"المنبر الأخضر والكوكب الأزرق"

"المنبر الأخضر والكوكب الأزرق"
الجمعة 29 أكتوبر 2021 - 16:47

تعتبر التغيرات المناخية وجائحة كورونا أخطر أزمتين على الإطلاق على الأرض والإنسان في عصرنا الحاضر، ولذلك كان من الطبيعي أن تستأثرا بالاهتمام الدولي أكثر من غيرهما خلال اجتماعات الدورة 76 للجمعية العامة للأمم المتحدة التي عقدت في نيويورك خلال شهر شتنبر المنصرم، فقد تصدرتا النقاش العام أمام باقي القضايا الأخرى المطروحة على جدول الأعمال، والمتعلقة بالسلام والأمن الجماعي، والتنمية، وتعزيز حقوق الإنسان، ونزع السلاح وغيرها. فإلى أي حد استجابت خطابات وفود الدول الأعضاء للتطلعات في ما يتعلق بجهود الاستجابة للأزمتين المذكورتين، وهل تنجح التعهدات التي أطلقت من على المنبر الأخضر الشهير للجمعية العامة في حماية البشرية وإنقاذ الكوكب الأزرق؟

من خلال الاطلاع على كلمات وفود الدول الأعضاء، يتضح أنها تدق ناقوس الخطر حول ما ينتظر كوكب الأرض من تحديات خطيرة جراء ارتفاع درجة الحرارة، ولما يحدق بالبشرية من مخاطر كبيرة بسبب جوائح محتملة تشبه أو قد تفوق في حدتها جائحة كورونا، ذلك أن كلتا الظاهرتين تهددان البشرية في وجودها واستقراراها، صحة واقتصادا وبيئة وتنمية، وقد جعلتا العالم يعيش على وقع تحولات غير مسبوقة، وإذا أضيفت إليهما الثورة الرقمية غير المسبوقة وما نتج عنها من تغيرات عميقة، فيمكن القول إن العالم مقبل لا محالة على نمط جديد لنظام دولي ستظهر معالمه الحقيقية في غضون السنوات المقبلة.

وفي كلمته الرئيسية في مستهل أعمال الجمعية العامة، قام الأمين العام للأمم المتحدة بتشخيص دقيق للوضع في العالم في ما يمكن وصفه بأنه صرخة من أجل الإنقاذ قبل فوات الأوان، حيث قال: “إنني هنا لأدق ناقوس الخطر.. يجب أن يفيق العالم من غفوته.. نحن نقف على شفا حافة الهاوية.. إننا نتحرك في الاتجاه الخاطئ.. نحن نواجه أخطر سلسلة من الكوارث في حياتنا.. حّلت بنا جائحة كوفيد-19 فتضخمت التفاوتات الصارخة.. وأما تغير المناخ، فيكيل لكوكبنا الضربة تلو الأخرى”.

وعلى الرغم من بارقة الأمل التي أوجدها اكتشاف لقاحات كورونا إلا أن القضاء على الجائحة عالميا لا يزال حلما بعيد المنال، وذلك راجع حسب الخبراء إلى غياب التضامن بين الدول في هذا الشأن وإلى انعدام الثقة والإرادة السياسية، الأمر الذي يسهم في إطالة أمد الجائحة، وبدلا من التضامن والتعاون بين الدول يسود الاعتقاد بأن هناك نزعة نحو تنافس محموم بين القوى العظمى، ونحو تسييس الجائحة ووسائل مكافحتها، والنتيجة هي أن عداد الضحايا لا يزال يحصي أعداد الإصابات والوفيات حول العالم.

كما باتت مناطق مختلفة من العالم تعاني من الكوارث الطبيعية الناجمة عن التغيرات المناخية، من فيضانات وجفاف وحرائق وأعاصير وغيرها، إذ تشير تقارير دولية إلى أن عدد الكوارث الطبيعية المرتبطة بالتغير المناخي زاد خمسة أضعاف منذ الستينات، ووفقا لتقارير الأمم المتحدة فإن فشل الدول في خفض الانبعاثات الغازية يضع العالم في مسار كارثي يؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة الأرض بنسبة 2.7 درجة مئوية، في حين أن السقف الذي وضعته اتفاقية باريس للمناخ (2015) للحد من الاحتباس الحراري هو 1.5 درجة مئوية، وهذا معناه حسب المراقبين أن الحياة على كوكب الأرض ستصبح أكثر صعوبة نتيجة زيادة الكوارث الطبيعية التي ستكلف العالم مليارات الدولارات (على سبيل المثال شهدت الولايات المتحدة خلال العام الجاري 18 كارثة مناخية كلفت كل واحدة منها مليار دولار على الأقل، وفقا لتقرير صادر عن صحيفة واشنطن بوست)، ومن شأنها كذلك أن تقذف بالملايين من الناس إلى براثن البطالة والفقر والجوع والهلاك (وفقا لتقارير منظمة الأغذية والزراعة “الفاو” فإن نحو 811 مليون شخص يعانون من الجوع حول العالم، كما أن تقارير منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن تغير المناخ يتسبب في وفاة 150 ألف شخص كل عام وأن هذا العدد مرشح للارتفاع إلى 250 ألفا بين عامي 2030-2050).

وفي سبيل إيجاد الحلول الممكنة لهاتين المشكلتين العالميتين، تم التأكيد خلال جلسات الجمعية العامة في دورتها الأخيرة على ضرورة عمل الدول معا لمكافحة الجائحة وظاهرة التغير المناخي وتداعياتهما متعددة الأبعاد. وقد كانت تعهدات الدول كبيرة حيث أكد معظمها على التزامها بالعمل على مواجهة الجائحة، وعلى تحقيق الحياد الكربوني بحلول منتصف القرن الحالي، وأعلنت رصد اعتمادات مالية مهمة، كما أبانت عن استعدادها لتقديم الدعم والمساعدة اللازمة في هذا الخصوص للدول النامية. وللإشارة فإن مجموعة الدول العشرين مسؤولة عن 75% من الانبعاثات العالمية وفقا لتقارير دولية.

وخلال الجمعية العامة الأخيرة تعهدت الولايات المتحدة بمضاعفة التزاماتها المالية للمساعدة في مكافحة التغير المناخي، وبإنفاق 10 مليارات دولار لمكافحة الجوع.

وتعهدت الصين، بالتبرع بمئة مليون جرعة إضافية من لقاحات كورونا للدول النامية خلال العام الجاري، وتقديم 3 مليارات دولار مساعدات إضافية خلال الأعوام الثلاثة المقبلة، كما أعلنت الصين أنها ستعمل على تحقيق حياد الكربون قبل عام 2060، وعلى دعم الدول النامية لتطوير الطاقة الخضراء ومنخفضة الكربون، وأنها لن تقوم بتشييد مشاريع جديدة لطاقة الفحم خارج البلاد.

أما بريطانيا، التي ستستضيف الدورة الـ26 لمؤتمر الأطراف لاتفاقية الأمم المتحدة حول التغيرات المناخية (COP26) بداية شهر نونبر المقبل في مدينة غلاسكو باسكتلندا، فقد أكدت على ضرورة تحمل البشرية كامل مسؤوليتها لما تسببه من دمار وأضرار للكوكب الأزرق، مما ينذر بجعل الأرض غير صالحة للعيش، ولذلك لا بد من تخفيض درجة حرارة الأرض إلى 1.5 درجة مئوية، ولا بد من أن يتحد العالم لتحقيق الحياد الكربوني قبل منتصف القرن الحالي. وفي ما يتعلق بمكافحة جائحة كورونا أكدت على دعمها لجهود منظمة الصحة العالمية وأنها ستسهم في تمويل المنظمة بمبلغ 340 مليون جنيه إسترليني خلال الأعوام الأربعة المقبلة.

ومن جهتها أكدت فرنسا على ضرورة وضع مقاربة شاملة وبراغماتية للاستجابة للتحديات العالمية الكبرى، وعلى مضاعفة الجهود لمكافحة كوفيد-19، وتعهدت بمواصلة العمل بشكل وثيق مع شركائها في إفريقيا خاصة، سواء في ما يتعلق بتوفير اللقاحات أو في ما يخص التعافي الاقتصادي المرتبط بأزمة الجائحة. وعلى مستوى التغيرات المناخية أكدت على ضرورة تحقيق الحياد الكربوني بحلول 2050 قبل فوات الأوان، وتعهدت بتوفير 6 مليارات دولار لمسألة مكافحة التغير المناخي.

وجاء في كلمة روسيا أمام الجمعية العامة أن نطاق التهديدات العابرة للحدود آخذ في الاتساع في كل مكان.. وأنه لا يوجد إجماع بين القوى الرائدة في ما يتعلق بمبادئ النظام العالمي.. ولا يمكن “مواجهة التهديدات والتحديات بفعالية إلا من خلال الجهود المتضافرة، مع الامتثال الصارم لقواعد القانون الدولي المعترف بها عالميا؛ أولا وقبل كل شيء، مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة”.

كما تعهدت دول مانحة أخرى بتقديم دعم مادي للجهود العالمية لمواجهة جائحة كورونا، بما في ذلك دعم برنامج COVAX للقاحات في إطار منظمة الصحة العالمية (مثلا كوريا الجنوبية تعهدت بـ 200 مليون دولار، اليابان ستوفر لهذا البرنامج 60 مليون جرعة لقاح وقدمت مساعدات بقيمة 3.9 مليار دولار في جميع أنحاء العالم، إيطاليا أعلنت أنها ستعمل على مضاعفة مساعداتها في هذا الشأن من 15 إلى 45 مليون جرعة لقاح بنهاية 2021… إلخ). كما أعلنت دول أخرى ولا سيما الغنية عن رؤاها وبرامجها لمكافحة التغير المناخي وأنها رصدت مبالغ مهمة للمساعدة في تمويل الجهود العالمية لمكافحة هذه الظاهرة (على سبيل المثال تعهدت كندا بمضاعفة مساهمة تمويلها في هذا الشأن إلى 5.3 مليار دولار على مدى الخمس سنوات القادمة، أستراليا أعلنت أنها خصصت 1.5 مليار دولار في هذا الشأن ووعدت بمساعدة الدول النامية لا سيما في منطقة الباسيفيك من خلال التمويل والتجارة وبناء القدرات، اليابان تعهدت بتقديم تمويل خاص بالتغير المناخي يصل الى 60 مليار دولار خلال الخمس سنوات القادمة…).

تلك كانت أمثلة لتعهدات بعض الدول الكبرى خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة، تعهدات وصفها أحد الخبراء في مجال البيئة بأنها “أحلام نيويورك التي تصطدم بصخور الواقع حيث أنّ تلك التعهدات كانت خطوة على الطريق الصحيح، لكن التحدّيات ما زالت قائمة، على جبهات البيئة والمناخ، كما السياسة والاقتصاد”، وذلك في إشارة ربما إلى مدى توافر الرغبة الحقيقية والقدرة الفعلية لدى الدول لتنفيذ التزاماتها بشأن تخفيض الانبعاثات إلى الحدود الدنيا المطلوبة دوليا، والوفاء بتعهداتها بتقديم التمويل اللازم للدول النامية لمساعدتها على الاستجابة لجهود مكافحة التغيرات المناخية.

لا شك أن بلدنا المغرب يعد من الدول النامية المشهود لها ببذل جهود هامة وفق مقاربة استباقية للاستجابة لهاتين الأزمتين العالميتين، سواء تعلق الأمر بمكافحة جائحة كورونا وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، ولعل خير مثال على ذلك إنفاقه ملايين الدولارات لتوفير لقاح كورونا مجانا لكافة المواطنين والمقيمين، إضافة إلى تقديم الدعم الممكن للفئات الاجتماعية الهشة الأكثر تضررا من الجائحة، أو في ما يخص التغيرات المناخية من خلال العمل الدؤوب لتحقيق الانتقال الطاقي ويتجلى ذلك في المشاريع الكبرى للطاقات المتجددة وخاصة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، كما تجدر الإشارة إلى استضافة المغرب لمؤتمر الأطراف في دورته 22 COP عام 2016 في مراكش، وهو ما وصف بأنه اعتراف دولي بجهود وإسهامات المملكة في هذا المضمار.

يمكن القول إذن أن المجتمع الدولي واع تماما بخطورة التحديات التي تنطوي عليها أزمتا جائحة كورونا وتغير المناخ، ولعل عودة الولايات المتحدة الأمريكية إلى كل من اتفاقية باريس ومنظمة الصحة العالمية، بعد انسحاب الإدارة السابقة منهما، تعد أمرا أساسيا ودافعا مهما للجهود الدولية في هذا الشأن.

التحدي الأكبر يكمن في وفاء الدول بالتعهدات التي قطعتها على نفسها خلال الاجتماعات متعددة الأطراف ذات الصلة، بما في ذلك اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولئن كانت هذه الجمعية تصدر توصيات غير ملزمة إلا أن دورها يظل مهما على اعتبار أنها تضم أصوات جميع الدول على قدم المساواة، بخلاف مجلس الأمن الذي تحظى فيه الدول الخمسة دائمة العضوية دون غيرها بحق الفيتو، وإذا كان القانون الدولي يوصف بأنه قانون رضائي، أي أن أشخاصه، وتحديدا الدول ذات السيادة، تنفذ من التزاماتها ما ترتضيه فقط وفقا لإرادتها، فإن الدول الصناعية والصاعدة على وجه الخصوص يقع على عاتقها التزام أخلاقي بدرء المفسدة المتمثلة في التلوث والإضرار بالبيئة على جلب المصلحة الكامنة في التنمية والتقدم والازدهار. ويرى محللون أن عودة التنافس بين القوى العظمى وصراعها على النفوذ الاقتصادي يشكل تحديا حقيقيا لفعالية وشمولية مبدأ تعددية الأطراف الذي يعد حجر الزاوية في الجهود الدولية الرامية للتصدي لأي أزمة ذات بعد عالمي من قبيل جائحة كورونا والتغيرات المناخية التي تمثل وفقا للخبراء التهديد الأخطر للحياة على الكوكب الأزرق.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • باسو
    السبت 30 أكتوبر 2021 - 13:01

    في المغرب والعالم الثالث لا يهتم السياسي وحتى الانسان العادي بقصايا البيئة حيث يعتر الحديث عتها ترفا فكريا و نظرا لانعدام ثقافة بيئية والمعلومات الكفيلة بخلق تيار وطني مدافع عن قضايا البيئية لذالك لم يتصمن البرنامج الحكومي اية حلول بيئية والعامة من الناس ما تزال تسرف في هدر الماء وحرق النفايات وتلويث المجال وقطع الاشجار وتدمير الغطاء النباتي كما يظهر في تعامل السلطة مع ازمة الرعي الجائر بغتور ولامبالاة مع العلم ان المغرب يقع ضمن الاماكن المعرصة بشدة للجفاف ولتقلبات المناخ وشح المياه لحد الان لا تتوفر المدن على مجطات تصفية للمياه العادمة مما يمكن من اعادة استعمالها ولا تتوفر المدن على مطارح حديثة و غالبا يتم حرق النفايات ويملاء الدخان سماء المدن ليلا

صوت وصورة
مغربيات وتعيين المنصوري
السبت 3 أكتوبر 2026 - 15:12 2

مغربيات وتعيين المنصوري

صوت وصورة
شوكي: مصلحة الوطن أولا
السبت 3 أكتوبر 2026 - 13:49 6

شوكي: مصلحة الوطن أولا

صوت وصورة
المنصوري: نقاش حاد وخطوط حمراء
السبت 3 أكتوبر 2026 - 13:29 4

المنصوري: نقاش حاد وخطوط حمراء

صوت وصورة
دورة استثنائية للأحرار
السبت 3 أكتوبر 2026 - 12:44 3

دورة استثنائية للأحرار

صوت وصورة
غلاء الخضر مع بداية الخريف
السبت 3 أكتوبر 2026 - 11:54 2

غلاء الخضر مع بداية الخريف

صوت وصورة
غلاء المحروقات يركن السيارات
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 23:03 14

غلاء المحروقات يركن السيارات