"المونديال" الكروي.. الفرح المغربي المشترك

"المونديال" الكروي.. الفرح المغربي المشترك
الخميس 22 دجنبر 2022 - 14:43

أن تكون محروما من الفرح، يعني أن تكون معرضا لعنف البؤس والشقاء اليومي، ولعنة التكرار وفقدان المعنى. لا شيء يدعو للفرح في الحياة السياسية وفي المعيش الاقتصادي، وفي البنيات الاجتماعية، بل لم يعد الزمن يتضمن لحظات فرح، كما كانت تهديها الأعياد والمناسبات. لكن “المونديال” الكروي رسم البسمة على الأفواه، وأعاد للدموع لون الفرح، وتصالح الناس مع الحق في الفرح. هكذا أصبحت الرياضة والكرة والمنتخب المغربي والمدرب المغربي، مصدرا للفرح المشترك.

منذ زهاء شهر أصبح العالم “عالما كرويا”، فالمكان كروي داخل الملعب وخارجه (المقهى والمنزل، ومقر العمل، وغيرها من الفضاءات المشتركة)، والزمان كروي سواء تعلق الأمر بالوقت الذي تجرى فيه المباريات، أو بتخصيص ما تبقى من الوقت لما بعد المباريات (الكلام عن الكرة وتداول الخطابات بصددها، المشاهدة وتتبع ما تقدمه التلفزة، ووسائل التواصل الاجتماعي. إن أول ملاحظة يمكن تسجيلها، هو استرجاع الزمن الواقعي، وتحريره من قبضة الزمن الافتراضي، وبالتالي إحلال نوع من التطابق بين العالم الواقعي والعالم الافتراضي، لقد أصبح العالم الافتراضي عالما واقعيا ممتلئا بأحداث كأس العالم. لقد تم استرجاع الفرد وعودته الطوعية إلى خلية الجماعة، وتم إحياء نوع من المشترك الجماعي، يمكن نعته “بالمشترك الكروي”.

داخل هذا الزمن الكروي، عاش المجتمع المغربي ومعه العالم بأسره، لحظات من “الفانتاستيك” الكروي، حيث تحول الزمن الواقعي إلى الزمن العجائبي: وصول المنتخب المغربي إلى المربع الذهبي في الإقصائيات المنظمة للفوز بكأس العالم، لقد كنا كمتفرجين، وكمشاهدين في وضعية التردد والحيرة، بين الاحتكام إلى منطق القوة والعادة، وبين قبول وضع خارج القوة وفوق العادة. وهذا ما جعل حدث تأهل المغرب ووصوله إلى المربع الذهبي تأثيرا عجائبيا على الناس عموما. لقد كتب المنتخب المغربي قصة عجيبة، حينما “كسر المألوف، وتجاوز الممكن”، حيث وضع موطئ قدم داخل المستحيل، وخلق الإعجاب والتعجب. بل خلق شرخا داخل الانسجام الكروي العالمي.

تظهر تداعيات هذه القصة العجيبة في كون الانتصار داخل رقعة الملعب تحول إلى مصدر إلهام ينعش العواطف ويعبئ الانفعال ويملأ الوجدان، مثلما تفعل الحكايات العجائبية، حينما تدمج الواقع الفعلي (الهزائم المتراكمة على جميع الأصعدة)، بواقعة فوق طبيعية. هكذا عاينا انتعاش الخيال العفوي، وعودة الروح إلى جماهير بدأت ترى في المنتخب المغربي والمدرب المغربي مصدر خلاص، كما شكل التأهيل إلى نصف نهاية كأس العالم نوعا من الإشباع، انتقاما لكل تطبيع مع الحرمان والقهر والانهزامية. لقد شكل هذا الفرح الجماعي، لحظة ولو مؤقتة، للخروج من منطقة الشك وإبطال قدر الفشل، ومنح كل فرد حكاية وفرحا، تشكل مرآة لكتابة حكايته وانتزاع فرحه.

إن الفرح الجماعي والمشترك يندرج داخل زمن عجائبي قصير، محكوم بالتلاشي، إما سنجعله محطة لتعميق المساءلة والتفكير في معاني المسؤولية، وتدبير الشأن العام، والعيش المشترك (الكروي وغير الكروي)، من خلال تقديم تبريرات عقلانية لما حدث، في قطر وإسقاطها على ما يمكن أن يحدث داخل المغرب، أو سنقوم بأسطرة ما حدث من خلال والإبقاء على اللامبرر، وجعله حدثا لاعقلانيا، يتم فيه الحديث عن المعجزة المغربية، والتركيز على بعده العجائبي (النية).

ثمة مبررات أخرى لهذا الفرح الجماعي، يمكن أن نقف على أهمية البعض منها، كالتالي:

أولا، نحن نعلم جيدا أن الرياضة عموما وكرة القدم تحديدا، تخضع لرهانات سياسية واقتصادية ومالية، لا يمكن تجاهلها. كما أنها محكومة بمركزية غربية، ترى في الدول المستضعفة، دولا ثالثية يكفيها فخرا أن تكون حاضرة في هذه التظاهرة الدولية. لكن ما يدعو للفرح في تأهل المنتخب المغربي للمربع الذهبي، ليس هو الوازع الديني (دولة إسلامية)، وليس هو البعد القومي (دولة عربية)، كما كان يردد بعض الناس وبعض الإعلاميين، بل الأمر يتعلق في اعتقادي بقدرة دولة مستضعفة أن تحطم الجدار الفاصل بين القوي والضعيف، وتتحرر من الإقصاء الممنهج والهيمنة التي تفرضها النزعة المركزية الأوروبية والأمريكية، في مجالات الاقتصاد والسياسة والمعرفة، حيث تقف في وجه التقدم الفعلي للمجتمعات المستضعفة، لكن تأهل المنتخب المغربي أعاد إلى السطح بشكل مجازي، ضرورة الخروج من هذه النظرة المركزية القائمة على تراتبية الثقافات والشعوب. إن المغرب كباقي الشعوب يمكن أن ينهض كرويا ورياضيا واقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، وتعليميا إذا لم تعرقل القوى العالمية سيره، وإذا سخر إرادته السياسية وقدراته من أجل تعميم الحق في الفرح…

ثانيا، ارتبط هذا الفرح الجماعي المشترك، بالأم، التي أصبحت رمزا للأمة المغربية، احتلت مكانة استراتيجية في شحن لاعبي المنتخب الوطني، بل في تغذية الروح الجماعية الرياضية، لدى الجماهير المغربية. يتعلق الأمر بحضور كثافة رمزية، حيث الاعتراف بلغة الأم عبر التحرر من التهميش لكل ما يتعلق بالعواطف والأحاسيس. تحتل الأم في حاضرنا مساحة مهمة، داخل الحقل الإدراكي للمغربي (انظر كتابنا الحب والضيافة)، لقد فشلت لغة الأب (القانون) في تجلياتها السلطوية، في تدبير الشأن العام، عموما والشأن الرياضي تحديدا، لقد كان مدرب المنتخب الوطني يتكلم بلغة القلب، ويستخدم ذكاء عاطفيا وعلائقيا، ما أحوجنا إليه في سياساتنا، لقد كان يتكلم لغة الأم مع اللاعبين، ومع الصحافة، لم يكن يتكلم لغة الوعد والمناورة، لم يكن يتكلم لغة الفرض والقهر والوصاية، بل كان يتكلم لغة الحب والضيافة، لغة الحسنى والتقدير والاحتضان والاعتذار. لذا خلق نموذجا لشخصية مفهومية، لم يشهدها بعد حقلنا السياسي، ولم نألفها في مشهدنا الإعلامي، ولم تتجذر بعد في علاقاتنا الاجتماعية.

ثالثا، مصدر هذا الفرح الجماعي، على الأقل كما عشته شخصيا، هو كون هوية أغلب الشباب لم تعد تتغذى بالثقافة والسياسة والرياضة كما كان سابقا، لذا لم يعد لها إحساس بالانتماء، ولا وعيا حادا بالذات، وليس لها تفاعل وعلاقات مع العالم الخارجي. لقد ظهر نمط من الهوية النجومية، بكل العدد المستخدمة في هذا الشأن: الفوز، الربح، الشهرة، الحضور الإعلامي، وتحديدا في العالم الافتراضي وتلفزة الواقع (انظر كتابنا الحب والضيافة)، حيث استأسد نموذج التافه، أو الرويبضة، الذي غدا نمط عيش (رواية ياسين عدنان “هوت ماروك”). إن هذا الفرح الجماعي يعطي نموذجا مثاليا للشباب المغربي، إنه نموذج الرياضي، الذي يعتمد على قدراته البدنية ومهاراته الكروية، التي تشكلت نتيجة عمل دؤوب.

في زمن مليء بالخيبات والانكسارات والتراجعات، حجبت البلاغة الكروية الحياة اليومية للفرد، للشخص، للمواطن، وبدا الاستعراض الرياضي للمنتخب المغربي، مصدرا لإمكانية الفرح. فسكان المدينة المعطوبة أصبح بمقدورهم الابتهاج، والتصالح مع النجاح والانتصار، وتمجيد العمل الجاد والحق في المكافأة والاعتراف، والإنصاف. أصبح اللاعبون رموزا داخل المتخيل الجماعي، لقد تجاوز الانتصار حدوده الكروية، ليصبح انتصارا وفرحا جماعيا، وبالتالي انتصارا وفرحا فرديا: كل واحد تولدت لديه الرغبة في تجسيد هذا الفرح فعليا داخل معيشه اليومي. كل واحد منا تماهى مع المنتخب، تماهى مع الوطن، كل يسمع القنوات ووسائل التواصل الاجتماعي، تروي حكايته، تنثر فرحه، وكأنها ليست حكايته وفرحه، لذا كان يحتاج أن يصرخ بشكل متكرر، على طريقة السرد العجائبي: “والله إن هذه الحكاية لحكايتي” (عنوان رواية عبد الفتاح كليطو)، و”الله إن هذا المنتخب لمغربي”، و”الله إن هذه الفرحة لفرحتي”…

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • مواطنة
    الإثنين 26 دجنبر 2022 - 14:37

    و”الله إن هذا المنتخب لمغربي”، و”الله إن هذه الفرحة لفرحتي”… وانتهي الكلام ولكن لن تنهي الانتصارات ماهذه إلا البداية مازال مازال القادم أجمل بإذن الله وبإذن هذه الطاقات الشابات التي يفعمها الحب والتفاؤل سنسير ثم نسير ثم نسير …

صوت وصورة
السيول تجتاح طرق إسني بالحوز
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 19:49

السيول تجتاح طرق إسني بالحوز

صوت وصورة
جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 16:47 2

جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06 9

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57 2

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة

صوت وصورة
مضادات "درون" مصنوعة مغربيا
السبت 10 أكتوبر 2026 - 21:30 5

مضادات "درون" مصنوعة مغربيا