الانتخابات انتهت، لكن المفاجأة الحقيقية ربما لم تبدأ بعد؛ فبعدما تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات التشريعية بـ97 مقعداً، متقدماً على التجمع الوطني للأحرار بـ66 والاستقلال بـ65، فيما عاد العدالة والتنمية بقوة إلى البرلمان بـ54 مقعداً، انتقل الصراع من صناديق الاقتراع إلى سؤال أكثر تعقيداً : من يستطيع أن يجمع 198 مقعداً حول طاولة واحدة؟ وهي نتائج ما تزال مؤقتة وفق ما أعلنته وزارة الداخلية.
في انتخابات 2021، كان الأحرار في الصدارة بـ102 مقعداً، وانتهت المفاوضات إلى حكومة جمعت الأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال. اليوم انقلب المشهد: البام أصبح أولاً، الأحرار تراجع إلى المركز الثاني، والاستقلال لا يفصله عن صاحب المركز الثاني سوى مقعد واحد، بينما عاد حزب العدالة والتنمية من 13 مقعداً إلى 54. أي أن الحزب الذي كان على هامش الخريطة البرلمانية تقريباً عاد الآن ليصبح واحداً من الأرقام التي لا يمكن تجاهلها بسهولة.
وهنا تبدأ المفارقة: الأصالة والمعاصرة فاز بالانتخابات، لكنه لم يفز بالحكومة. حصل على 97 مقعداً، ويحتاج إلى 101 مقعد إضافي للوصول إلى الأغلبية المطلقة البالغة 198 من أصل 395. بمعنى آخر، البام يملك مفتاح الباب، لكنه لا يملك وحده مفتاح الدخول، ومن هنا تبدأ لعبة التحالفات.
الفصل 47 من الدستور يمنح الحزب المتصدر موقعاً أساسياً في هذه المرحلة، إذ ينص على أن جلالة الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها. لكن الصدارة لا تعني امتلاك أغلبية جاهزة. فبعد ظهور النتائج تبدأ المفاوضات: من سيدخل؟ من سيبقى خارج الحكومة؟ ما البرنامج الذي يمكن أن يجمع هذه الأحزاب؟ ومن سيقبل بالتنازلات؟
أول سؤال مقلق إذن هو: هل يستطيع البام أن يجمع حوله من كانوا بالأمس خصوماً له؟
على الورق، هناك سيناريو يبدو مغرياً جداً: الأصالة والمعاصرة والاستقلال والعدالة والتنمية. الحساب بسيط: 97 + 65 + 54 = 216 مقعداً. أغلبية مريحة تتجاوز عتبة 198 بـ18 مقعداً. لكن السياسة تبدأ تحديداً عندما تنتهي عملية الجمع.
فهل يستطيع العدالة والتنمية أن يدخل حكومة يقودها الأصالة والمعاصرة، بعدما كان أمينه العام عبد الإله ابن كيران خلال الحملة الانتخابية من أشد منتقدي البام وحكومة عزيز أخنوش؟ ابن كيران لم يكتفِ بانتقاد الحكومة، بل وجه انتقادات مباشرة إلى الأحرار والبام، وتحدث عن تضارب المصالح والفساد وسوء التدبير، كما دعا قبل الاقتراع إلى إعطاء الحزبين “درساً” انتخابياً. وهذه مواقف سياسية منسوبة إلى ابن كيران والحزب، وليست أحكاماً قضائية على هذه الاتهامات.
وهنا تصبح المفارقة أكثر إثارة: هل يمكن لمن قال للناخبين بالأمس إن البام جزء من المشكلة أن يجلس معه غداً إلى طاولة الحكومة؟
قد يبدو الأمر متناقضاً، لكنه ليس مستحيلاً من الناحية السياسية؛ فالحملات الانتخابية تقوم على المنافسة والهجوم وطلب أصوات الناخبين، بينما تبدأ بعد الانتخابات مرحلة مختلفة تماماً: مرحلة المصالح والبرامج وشروط المشاركة وتوزيع المسؤوليات. لا توجد قاعدة سياسية تقول إن الخصومة الانتخابية تتحول إلى عداوة دائمة، كما لا توجد قاعدة تقول إن المصلحة وحدها تكفي لصناعة تحالف.
السؤال الحقيقي سيكون: هل يستطيع ابن كيران أن يشرح لقواعد حزبه لماذا أصبح الحزب الذي هاجمه بالأمس شريكاً محتملاً اليوم؟ وهل يستطيع البام بدوره أن يقبل بشريك كان أحد أبرز منتقديه؟
إذا حدث ذلك، فلن يكون مجرد تحالف حسابي، بل تحولاً سياسياً قد يثير العديد من الأسئلة المتعددة لدى الرأي العام.
لكن هناك طريقاً آخر: البام والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والحركة الشعبية. الحساب هنا يصل إلى 217 مقعداً. صيغة تمنح أغلبية مريحة من دون الحاجة إلى إدخال العدالة والتنمية إلى الحكومة. لكنها تحتاج بدورها إلى اتفاق سياسي وبرنامج مشترك، لأن 217 مقعداً على الورق لا تعني بالضرورة 217 صوتاً منسجماً عندما تبدأ القوانين والميزانيات والقرارات الصعبة.
ثم هناك السيناريو الذي سيجعل كثيرين يتساءلون: هل يمكن أن يعود التحالف الثلاثي السابق ولكن هذه المرة برئاسة سياسية مختلفة؟
البام والاستقلال والأحرار يملكون معاً 228 مقعداً. حسابياً، هذه أغلبية جد مريحة. وسياسياً، هذه الأحزاب تعرف بعضها البعض، لأنها شكلت الحكومة السابقة. لكن المشكلة أن ميزان القوى انقلب. ففي 2021 كان الأحرار في المركز الأول بـ102 مقعداً، بينما أصبح اليوم في المركز الثاني بـ66، في المقابل، انتقل حزب الأصالة والمعاصرة من 87 إلى 97 مقعدًا، ليتصدر المشهد الحزبي. لكن تصدّر الانتخابات لا يعني بالضرورة أن العودة إلى التحالف السابق ستتم بالشروط نفسها، خصوصًا في ظل حدة التراشق السياسي وتبادل الاتهامات بين قيادتي الحزبين خلال الحملة الانتخابية.
وهناك أيضاً سيناريو آخر محتمل: البام والأحرار والحركة الشعبية والاتحاد الدستوري. 97 + 66 + 29 + 17 = 209 أغلبية موجودة، لكن بهامش أقل من السيناريوهات الأخرى. وهي صيغة تضم أحزاباً لها تجربة في العمل الحكومي، لكنها تظل مجرد احتمال حسابي إلى أن تكشف المشاورات السياسية مواقف الأطراف.
وهنا تظهر أهمية الأحزاب التي لا تتصدر العناوين. ففي برلمان لا يملك فيه أي حزب الأغلبية، قد يتحول الحزب الذي يملك 17 أو 19 أو 26 أو 29 مقعداً إلى رقم صعب في لعبة تشكيل الحكومة. بعد الانتخابات، لا يعود السؤال فقط: من جاء أولاً؟ بل: من يملك المقاعد التي يحتاجها الآخرون؟
لكن المفاجأة الأكبر قد تكون في الجهة الأخرى من البرلمان: المعارضة. فعودة العدالة والتنمية بـ54 مقعداً تعني أن الحزب يستطيع، إذا بقي خارج الحكومة، أن يتحول إلى أحد أبرز مكونات المعارضة. وإذا خرج الأحرار أيضاً من الحكومة، فإن الحزب الذي قاد الولاية السابقة قد يجد نفسه أمام دور سياسي مختلف تماماً. وهكذا قد تكون أمامنا حكومة يقودها البام ومعارضة تضم أحزاباً ذات تجربة حكومية ووزن برلماني مهم.
وهنا لا يكفي أن تسأل: من سيدخل الحكومة؟ بل يجب أن تسأل أيضاً: من سيعارضها؟ وكيف؟
لأن الحكومة المقبلة لن ترث فقط خريطة سياسية جديدة، بل سترث أيضاً أسئلة المواطن القديمة: التشغيل، الأسعار، السكن، الصحة، التعليم، والاستثمار. والاختبار الحقيقي لن يكون في عدد المقاعد التي جمعتها الأحزاب، بل في عدد الوعود التي تستطيع تحويلها إلى نتائج.
المغرب مقبل على مرحلة تتطلب الانتقال من إطلاق المشاريع الكبرى والإعلان عن مؤشرات النمو، إلى قياس أثرها الحقيقي على الاقتصاد والمجتمع. فالميناء لا تكتمل أهميته إلا بما يخلقه من قيمة وفرص، والمنطقة الصناعية بما توفره من وظائف واستثمارات، والمشاريع الكبرى بما تتركه من أثر ملموس على حياة المواطنين. أما الاستعداد لكأس العالم 2030، فلا يتعلق فقط بتشييد الملاعب والطرق والفنادق، وإنما أيضًا بمدى قدرة هذه الاستثمارات على خلق مكاسب اقتصادية واجتماعية تستمر حتى بعد انتهاء البطولة.
ونحن نتحدث عن الرقم السري 198؛ هناك رقم لا يقل أهمية عن ذلك؛ يتمثل في نسبة المشاركة. فقد بلغت، وفق النتائج التي أعلنتها وزارة الداخلية، نحو38.08%، في انخفاض واضح مقارنة بانتخابات 2021. وهذا يضع أمام الحكومة المقبلة سؤالاً أكبر من تشكيل الأغلبية: كيف تستعيد ثقة المواطن الذي لا يعير اهتماما كبيرا للسياسة وقواعدها؟
لهذا، فإن السؤال بعد انتخابات 2026 لم يعد فقط: من تصدّر النتائج؟ فقد جاء البام في المرتبة الأولى بـ97 مقعدًا. السؤال الآن هو: كيف سيصل إلى أغلبية 198 مقعدًا؟ ومن سيشاركه في تشكيل الحكومة؟ ثم ماذا سيفعل بهذه الأغلبية بعد تشكيلها؟
هل سنرى تحالفاً يجمع خصوماً انتخابيين بالأمس؟ هل سيعود التحالف الثلاثي السابق ولكن بترتيبات جديدة؟ هل سيجد البام نفسه مضطراً إلى البحث عن أحزاب متوسطة لتأمين أغلبيته؟ أم أن المفاوضات ستنتج تركيبة لم تكن في حسابات أحد ليلة إعلان النتائج؟ كل ذلك سيحسمه التفاوض، لا الأرقام وحدها.
لكن الصدارة الانتخابية لا تعني امتلاك الحكومة. فالبام تصدّر النتائج، لكنه يحتاج إلى حلفاء لتشكيل الأغلبية.
وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي: هل يستطيع الحزب جمع خصوم الأمس حول حكومة واحدة؟
فالانتخابات منحته الصدارة، لا مفاتيح الحكومة.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.