلى السكن في دار خال والده الفقيه الجبلي، الكائن بدرب سيدي أحمد بناصر بقاعة ابن ناهيض، والذي قطنه، في فترة من الزمن، خلال حكم الدولة المرينية، العالم الرياضي ابن البناء المراكشي؛ ما جعله يتكنى باسم هذه الدار، ذات الرمزية والحمولة التاريخية الكبيرة، والتي تعلم في الكتاب المجاور لها قواعد اللغة العربية.

ونظرا لأن هذا المنزل كبير وفسيح، كان أبوه ينظم فيه اجتماعات أقطاب المقاومة والحركة الوطنية بالحضرة المراكشية، من أمثال عبد الله إبراهيم وعبد القادر حسن، إضافة إلى امحمد الملاخ. كما درس المقاوم الجبلي بجامعة ابن يوسف بمراكش، ومارس العمل السياسي، إضافة إلى أنه يعد من رموز مقاومة الحماية الفرنسية بالمغرب، ما عرضه للاعتقال، مرات عديدة، بسجون بولمهارز بالمدينة الحمراء، وورزازات وتازناخت، واغبيلة بالدار البيضاء، علاوة على السجن المركزي بالقنيطرة.

قيمة تاريخية كبيرة

لهذا الكتاب راهنية وأهمية كبيرتان لكونه يعتبر إضافة نوعية، في مجال الكتابات التاريخية حول المقاومة المغربية والحركة الوطنية، ولأنه يعالج موضوعا، رغم مرور ما يزيد عن نصف قرن على مجريات أحداثه، لا يزال يستأثر باهتمام الباحثين والمهتمين، وما زالت تسوده الكثير من أماكن الظل التي تحتاج للاستجلاء. فمن خلال أسلوب سردي مشوق، يستعيد المؤلف، بسلاسة وانسيابية، بعض المحطات المفصلية في سيرورة المد التحرري المغربي، إبان الحماية الفرنسية بالمغرب، خصوصا بمدينة مراكش. كما يحكي عن مجموعة من الوجوه البارزة في مشهد النضال والمقاومة، الذين استرخصوا الغالي والنفيس، من أجل استقلال المغرب، من أمثال: عبد الله إبراهيم وعبد الرحمان اليوسفي، ومحمد الزرقطوني وحمان الفطواكي، ومحمد البقال والفقيه البصري، ورحال المسكيني، إضافة إلى عبد القادر حسن.

وجاء هذا المتن السردي، الذي يحتفي بوهج بطولات المقاومة والحركة الوطنية المغربية، والذي تفوح من بين ثنايا سطوره رائحة الدم والنار، غنيا بالشهادات والوثائق الإيقونوغرافية التي توثق لمحطات بارزة عديدة في المسلسل التحرري للوطن أو الحياة الشخصية لصاحب هذا الكتاب.

وبخصوص هذا المصنف، يؤكد المفكر والروائي حسن أوريد “أن هذا الكتاب ليس فقط سيرة ذاتية، بل هو تأريخ لفترة حاسمة من تاريخ المغرب”، مضيفا أن هذا “الكتاب، الذي يتضمن معلومات لم يسبق نشرها، صدر في ظرفية خاصة تنامى فيها الاهتمام بتاريخ المغرب وربط الصلة بالماضي”، مبرزا “أن الكتاب، الذي يصب في خانة الوفاء للمقاومين المخلصين، يحكي عما عايشه مؤلفه خلال مرحلة المقاومة وما بعدها ويقدم شهادة عن الملابسات التي عرفتها الحركة الوطنية والتي كان شاهدا عليها”.

ومن جهته، يقول الصحفي إسماعيل بلا وعلي: “لرواية الجبلي قيمتها الخاصة، فهو كان دوما في الصفوف الأولى، حريصا على الدقة والتنظيم المحكم للمبادرات المقاومة والسياسية، جريئا في الإعراض عن رفاقه والاختلاف معهم حين يظهر له أن ما هم عليه لا يوافق تحليله الخاص للظروف والسياقات”.

مذكرات بين الأصل والظل

تعتبر ترجمة مذكرات المقاوم الجبلي إلى اللغة الفرنسية حدثا بارزا، في حد ذاته، لأنها ستمكن القارئ الفرنكوفوني من الاطلاع على جانب خفي ومهم من تاريخ المقاومة والحركة الوطنية المغربية الباسلة. كما ستتيح له الفرصة لمعرفة مجموعة من التفاصيل والقضايا المثيرة وغير المسبوقة، المتعلقة بهذه الفترة الدقيقة والحاسمة من تاريخ المغرب المعاصر، عبر ترجمة ماتعة للمترجم محمد خماسي، ومراجعة دقيقة للباحث والمترجم خالد المعزوزي.

وقد جاءت هذه الترجمة وفية للنص الأصلي، مغايرة له من حيث العنوان الذي تحول من “أوراق من ساحة المقاومة المغربية” إلى “مذكرات مولاي عبد السلام الجبلي، حياة مكرسة لاستقلال المغرب”. وهذا الوسم البليغ، واللصيق بالموضوع، الذي يبحر بنا في عوالم ذكريات بطولية، ومسجلة بمداد من فخر، من شأنه أن يجعل هذا الكتاب أكثر مقروئية في أوساط القراء الفرنكوفونيين.

ومن جانب آخر، لقد اختلفت الترجمة عن متنها الأصلي، من حيث الرصيد الإيقونوغرافي، عبر عملية الحذف والإضافة لبعض الصور، حسب السياق والضرورات التوضيحية للنص المترجم، وكذا من حيث المحتوى، إذ غابت عنه المداخلة التقديمية للكتاب المنجزة، من طرف الباحث والأستاذ الجامعي محمد معروف الدفالي، والورقة التعريفية بمؤسسة مولاي عبد السلام الجبلي ذات الأبعاد التربوية والثقافية والعلمية.

على سبيل الختم

أعطى المقاوم الشريف الجبلي، رفقة زملائه في درب الكفاح والحركة الوطنية المغربية، الكثير للوطن، من أجل أن يكون حرا وأن يعيش أبناؤه في كرامة وسعادة واطمئنان. وكانت ضريبة ذلك أن بعض المقاومين قد استشهدوا، وأن البعض الآخر قد عاش جزءا من حياته مفتوحا على جميع الاحتمالات، موشوما بالمعاناة وعدم الاستقرار، وموزعا بين السجون والمنافي. وقد دون هذا الوطني الكبير هذا العطاء الاستثنائي، والتضحيات الجليلة في هذا الكتاب الذي نعرف به، وضمن مؤلفين آخرين، من هذا الصنف، هما: “المقاومة، وتستمر الحكاية”، إعداد الباحث والكاتب أسامة الزكاري، و”يوميات العمل الوطني والمسلح في المغرب”، حوار وإعداد الباحث والمحامي عبد الله العلوي.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

13
  • Haj smimou
    الخميس 28 أكتوبر 2021 - 06:44

    رحم الله هؤلاء الناس. وطنيون حقا. أين نحن من هؤلاء. والمثل يقول النار تترك الرماد. ما بقي الا الرماد يا سادة. فلا تنتظروا الشيء الكثير او القليل من أصحاب الوقت. فهمهم جمع وتكنيز المال. المصلحة العامة اخر هواجسهم. لك الله يا وطني.

  • محمد ابن الحوز
    الخميس 28 أكتوبر 2021 - 10:30

    هرم كبير من زمن المقاومة المغربية ، ابلى البلاء الحسن من اجل استقلال المغرب ، جزاه الله عن ذلك خير الجزاء

  • عادل يحياوي
    الخميس 28 أكتوبر 2021 - 10:43

    مذكرات تستحق القراءة لانها تستعيد صفحات مشرقة من تاريخ المقاومة الوطنية ، حفظ الله المقاوم الجبلي واطال الله في عمره .

  • ملاحظ بسيط
    الخميس 28 أكتوبر 2021 - 11:16

    المذكرات جزء من أحداث تاريخية عاشها أصحابها و تلعب دور مهما في تشكيل ذاكرة جماعية من خلال ثوتيق شهاداتهم حتى يتسنى للمؤرخين معرفة الأحداث في سياقها . لماذا السياسيين في الدول الغربية عند انسحابهم من العمل السياسي يشتغلون على كتاب مذكراتهم ونحن عندنا الا النذر القلبل تذهب معهم أسرارهم إلى المقابر . وتبقى مرحلتهم التاريخية عرضة المضاربة الفكرية.

  • حورية
    الخميس 28 أكتوبر 2021 - 13:18

    مراكش مدينة الأنوار والامجاد ،مدينة الأولياء الصالحين والمقاومين الأفذاذ دائما لها مساهمات كبيرة ومشرفة في تاريخ المغرب

  • Un homme du sud
    الخميس 28 أكتوبر 2021 - 14:03

    Le combattant et nationaliste Jebli est l’une des figures de proue de la résistance marocaine, pendant le protectorat français, il mérite qu’on lui accorde la place qui lui revient .

  • حتى لا ننسى
    الخميس 28 أكتوبر 2021 - 15:08

    حفظا للذاكرة الجماعية من الضياع ، وحتى لا ننسى يجب على وسائل الإعلام أن تنفتح على مثل هذه الشخصيات المهمة في الوطن لتوثيق المحطات البارزة في حياتها ، كما ينبغي للمؤسسات التعليمية أن تستضيف هذه الشخصيات لتربية التلاميذ على الوطنية والتضحية من أجل المصالح العليا للبلاد

  • مهتم بالتاريخ
    الخميس 28 أكتوبر 2021 - 16:21

    لولا هذا المقاوم الكبير و امثاله البررة لما نعمنا بالاستقلال وخيراته . لذا ، ينبغي تكريم رجالات المقاومة ، الأحياء منهم والاموات ، من خلال تدريس سيرهم البطولية واطلاق أسمائهم على مرافق ومعالم حيوية بالبلاد

  • Un marocain du Canada
    الخميس 28 أكتوبر 2021 - 16:34

    Un résistant de grande stature de la ville ocre qui nous restitue une partie méconnue ou oubliée de la résistance et du mouvement national marocains .

  • أسد الأطلس
    الخميس 28 أكتوبر 2021 - 17:04

    المقاوم الجبلي شامخ مثل جبال الأطلس ، بصم تاريخ المقاومة المغربية ببصمة خاصة ، له منا كل الشكر والعرفان

  • حامل الهموم
    الخميس 28 أكتوبر 2021 - 21:21

    لماذ الدولة لا تنشر هاد يه الثقافة بالمجان وخصوصا في القنوات الفضائية الله يرحم الشهداء الذين ظحاو من أجل هاد الوطن

  • من أجل تعميم تاريخ المقاومة
    الخميس 28 أكتوبر 2021 - 21:42

    المرجو تبسيط وتعميم تاريخ المقاومة المغربية حتى يصبح في متناول الجميع ، فمن لا يعرف ماضيه وامجاده لا يستطيع أن يكون في مستوى تحديات و رهانات العصر .

  • وطني غيور
    الجمعة 29 أكتوبر 2021 - 15:59

    المقاومون والوطنيون الصادقون يحتاجون لمن يلتفت إليهم بعد أن ضحوا بالغالي والنفيس ، من اجل أن يعيش الوطن مستقلا ، وخصوصا و ان اغلبهم يعيش خريف العمر…

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 2

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30 7

اللغات المغربية في الأدب والإعلام