الوجه الخفي للأخلاق والثقافة الدينية

الوجه الخفي للأخلاق والثقافة الدينية
الأربعاء 12 يوليوز 2023 - 17:39

“الديانة التي تخاف العلم لا تحترم الله، لا .. بل تنتحر” ـرالف امرسون

مثلما يطالب قوم بانتهاج تربية قائمة على الحرية الشخصية وبناء المعارف بشكل ذاتي، وتصحيح نظرتنا للحرية والتقائيتها بالتعبير والرأي والتناغم العقلي والوجداني، يؤسس آخرون مبدئيتهم الفكرية في الاكتساب الثقافي الديني الأولي، خلال الانخراط المدرسي الابتدائي والثانوي، على اعتبار أن ذلك يجسد البناء العميق للمجتمع المتناغم، وشرطا أساسا في إنجاح مهمة التعليم والتربية كسلوك وبيداغوجيا إنسية أخلاقية.

والحقيقة أن المذهبين يمثلان جدارا صلبا لمدى أهمية الدرس التربوي الديني في تمكين المتعلمين من تصحيح علاقة المعرفة بالدين، أو ما تعتمله مضامين الدستور والقانون المؤطر له في علاقة بالمرتكز الاعتقادي للدولة والأمة، وتوفير الحماية الثقافية والتوعوية تجاهها.

يشيع المنخرطون في الانكشاف على التجارب التربوية الرائدة في المجال أن الواجهة الجوهرية التي يجب الالتحاف بها، والامتداد بإزاء قيمها وآثارها في التوجيه والتأطير، هي إيثار ذائقة النقد والوعي بتنظيراته على كل التشويهات الذهنية المقابلة، على اعتبار أولوية البناء الشخصي والسلوكي للمتمدرسين، واعتماد قيم التسامح واحترام الآخر داخل هذا المرمى.
وقد سبق لبيداغوجي فرنسي، يدعى إريك كورنلييه، أن أثار هذه الخاصية التربوية، ودعا إلى تحريرها من الأيديولوجيا والتقوقع الفكري الديني. بل طالب بتحييدها عن مناهج التدريس، عبر تضمينها في مقررات الدراسة وما يلزم من انفتاح على التجارب الأخرى في الحوار والتوجيه المتدرج.

وكان كورنلييه قد دافع مسبقا على اعتماد مادة الأخلاق والثقافة الدينية كدورة يخضع لها جميع طلاب المدارس الابتدائية والثانوية، متسائلا: هل توفر دورة الأخلاق والثقافة الدينية معلومات جيدة لأطفال المدارس الابتدائية ومراهقي المدارس الثانوية؟ وهل تقدم تعليمًا في قيم التسامح؟

المشكل في طرح هذه النظرية أنها تربط الطفرة النقدية على الأديان أو ما يسميها بـ”الأساطير أو المذاهب الموجودة في العالم” بما هي تأسيسات حقوقية مرتبطة بالواقع الحديث للدولة الحداثية. وهو ما يعطي انطباعا خاطئا كون جميع الأديان يمكن تجميعها في سلة واحدة، ما دام جوهرها الأصيل يضمن احترام الآخرين والصالح العام؟

ومع أن إريك كورنلييه يطرح سؤال “الوجه الخفي للأخلاق والثقافة الدينية” انطلاقا من تحصين مفهوم الحرية من كل أنساقها التاريخية والمرجعية، على اعتبار أن تلقين احترام العيش المشترك يولد أخلاق احترام الآخر وعقيدته وسلوكه، دون الالتفات إلى خصوصية الأديان وموقعها الثقافي والتربوي والمجتمعي، فإنه يواجه بكم هائل من التأسيسات المسبقة لتلكم الخصوصيات واصطدامها بالشعارات المحمولة على شرطية الدولة الجديدة، كمسائل المساواة بين الرجل والمرأة، والحريات الفردية، بما فيها حرية الاعتقاد، وكذا التسامح مع اللا أدريين والملحدين، حتى في حالات انتقادهم للرموز الدينية من الكتب المقدسة والأنبياء وغير ذلك.

إنه لا يمكن تقديم الدين كمنتج ثقافي، مهما كان ذلك مناطا للتحفيز التاريخي لحال العلم والفلسفة والشعر أو الصناعات العلمية والاجتماعية والفكرية المماثلة، وهو بالطبع لا يمكن أن يرقى إلى الاغتيال الصريح لجميع الأديان. وإلا ضاقت الرؤية وانفلتت وجاهتها وانخرمت تحت وطأة السؤال الأخلاقي والقيمي الذي يرفع السمت الديني ويوطنه في النظام البشري ككل؟

الأولى في هذا السياق التقاطعي المضطرب أن نعمل على التفكير في إنتاج أساليب جديدة لتأطير قضية “الأخلاق والثقافة الدينية” وجدوى تطوير علاقتنا بمنهاج التربية الدينية في مقرراتنا الدراسية ومناهجها الضعيفة.

وهو الشكل الملائم لإدارة علاقة اكتساب الثقافة الدينية تلك بباقي المناهج الدراسية والتربوية الأخرى، خصوصا تلك التي تشتبك في جوهرها مع الدرس الفلسفي والتاريخي والأدبي، وذلك من خلال رفض السماح بانتقاد خطابات الديانات المختلفة، وهو ما لا يسمح به مقرر الأخلاق والثقافة الدينية بإبطال الحقائق التي يزعمون أنها تبطل.

ولهذا لن يكون بمقدور مسؤولينا في التربية والتكوين أن يعملوا على إلغاء هذا النمط من التفكير، والاستعاضة عنه بدورة عن تاريخ الأديان تمنح لمتمدرسينا الفرصة لتنمية تفكيرهم النقدي واعتقادهم المبني على الاقتناع والحجاج الخطابي الرصين والمبادرة المبنية على التميز والتفوق والاقتدار.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

10
  • الوعي مسألة تراكمات .
    الأربعاء 12 يوليوز 2023 - 19:50

    يقول الأستاذ الفاضل .. ولهذا لن يكون بمقدور مسؤولينا في التربية والتكوين أن يعملوا على إلغاء هذا النمط من التفكير، والاستعاضة عنه بدورة عن تاريخ الأديان تمنح لمتمدرسينا الفرصة لتنمية تفكيرهم النقدي واعتقادهم المبني على الاقتناع والحجاج الخطابي الرصين والمبادرة المبنية على التميز والتفوق والاقتدار .. العملية برمتها سيدي فاسدة لأن المنطلقات ليست من نقطة الصفر وانما من داخل ما درجت عليه صغيرا بأنك الحق والآخر في ضلال . سوف تجد صعوبة في قراءة تاريخ الأديان لأنك في لاوعيك تعتبرها ضالة ومحرفة وحتى في نقاشاتك مع كتابات أهل الدين عن دينهم سوف تنتصر لعقيدتك ليبقى حوار الأديان مجرد كذبة لأن توحيد الأديان والعمل على استثمار المشترك بينها سوف يجعلك تؤمن بوجود خالق في احسن الأحوال أو قوة ما أنت لاتدركها . وان الأخلاق تنبع من الإنسان نفسه وليست بتوجيه من السماء.

  • Amaghrabi
    الأربعاء 12 يوليوز 2023 - 19:52

    لنفرض كما يقول كثير من الباحثين في تاريخ الاديان ان ظاهرة التدين كانت اختراع بشري من اجل راحته النفسية ومساعدته على الخوف المروع الذي كان يعيشه مع الطبيعة وفي حياته اليومية والاحداث الطبيعية وحتى الموت الذي بقي حائرا امامها جعلته يتجه الى ايجاد اجوبة للعالم المجهول الذي يخوفه ويزعجه في سيرورة حياته وبالتالي ففكرة الدين جاءت لمصلحة بشرية تجعله يعيش في راحة امام الاحداث الغريبة التي تفاجئه في كل حين ومن ذلك الوقت اصبح الديانات تظهر وتتجدد من عصر الى اخر وبالتالي فعبر التاريخ كان هناك تجديد اما بشري على حسب علماء الطبيعة البشرية او الاهي سماوي على حسب المعتقدين وبالتالي فاليوم لا بد من تجديد هذا الدين وتربية اطفالنا على الفكر العلمي الذي يحترم الدين والديانات وجعله منسجما مع الحياة العصرية التي تحترم العيش المشترك دون خلق صراع سياسي يخلط الدين بالسياسة وبالتالي في نظري جعل الدين مهته تهم صاحبه ويبقى بين الانسان وربه ويحترم نفسه وتحترمه المجتمعات والمخالفين له

  • نحن لانفترض
    الأربعاء 12 يوليوز 2023 - 20:49

    سيد مغربي نحن لا نفترض الأرض كانت عبارة عن كوة ثلج وبفعل حرارة الشمس بدأت تنصهر فظهرت اليابسة ثم تكونت الخلية الأولى بعد ذالك ظهر الديناصورات التي انقرضت لاسباب لم يتوصل لها العلم الى حدود الان رغم بعض الافتراضات . بعد ذالك ظهر البشر ولأنه كان الأذكى سيطر على كل الموجودات ولكن بعد أن دخل معها في صراع البقاء لملايين السنين ويوما ما سوف تختفي الأرض من خارطة الكون ولكن هل في نهايتها نهاية الإنسان ربما نعم وربما لا فقد يتوصل أحفادنا قبل زوال الأرض إلى امكانية الهجرة خارج المجرة واستعمار كواكب قابلة للحياة خارج درب التبانة فمن كان يتوقع أن يصل الإنسان للقمر قبل مئة عام من الآن . نحن لانفترض سيد مغربي نحن نحلل ظواهر اثبتها العلم وتحياتي

  • action direct
    الأربعاء 12 يوليوز 2023 - 22:12

    ألا تتفقون معي في قرائتنا لهذا الموروث غير الثقافي وغير المُحايد !!! سبب حضيض الأمة العربية والإسلامية !!!

    انيس محمد صالح

  • احمد
    الخميس 13 يوليوز 2023 - 09:06

    لكل عمل تنظير وتنزيل.
    اما التنظير(تجاوزا في حق الوحي ):
    “ولقد كرمنا بني ادم”
    فاساس الدين تكريم الانسان ايا كانت عقيدته وجنسه ومذهبه ولونه وفصيلته ووو.ولعمري هذا هو اساس كل خلق كريم.
    ياتي التنزيل:
    اي تطبيق هذا التنظير
    “وانك لعلى خلق عظيم”
    تبقى الاسوة في من خوطب بالوحي وطبقه على الكمال والتمام.
    اما جل من تكلم في الاخلاق تجده ينطلق من تخيلات واوهام بعيدا عن كل واقع وفي كثير من الاحوال يكون اول يدوس عليها عند التطبيق.

  • Lamya
    الخميس 13 يوليوز 2023 - 16:30

    بصراحة الله هو فوق الجميع, يعني رب العالمين كيفما كانت ديانتهم و توجههم الفكري و هو اعلم بخلقه و كيف تطوروا و يقص علينا في القران الكريم كيف تطورت بعض الديانات و تاريخها و ماذا يقولون و ان الله يهدي من يشاء و مسالة الايمان مسالة وجدانية قلبية و روحانية و ان الله جعل لكل امة شرعة و منهاجا… لذلك فالاسلام كان سباقا للاعتراف بوجود اختلاف في المعتقدات و ان الله خلق الناس امم مختلفين و لو حرصت على توحيدهم و جعلهم امة واحدة فذلك مستحيل..
    و لكن المشكلة ان الفهم الخاطئ للدين هو الذي ينتج معصبين لا يقبلون الاختلاف

  • إلى لمياء
    الجمعة 14 يوليوز 2023 - 22:10

    محمد قال في القرآن أن الإنجيل والتورات تم تحريفها وقال من يرتض غير الإسلام دينا فلن يقبل منه هذه آيات قطعية الدلالة قطعية الثبوت .. وبالتالي زعمك أن الإسلام آمن بالاختلاف لا تعززه الوقائع …

  • Amaghrabi
    السبت 15 يوليوز 2023 - 11:00

    الى رقنم 7 ,اذا لا تؤمن الا بالفكر الواحد وان الاسلام هو الدين الوحيد الذي يجب ان يسود في العالم بالسلم او القوة وبالتالي يجب الدفاع عن هذا الفكر وسفك دماء جميع الكفار المختلفين ويبقى فوق هذه االرض الا المسلم,فاجتمعوا سيدي وارغموا حكامكم ان يعلنوا الحرب عن جميع الدول في العالم وتطبيق المقول اسلم تسلم وان تدفعوا الجزية وانتم صاغرين وابدأوا في الجهاد فاعتقد انه اذا اعلنتم الحرب على الكفار فانه لن يبقى مسلم واحد فوق الارض ويبقى جميع المسالمين الذين يؤمنون بالاختلاف يعيشون بردا وسلاما في هذا العالم الجميل

  • اعينوس
    السبت 15 يوليوز 2023 - 20:17

    يجب تخليق الحياة العامة باسم الاخلاق الفاضلة المتعارف عليها عالميا بغض النظر عن الديماغوجيات الدينية او السياسية كي تترسخ الموضوعية في الحياة الاجتماعية ويختفي النفاق والصراع وتربية الشباب على الرياضة والتاخي ونبذ المخذرات والتنمر والضحك على الاخرين لان الحياة التي نعيشها لا نختارها بل في غالب الاحيان مفروضة علينا بفعل البيئة والمحيط والاسرة والتربية الدينية والمدرسية

  • اغيلاس
    السبت 15 يوليوز 2023 - 20:19

    الحرية التي يسعى اليها الناس ليست هي منحصرة في الحرية الجنسية بل الحرية هي مفهوم واسع وكبير ومن بين الحريات التي يسعى اليها الناس هي حرية المعتقد وحرية التعبير عن الراي بعيدا عن الديماغوجيات الدينية والسياسية

صوت وصورة
لوكهيد مارتن بمعرض مراكش
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 20:51

لوكهيد مارتن بمعرض مراكش

صوت وصورة
السيول تجتاح طرق أسني بالحوز
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 19:49 3

السيول تجتاح طرق أسني بالحوز

صوت وصورة
جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 16:47 2

جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06 9

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57 2

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة