الموقف المغربي المنتظر

الموقف المغربي المنتظر
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 23:01

تحت عنوان «الموقف الإسباني المنتظر»، كتبتُ في مارس 2022 على هذا المنبر، مقالًا أشرت فيه إلى أن التحول الإسباني في قضية الصحراء لم يكن نزوة ظرفية ولا ثمرة أزمة عابرة، بل حصيلة مسار بدأ مع أزمة جزيرة ليلى. واستندتُ يومها إلى تقرير معهد إلكانو الملكي عن إسبانيا في جوارها، الذي نبّه إلى أن خطر التصعيد بين الجزائر والمغرب حقيقي، وأن مواجهة مسلحة مباشرة بينهما لا تُستبعد، ودعا مدريد إلى السعي لخفض التوتر بين جاريها، فإن لم يُجدِ ذلك فعليها أن تتخذ «تدابير أكثر حزمًا وصرامة». دون أن يبرز التقرير ما هي هذه التدابير ولا لصالح من.

مدريد أجابت بنفسها: دعمت الحكم الذاتي، وعجّلت حرب أوكرانيا بقرارها، لأن أوروبا لا تتحمل جبهتين مشتعلتين في شرقها وجنوبها معًا. بعد أربع سنوات ونصف، يعود السؤال من بابٍ لم يكن منتظرًا، الملك فيليبي السادس سيزور سبتة ومليلية يومي 13 و14 أكتوبر، في أول زيارة لعاهل إسباني منذ تسعة عشر عامًا. والرباط، إلى حدود كتابة هذه السطور، صامتة.

المقارنة مع سنة 2007 تفرض نفسها. يومها لم يحتج المغرب إلا إلى ساعات ليرد على إعلان زيارة خوان كارلوس: بيان رفض، ثم استدعاء السفير من مدريد، ثم تجميد اللقاءات الثنائية. فهل تغيّر الموقف المغربي من المدينتين؟ لا أظن. الذي تغيّر هو ثمن الكلام.

سنة 2007، كانت إسبانيا على حيادها التقليدي في الصحراء، وكان المغرب الطرف المتضرر الظاهر من زيارة لا مبرر آنيًا لها، اليوم انقلبت المعادلة. الدعم الإسباني للحكم الذاتي مكسب ثمين، لكنه غير محصّن، ويكفي تغيّر الأغلبية في مدريد لفتح باب مراجعته. ثم إن المغرب يدخل هذه الجولة في ظل مناخ إسباني تسعى فيه بعض الأوساط إلى وضعه في موقع المتهم، على خلفية أحداث سبتة نهاية يوليوز الماضي، ودخول عشرات الآلاف إلى المدينة، وما رافق ذلك من ترويج لرواية «الحرب الهجينة» التي لم تتحول، حتى الآن، إلى حقيقة قضائية ثابتة. وأي بيان غاضب قد يُستثمر في مدريد وبروكسيل باعتباره قرينة سياسية تعزز تلك الرواية، بصرف النظر عن قيمته الفعلية.

لكن العامل الحاسم في تقديري هو التوقيت. فالزيارة تأتي في قلب أكتوبر الأممي: مجلس الأمن بدأ مشاوراته المغلقة حول الصحراء يوم 7 أكتوبر، وولاية المينورسو تنتهي في 31 منه. وقبل أيام، كشف تقرير الأمين العام للأمم المتحدة عن عناصر يجري تداولها في المفاوضات التي ترعاها واشنطن والأمم المتحدة، من بينها فكرة «مجلس انتقالي» ضمن اتفاق إطاري يقود إلى الحكم الذاتي، مع مناقشة الضمانات الدولية وتقاسم الموارد والعفو ونزع السلاح.

وهي عناصر لا تزال قيد التفاوض، ولا تشكل اتفاقًا نهائيًا أو صيغة محسومة للتسوية. فالتوجه الأمريكي المعلن لم يتغير، لكن التفاصيل التي ستُملأ بها هذه الصيغة ما زالت مفتوحة، وراعٍ مستعجلٌ على تسوية قد يطلب من الرباط أكثر مما عرضته سنة 2007.

وهنا يلتقي الخيطان، فإسبانيا لم تكتف بتغيير موقفها سنة 2022، بل استضافت في فبراير الماضي جولة من المفاوضات المباشرة، مما منحها موقعًا دبلوماسيًا إضافيًا في مسار التسوية، دون أن يجعل منها بالضرورة وسيطًا مقررًا في مخرجاتها.

وكأن مدريد تعتبر أن دعمها لمبادرة الحكم الذاتي قد وفّر لها رصيدًا سياسيًا يسمح بإعادة تأكيد موقفها من سبتة ومليلية دون المخاطرة بأزمة مماثلة لأزمة 2007. وفي المقابل، تدرك الرباط أن الاحتجاج على الزيارة قد يفتح مواجهة دبلوماسية مع شريك تحتاج إلى استمرار دعمه في لحظة تفاوضية دقيقة.

أما طريقة الإعلان عن الزيارة، قبل نحو أسبوعين من موعدها، وبوصفها متفقًا عليها بين القصر الملكي الإسباني والحكومة الإسبانية، ودون مرافقة رئيس الحكومة للعاهل، فلا تثبت في ذاتها حصول تنسيق مسبق مع الرباط. لكنها تترك مجالًا للتساؤل عما إذا كانت الدبلوماسية المغربية قد أُحيطت علمًا بها عبر القنوات المعتادة، واختارت عدم الرد، أم أنها فضّلت انتظار ما ستؤول إليه التطورات قبل تحديد موقفها.

والصمت الرسمي ليس صمتًا كاملًا، فقد ذكّر مسؤولون مغاربة بمغربية المدينتين منذ بداية الأزمة، ووصف إعلام قريب من دوائر القرار الزيارة بأنها «استفزاز معلن». وبذلك ظل الموقف المغربي حاضرًا في النقاش، لكن بأصوات لا ترقى إلى مستوى موقف دبلوماسي رسمي جديد، ولا تُلزم الدولة بخيارات قد تضيق عليها هامش المناورة لاحقًا.

وليس من الدقة اعتبار الصمت الدبلوماسي، في حد ذاته، تراجعًا عن الموقف السيادي؛ فالدول لا تعبّر عن مطالبها الترابية بالاحتجاج وحده، وإنما كذلك باستمرارية مواقفها القانونية والسياسية. غير أن الصمت يصبح أكثر حساسية حين يأتي في مناسبة سبق للدولة أن اعتبرتها مساسًا بموقفها الثابت، لأن تغيير أسلوب الرد دون تفسير قد يفتح الباب لتأويلات تتجاوز ما أرادته الدبلوماسية نفسها.

ولهذا الحساب كلفة لا يصح إنكارها. فسابقة 2007 صارت معيارًا في ذهن الرأي العام، وكل يوم يمر دون موقف رسمي قد يوسّع المسافة بين ما اعتاده المغاربة من خطاب الدولة وما يُقال في الشارع.

والمطالبة الترابية تحيا باستمرارية التعبير عنها، وكل مناسبة تمر بلا احتجاج قد تُغري الطرف الآخر بتقديم الاستثناء باعتباره وضعًا عاديًا لا يستدعي الاعتراض. غير أن الدبلوماسية لا تُقاس دائمًا بحدة ردودها، وإنما أيضًا بقدرتها على اختيار اللحظة التي يكون فيها للكلام أثر، وللصمت مردود.

ويبقى السؤال عما إذا كان الصمت المغربي مجرد تدبير ظرفي لتفادي أزمة مع مدريد، أم أنه يعكس ترتيبًا جديدًا للأولويات تفرضه المفاوضات الجارية حول الصحراء. ولا تتوافر إلى حدود الآن معطيات تسمح بالجزم بوجود تفاهم أو مقايضة بين الملفين. لكن تزامن الزيارة مع الاستحقاق الأممي، وتشابك المصالح المغربية الإسبانية، يجعلان فرضية الصمت المحسوب جديرة بالتأمل، دون أن تتحول إلى حقيقة دبلوماسية ثابتة.

كان عنوان مقالي الأول «الموقف الإسباني المنتظر»، وقد جاء ذلك الموقف. واليوم صار المنتظر هو الموقف المغربي. غير أن الحكم عليه لن يتوقف عند يومي 13 و14 أكتوبر، بل سيتجاوزهما إلى ما ستسفر عنه مداولات مجلس الأمن، وما ستكشفه المرحلة المقبلة من موازين الربح والخسارة.

فإذا مرّت الزيارة دون احتجاج رسمي، وحافظ المغرب على مكتسباته في ملف الصحراء، أمكن قراءة الصمت باعتباره اختيارًا دبلوماسيًا محسوبًا، وإن لم يكن ذلك وحده دليلًا على وجود مقايضة. أما إذا تحولت الزيارة إلى مناسبة لاستعراض السيادة الإسبانية، دون أن يقابل ذلك تقدم ملموس في الملف الآخر، فسيعود السؤال بإلحاح أكبر:

هل كان الصمت ثمنًا لمكسب دبلوماسي، أم مجرد تفويت لفرصة تأكيد موقف سيادي؟

-محامي بهيئة القنيطرة
باحث

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
لوكهيد مارتن بمعرض مراكش
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 20:51

لوكهيد مارتن بمعرض مراكش

صوت وصورة
السيول تجتاح طرق أسني بالحوز
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 19:49

السيول تجتاح طرق أسني بالحوز

صوت وصورة
جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 16:47

جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة