الجزائر والعلاقات المغربية الإماراتية

الجزائر والعلاقات المغربية الإماراتية
الأربعاء 20 دجنبر 2023 - 23:24

المشهد السياسي في بلادنا تتجاذبه تيارات وكأنها متقابلة على طرفي نقيض. تيارات تحاول جر البلاد إلى الأسفل لاعتبارات تخصها، وهي تيارات تغلب عليها منطلقات عقائدية وإيديولوجية مستوردة لا تمت إلى الواقع المغربي بصلة ولها أجندتها تتماثل في مختلف تجلياتها مع أجندات خارجية غالبا ما تكون معادية لبلادنا. من داخل هذه التيارات ما هو مهووس بإعادة تموقعه في الخريطة السياسية من خلال عملية ابتزاز مكشوفة للدولة المغربية. وفي هذا الصدد يندرج في الصفوف الأمامية حزب السيد عبد الإله بنكيران الذي يظل متمسكا بمرتكزات النواة الصلبة للإخوان المسلمين لا يحيد عنها ولو قيد أنملة.

إلى جانب هذا التيار ذي التوجه الإسلامي هناك خليط من أجنحة تتغدى من مختلف المشارب اليسارية والقومجية والإسلامية المتطرفة تلتقي رغم تباعدها الإيديولوجي والعقائدي على قاعدة مشتركة قوامها معاداة الدولة في جميع الظروف والأحوال وبأي ثمن. وهي في مواقفها أقرب إلى التآمر من لعب دور المعارضة.

وعلى النقيض من ذلك تماما هناك التوجه الرسمي للدولة الذي يجر البلاد إلى الأعلى سواء من خلال إجراء إصلاحات شاملة على المستوى الداخلي في مختلف مناحي الحياة العامة أو من خلال بناء استراتيجيات في علاقات المغرب مع محيطيه الإقليمي والدولي. هذا التوجه وإن كانت عينه على كل ما يجري من حوله من صراعات وتجاذبات وحروب فهو يتفاعل معها بالشكل الذي لا يؤثر على مصالحه الاستراتيجية وعلى توازناته شرقية كانت أم غربية. وهذا هو سر نجاح السياسة الخارجية المغربية التي استطاعت بفضل دبلوماسية ملك أن تحقق مكاسب جمة.

ومن المؤكد أن العلاقات المغربية الإماراتية تشكل لبنة أساسية في الاستراتيجية الإقليمية والدولية التي يعتمدها المغرب. اختصارا لهذا المشهد في تاريخه وحاضره وكذلك مستقبله يمكن القول عن هذه العلاقات بأنها تتجاوز إطار التعاون المتعارف عليه بين الدول. وقد تبين للقاصي والداني أن المغرب والإمارات بلدان في بلد واحد. فالجغرافية ليست لها دائما أحكام نهائية حتى ولو كانت المسافة ما بين الرباط وأبوظبي تتجاوز 7 آلاف كلم سوف يبقى ذلك مجرد رقم ليس إلا. المتيمان لا يعنيهما التباعد في شيء فالوجدان أقوى من الجغرافية وكذلك التاريخ له أحكامه تربى عليها الخلف على أيدي السلف ليعطينا منتوجا خالصا كما نفخر ونعتز به اليوم.

كل ذلك تأكد ويتأكد من خلال ذلك الاستقبال الرائع الذي حظي به جلالة الملك والوفد الكبير المرافق من طرف شقيقه رئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد. لم يكن الاستقبال فقط رسميا كان شعبيا موسوما بأهازيج فلكلورية وبفرسان مغربية في شوارع اختلطت فيها كل مشاعر الأخوة والمحبة قلما نشاهد مراسم استقبال من هذا النوع ولن يتكرر مثله مع أي رئيس آخر. وهنا تكمن المفارقة في وزن هذا البلد من ذاك.

ما أسفرت عنه الزيارة الملكية لدولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة من نتائج لا يمكن حصرها في مقال من هذا النوع. فهي لا تحصى ولا تعد. وقد أكون مجانبا للصواب وللحقيقة إن وقفت عند حدود الكم الهائل من الاتفاقيات والمذكرات المبرمة، ولكن سر أهميتها يكمن في نوعية وطبيعة المشاريع المبرمجة في تعاون يغطي مجالات لها بعد استراتيجي عابر للقارات، هدفها الأساسي إحداث نهضة صناعية وزراعية وفي مجالات حيوية من قبيل الطاقة والطاقات المتجددة والأمن الغذائي للعديد من الدول الإفريقية سواء تلك المطلة على المحيط الأطلسي أو غيرها من الدول التي يجب تمكينها من الاقتصاد الأزرق عبر إحداث بنيات تحتية من موانئ وطرق وسكك حديدية. وهكذا فإن التعاون بين المغرب والإمارات لا يقف عند حدود ما هو ثنائي بل يتجاوزه في شموليته إلى ما هو أوسع نطاقا ليشمل كل إفريقيا الغربية أي الوصول إلى سوق يزيد عن 100 مليون نسمة.

بلا شك أن هذه العلاقات ذات البعد الاستراتيجي قد تخلف ارتياحا لدى العديد من الدول وخاصة تلك التي ترى في نفسها أنها معنية بخراج هذا التعاون وبثماره، كما أنها تخلف استياء لدى دول معدودة وهي ترى في ذلك التعاون أنه سيخل بالموازين والمعادلات الإقليمية. وعلى رأس هذه الدول دولة الثكنات والمتمثلة في الجزائر.

النظام الجزائري، وكعادته، لم ينظر إلى هذه التطورات التي تشهدها العلاقات المغربية الإماراتية سوى بنظرة التشكيك والريبة، من منطلق أن أي تعاون يراد به الدخول إلى المنطقة من دون المرور على بوابة الجزائر فهو تعاون مدسوس ومبيت حسب فهم عساكر الجزائر. ولا يراد به سوى استهداف الجزائر. في حين أن هذه الأخيرة هي التي تريد أن تعتقل كل المنطقة وتجعلها تحت ذمتها وإبطها.

لذلك بمجرد أن بدأت تلوح في الأفق فضاءات واعدة لهذا التعاون، سارع النظام الجزائري إلى تحريك أذرعه في أوروبا كجمعيات إسلامية تابعة له في حملة مناهضة للدول التي تربطها علاقات مع إسرائيل، وخاصة المملكة المغربية ودولة الإمارات العربية المتحدة وإلى حد ما المملكة العربية السعودية تحسبا لعلاقاتها المرتقبة مع إسرائيل.

بعد إحساسهم القوي في أوروبا وبالخصوص في فرنسا، بدأ الجزائريون المقيمون على الأراضي الفرنسية من ذوي التيار الإسلامي، بإيعاز من كابرانات الجزائر، بالتحرك والنشاط المكثف لإنشاء تكتل معارض للدول المطبعة مع إسرائيل. وقد ازداد ذلك النشاط المناوئ كرد على التطورات المهمة على مستوى العلاقات بين المغرب ودولة الإمارات، وكذلك في أعقاب فشل الإخوان المسلمين من مصر الذي يتزعمهم طارق رمضان بعد فضيحته الجنسية التي توبع فيها قضائيا.

الجمعيات الإسلامية الجزائرية “رشاد” و”الكرامة” الموجودتين في جنيف وضعتا هدفين استراتيجيين، وهما:

1ـ توحيد كل المعارضين العرب وبعض المتطرفين من دول إسلامية في حملة شرسة مناهضة للتطبيع مع إسرائيل وبالخصوص ضد دول الإمارات والسعودية والمغرب.

2ـ تركيز النشاط المناوئ في داخل الجامعات والمراكز الثقافية والدينية الإسلامية في أوروبا من أجل تدمير البنية التي تقوم عليها العلاقات المغربية الإماراتية.

ان قراءة خطبهم تكشف بما لا يضع مجالا للشك على ان الأجهزة الاستخباراتية الجزائرية هي الذي تقف خلف هذا التكتل سواء على مستوى التحكم في البروباغندا أو على مستوى التمويل. وإيران لها دور خلف الستار بحكم العلاقات التي تربطها بالجزائر. وتشكل جمعية “البركة” الجزائرية، التي يرأسها الإسلامي أحمد الإبراهيمي، دراع النظام وصلة وصل مع كل التيارات الإسلامية في أوروبا. كما تنشط هذه الجمعية اليوم في قطاع غزة بدعم مالي من النظام الجزائري ومحاولة تأليب الغزاويين في حملة مناوئة للحضور المغربي والإماراتي الوازن في المنطقة.

وبموازاة ذلك، فإن حركة “رشاد” التي كانت تنشط في أوروبا كحركة معارضة للنظام الجزائري، أعيد استقطاب قادتها من جديد وعلى رأسهم مراد دهينة ورشيد مسلي وعباس عروة ومحمد العربي زيتوت بعد أن حولهم النظام الجزائري من معارضين إلى أدوات للاشتغال على أجندته ضد التطبيع كواجهة لحرب ضد المغرب والإمارات.

فالحرب الدائرة في غزة تشكل فرصة للنظام الجزائري للتنسيق مع التيارات الإسلامية لضرب المصالح الوطنية لكل من المغرب والإمارات والسعودية، من خلال تشبيههم بخدام الصهيونية وذلك بهدف زعزعة الاستقرار المفضي إلى الانهيار.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • الورياغلي
    الإثنين 1 يناير 2024 - 07:06

    العلاقات المغربية الإماراتية السعودية صلبة ومتينة ينطبق عليها المثل
    لا يهزك ريح يا جبل

صوت وصورة
الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:50 2

الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة

صوت وصورة
أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:30

أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية

صوت وصورة
"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:11

"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة

صوت وصورة
افتتاح معرض التمور بأرفود
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 21:43

افتتاح معرض التمور بأرفود

صوت وصورة
بوتين يستقبل المنصوري
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:36 16

بوتين يستقبل المنصوري

صوت وصورة
مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:00 2

مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟