المنظمات غير الحكومية... الدور والتاريخ

المنظمات غير الحكومية... الدور والتاريخ
السبت 2 ماي 2015 - 22:08

يتردد مسمى المنظمات الدولية غير الحكومية عالميا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وقيام نظام عالمي جديد وقد استُخدم مصطلح “المنظمات غير الحكومية” للمرة الأولى في أعقاب الحرب العالمية الثانية عندما أطلقته الأمم المتحدة على المنظمات التي ساعدت في الشفاء والتعافي من ويلات الحرب والاسهام في مداواة الملايين من النازحين، والأيتام، والعاطلين عن العمل، بيد أن مفهوم تنظيم العمل الأهلي في قضايا معيّنة يرجع إلى تاريخ أبعد من ذلك بكثير. حيث يشير متخصصون إلى أن أول منظمة غير حكومية كانت المنظمة الدولية لمكافحة العبودية، التي أنشئت عام 1839. وفي الوقت الراهن، تعترف الأمم المتحدة بنحو 40 ألف منظمة غير حكومية عالمية الطابع والأنشطة، مع العلم أن هناك ملايين أخرى من هذه المنظمات ولكنها محلية تعمل داخل دول العالم كافة.ولعل التطور الأبرز في مسيرة هذا الكم الهائل من المنظمات الدولية هو تزايد اعداد المنظمات الممولة من جانب الدول الكبرى، وتحولها إلى أدوات فاعلة لتنفيذ السياسة الخارجية لهذه الدول، ومن ثم توظيفها لخدمة أهداف سياسية، بعد أن كان ظهورها التاريخي مرتبطا بتحقيق أهداف أخرى بعضها ديني والآخر انساني.

وللتعرف على الروابط بين هذه المنظمات والسياسات الخارجية لبعض القوى الكبرى، يمكن الاشارة إلى أن احصاءات التمويل، التي تشير إلى تبوأ الولايات المتحدة الامريكية المرتبة الأولى عالميا كأكبر مانح لهذه المنظمات، كما يلاحظ تركز أنشطة معظم هذه المنظمات في الدول التي تعتبر محط اهتمام السياسات الخارجية للقوى الكبرى، كما يلاحظ أن الكثير من هذه المنظمات تستخدم لأغراض جمع المعلومات عن المجتمعات التي تعمل في نطاقها، وهذا الأمر يعد احد تجليات التحول الحاصل في اداء أجهزة الاستخبارات العالمية، باللجوء إلى جمع البيانات والمعلومات عبر مؤسسات وسيطة، مثل الجمعيات الأهلية والمنظمات غير الحكومية المحلية والدولية، وتحت لافتات براقة مثل استطلاعات الرأي والبحث العلمي وغير ذلك، بدلا من أن تقوم هذه الأجهزة بجمع المعلومات بشكل مباشر كما كانت تفعل في الماضي، والتخلص من اتهامات التخابر وغير ذلك من اتهامات ظلت لعقود تلحق بأنشطة جمع المعلومات التي بات بالإمكان الحصول على أغلبها من خلال هذه الأدوار الوسيطة ومن دون الحاجة إلى تدخلات امنية استخباراتية.

هذا الكلام لا يعني اتهاما لجميع المنظمات غير الحكومية او مؤسسات المجتمع المدني بالعمالة أو بالخضوع لتوظيف سياسي، فهناك بالفعل منظمات تعمل في أغراض انسانية وتطوعية بحتة وتلتزم بأجندة عملها وتطبقها بقدر عال من المهنية والحياد والاستقلالية والاحترافية. فالحقيقة تقتضي القول بأن المنظمات الأهلية ومؤسسات المجتمع المدني، محلية وعالمية الطابع، باتت جزءا لا يتجزأ من ثقافة القرن الحادي والعشرين، لدرجة أنه لم يعد بإمكان أي دولة إغلاق الباب تماما في وجهها، حيث باتت هذه المنظمات احد متلازمات ظاهرة العولمة وتجلياتها على الصعد كافة، خصوصا في مجال العمل الخيري في الدول الغربية، حيث باتت هذه المؤسسات الأهلية قطاعا رئيسيا وركيزة حيوية للاقتصادات المعاصرة، بما توفره من خدمات في مجالات تنموية عدة مثل التعليم والصحة والثقافة والفنون والرعاية الاجتماعية وغير ذلك.

ولاشك أن المنظمات غير الحكومية ذات الطابع الدولي العابر للقارات هي جزء من النظام العالمي الجديد، منذ أن تم تصنيفها وفقا لوثائق الأمم المتحدة الصادرة منتصف تسعينيات القرن العشرين باعتبارها كيانات غير هادفة للربح واعضاؤها مواطنون أو جماعات من المواطنين ينتمون إلى دولة واحدة او أكثر وتحدد الارادة الجماعية لأعضائها طبيعة الأنشطة التي تمارسها هذه الكيانات، ومن ثم فقد اصبحت داعما للقطاعين الحكومي والخاص في منظومات العمل التنموي بالدول المتقدمة. وقد تزايدت اعداد هذه الجمعيات والمنظمات وتكاثرت بشكل هائل ورافق ذلك تنوع واسع في أدوارها ووظائفها وأنشطتها، وانخرطت في مجالات جديدة مثل البيئة والمرأة والطفل وحقوق الانسان ونشر قيم الديمقراطية والمساءلة والحكم الرشيد وغير ذلك من جوانب ذات بعد سياسي، وهذه النوعية من المنظمات هي الأكثر استخداما أو توظيفا في مجالات السياسية الخارجية للدول الكبرى باعتبار تقاريرها الدورية التي تصدرها أدوات ضغط مؤثرة على الدول المستهدفة.

السؤال الذي يساور الكثيرين هو: لماذا يتم توظيف هذه المنظمات وماهي مصلحة القوى الكبرى في الضغط على الدول وتحمل اعباء تمويل هذه المنظمات لتحقيق هذا الغرض؟ وهو سؤال بديهي ويتطلب الرد عليه الالمام بطبيعة النقاش الفلسفي الدائر حول طبيعة النظام العالمي الجديد ذاته، حيث يرى أغلبية المفكرين أن هذا النظام هو نظام يعكس الهيمنة الأمريكية على العالم وفرض النموذج الثقافي الأمريكي على الآخرين، بمعنى أمركة العالم بما في ذلك السياسات ونظم الحكم والادارة والسوق عبر استخدام ادوات هيمنة وسيطرة منها منظمات المجتمع المدني او المنظمات غير الحكومية عالمية الطابع. فالعولمة بالأساس كظاهرة اجتماعية عابر للجغرافيا هي نتاج أمريكي بامتياز، وهي رمز لقوة النموذج الامريكي، رغم ان هناك من ينادي ب “أنسنتها” أو يتمسك بتحويلها إلى عملية تبادلية عالمية للمنافع بين الأمم والدول والشعوب وفق منظور حضاري نبيل.

وفي مجمل الأحوال، فإن المنظمات غير الحكومية في معظمها هي كيانات ترفع شعارات اجتماعية براقة ولكنها تنطوي في جوهرها على ميكانيزمات تنخر في سيادة الدولة الوطنية وتسهم في تآكلها وتحللها لمصلحة ظواهر متنامية يروج لها في أدبيات النظام العالمي الجديد مثل الحكومة العالمية والمواطن العالمي وغير ذلك من مفاهيم

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • Taika
    الأحد 3 ماي 2015 - 02:04

    هذه المنظمات هي من تفضح الانظمة الاستبدادية ونظام الريع المسمى بالكليف في دول الخليج وتفضح المعاملة السيئة للمراة في الدول العربية مثل السعودية وميليشيات النهي عن المعروف جعلت من فرج المراة معبد تحرسه ليلا نهارا ولا يتمنع من السياقة كجل نساء العالم.
    ونفس المنظمات تشتغل في الغرب ايضا وتفضح الانظمة الغربية عند اي زيغ او عدم احترام القانون وكم مرة اطاحت بحكومات او شخصيات.
    ثقافة المجتمع المدني والجمعيات الناشطات جديرة بالاحترام والتقدير اما رميها بالباطل فباطل.لماذا تشقى الدول الغربية لزرع المخبرين فلها مخبرين رسميين ياخدون زمام الامر في الدول المعنية
    الا تقرا الجرائد ؟ 

  • ahmed
    الأحد 3 ماي 2015 - 11:52

    تعتبر المنظمات الغير حكومية سيفا ذو حدين حيث تقدم خدمات متنوعة وفي شتى المجالات لكن بالنسبة لما يترتب عن ذلك من جاسوسية او عمالة مقصودة او غير مقصودة وهو ما اشار اليه كاتب المقال كركن سلبي لجميع المنضمات الغير حكومية التي تتلقى تمويلا من الخارج … في هذا الباب هل تعتبر الدول التي تقطع كافة السبل لانشاء مثل هذه الجمعيات وقد يصل الامر حتى لرفض اي تعاوني مع مؤسسات الامم المتحدة و التي تعنى بمراقبة تطور حقوق الانسان بهذه الدول، هل يمكن اعتبار هذه السياسة صمام امان و درع تجاه دخول "امريكا" وثقافتها و جواسيسها ؟

  • علام
    الأحد 3 ماي 2015 - 22:33

    لا حاجة لأمريكا بمنظمات غير حكومية في البلاد العربية فهي تمول ومباشرة المنظمات الحكومية نفسها، وتستقي مُعطياتها مباشرة من المنبع.

    صح النوم يا فقيه

  • big data
    الثلاثاء 5 ماي 2015 - 13:16

    هذا هو جوهر الصراع الان بين اوروبا والولايات المتحدة الامريكية
    بحيت ان اوروبا تريد الانخراط في المشروع الامريكي المتمثل في الامبريالية الرقمية ولكنها تريد حماية سوقها من الازمات المالية وما ازمة البنوك الربوية
    ببعيدة حيت بدأت من سماسرة العقار ومن بائعي الاوهام الى ازمة اقتصادية
    عالمية ذهب ضحيتها اليونان واسبانيا ودول من الربيع العربي واخرى تبيع
    احتياطها النفطي في شراء الاسلحة وفي حق البقاء على السلطة.
    لذلك لم ننتهي بعد من حوار المجتمع المدني في المغرب لان هناك من يريد اجهاضه بحجة انه نتيجة زواج غير شرعي بين وزير ووزيرة!؟

صوت وصورة
سعر الدجاج بـ23 درهما
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:45

سعر الدجاج بـ23 درهما

صوت وصورة
لشكر .. تحالف "البام" والكتلة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:15

لشكر .. تحالف "البام" والكتلة

صوت وصورة
صقور السعودية في سماء مراكش
السبت 10 أكتوبر 2026 - 16:32

صقور السعودية في سماء مراكش

صوت وصورة
لشكر وحكومة المنصوري
السبت 10 أكتوبر 2026 - 13:57

لشكر وحكومة المنصوري

صوت وصورة
جزارون يشتكون غلاء اللحوم الحمراء
السبت 10 أكتوبر 2026 - 13:37

جزارون يشتكون غلاء اللحوم الحمراء

صوت وصورة
حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 23:30

حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد