النزاهة بالمغرب

النزاهة بالمغرب
السبت 10 أكتوبر 2026 - 00:57

من جمود “النصوص” إلى حركية “الوعي المجتمعي”

يشهد المغرب تحولات هيكلية متسارعة في مجال حكامة المرفق العام وتطوير آليات الشفافية، تقودها الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها INPPLC) ) بناء على مقتضيات القانون المتقدم رقم 46.19. ورغم هذه الترسانة القانونية المتطورة والجهود الحثيثة في رصد مؤشرات الفساد، إلا أن الأثر التعبوي والمجتمعي للتقارير الرسمية لا يزال يواجه تحديين بنيويين يحولان دون تحقيق الأثر الوقائي المستدام في مغرب اليوم.

معضلة “المركزة” وعزلة المادة القانونية

يتمثل التحدي الأول في “انكفاء الأثر التواصلي للمادة القانونية وعزلتها جهوياً”؛ فالتقارير السنوية والدراسات الغنية بالبيانات التي تصدرها الهيئة تظل في غالب الأحيان حبيسة النخب الأكاديمية والمركزية في العاصمة الرباط. بالمقابل، يواجه رصد مظاهر الرشوة صعوبة بالغة في التغلغل داخل المرافق العمومية المحلية والجهوية، بسبب غياب قنوات رصد ميدانية مستدامة تغطي كافة ربوع المملكة وتتماشى مع خيار “الجهوية المتقدمة”.

وتظهر تجليات هذا التحدي بوضوح في قطاعات حيوية ومعقدة كـ قطاع العقار والتعمير؛ حيث ترتبط ثغرات الحكامة بخصوصيات مجالية ومحلية دقيقة (مثل مساطر استصدار رخص البناء، تدبير الممتلكات الجماعية، وتطبيق وثائق التعمير). إن رصد هذه الاختلالات يتطلب عيناً قانونية ميدانية وقريبة من الفاعل المحلي، لفك شفرات الممارسات البيروقراطية وتحويلها إلى مؤشرات علمية استباقية قبل أن تتحول إلى ملفات زجرية أمام القضاء.

فخ المقاربة الزجرية الموسمية

أما التحدي الثاني، فهو سيادة “المقاربة الزجرية الموسمية” في النقاش العام؛ حيث يميل التفاعل المجتمعي نحو متابعة قضايا الفساد من منظور عقابي صرف بعد وقوعها (المنطق الأمني والقضائي)، في حين يغيب التحليل الوقائي الاستباقي المستند إلى قراءة النظم التشريعية الحاضنة للرشوة، واقتراح بدائل قانونية وسلوكية تسد ثغرات الفساد في المرفق العام قبل حدوث الفعل الجرمي.

إن معالجة الفجوة القائمة بين المقاربة التشريعية الرقابية والتمثل القيمي والمجتمعي لها لدى المواطن، تتطلب الانتقال من “الوضع القائم” المبني على القراءات الموسمية والتطوعية، نحو “مأسسة الشراكة المعرفية” وتفعيل ما يمكن تسميته بـ “شبكات اليقظة والتحليل الجهوي للنزاهة”.

خطة طريق من ثلاثة أبعاد

ومن هذا المنطلق، نرى أن هناك حاجة ماسة لتبني مقاربة إجرائية ثلاثية الأبعاد تنقل نقاش النزاهة من جفاء النصوص إلى حركية الوعي:

أولاً: إحداث “شبكة المعاونين الجهويين للنزاهة”: وهي آلية تشاركية تعتمد فيها الهيئة الوطنية على باحثين وممارسين قانونيين في كافة جهات المملكة، يتكلفون بإعداد تقارير دورية لرصد الثغرات البيروقراطية المحلية والمساهمة في تجفيف منابعها ميدانياً.

ثانياً: مأسسة “مختبرات التبسيط القانوني”: عبر خلق شراكات حقيقية بين الهيئة والجامعات والمجتمع المدني، لترجمة التقارير السنوية الضخمة إلى “مادة تواصلية مبسطة” يفهمها المواطن العادي، مما يساهم في بناء وعي جمعي يرفض التطبيع مع السلوكيات الفاسدة.

ثالثاً: التدقيق الاستباقي للقطاعات الحساسة: عبر فرض مراجعات دورية لمسالك التدبير الإداري في قطاعات كـ “التعمير والجماعات الترابية”، وتسييج الثغرات المقترنة بالمساطر الإدارية لمنع استغلال النفوذ، وتغليب منطق الوقاية على منطق العقاب.

إن الرهان الحقيقي للمغرب اليوم لم يعد في “صناعة النصوص القانونية”، بل في “بناء الوعي المجتمعي” وتحويل محاربة الفساد من شأن مؤسساتي معزول إلى ثقافة يومية يتقاسمها المواطن والمسؤول على حد سواء.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
لوكهيد مارتن بمعرض مراكش
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 20:51

لوكهيد مارتن بمعرض مراكش

صوت وصورة
السيول تجتاح طرق أسني بالحوز
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 19:49 3

السيول تجتاح طرق أسني بالحوز

صوت وصورة
جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 16:47 2

جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06 9

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57 2

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة