بعد الخامس من أكتوبر

بعد الخامس من أكتوبر
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 00:54

في الخامس من أكتوبر من كل سنة، تتغير لهجة الناس قليلًا. تمتلئ صفحات التواصل بصور الأساتذة، وتتناسل عبارات الشكر والعرفان، ونسمع من جديد تلك الجمل المحفوظة عن «الرسالة النبيلة» و«صناعة الأجيال». يُخيَّل إليك ساعتها أن المدرس صار أهم رجل في البلد.

ثم يمر اليوم، ويأتي السادس.

يستيقظ المدرس باكرًا كعادته، ويحمل محفظته وأوراقه، ويدخل حجرة قد تكون ضيقة أو مكتظة، وربما ينقصها إصلاح عاجل. ويبدأ يومًا عاديًا جدًا، لا أثر فيه لكل ما كُتب عنه قبل ساعات.

لا أكتب هذا لأُنغّص على زملائي فرحتهم بيومهم، ولا لأقلل من شأن الكلمة الطيبة. نحن نحتاجها فعلًا، وأكثر مما يظن الناس. لكنني أعتقد أن الكلمة وحدها لا تكفي، وأن قيمتها تتضاعف حين يتبعها فعل.

فالمدرس لا ينقصه أن يسمع مرة في السنة أنه «صانع الأجيال»، ثم يُترك بقية الأشهر يتدبر أمره وحده.

ثم إن المدرس اليوم لم يعد يدخل القسم ليشرح درسًا في التاريخ أو الجغرافيا أو الرياضيات فحسب. يدخل ومعه ما لا يُدرَّس: تلميذ تضغط عليه ظروف اجتماعية قاسية، وآخر انطفأت رغبته في الدراسة، وثالث تشغله مشاكل البيت، ورابع يعيش مع هاتفه أكثر مما يعيش مع كتبه، وخامس وصل إلى مستوى متقدم وهو لا يملك أبسط التعلمات الأساسية.

ومع ذلك يُنتظر منه أن يأتي بالنتائج. عليه أن يواكب الجميع، ويدعم المتعثرين، ويراعي الفروق بين التلاميذ، ويوظف التكنولوجيا، ويشارك في الأنشطة الموازية، وينزّل الإصلاحات الجديدة، ويملأ الوثائق، ويحضر الاجتماعات، ويضبط القسم، ويتواصل مع الأسر، وفي الأخير يُحاسَب على نسب النجاح.

هذا كله يبدو جميلًا حين يُكتب في وثيقة. لكن المدرسة ليست وثيقة.

من يقف أمام السبورة كل صباح يعرف أن المسافة بين ما يُكتب في الوثائق وما يحدث داخل الحجرات قد تكون أطول بكثير مما نتصور. هناك قسم حقيقي، وتلاميذ حقيقيون، وأستاذ يقف أمامهم ساعات طويلة، بإمكانات لا توازي دائمًا حجم ما يُطلب منه.

والمفارقة أن نظرة المجتمع إلى المدرس تسير في اتجاهين متعاكسين. حين يُفتح موضوع الإصلاح، يقال إن الأستاذ هو حجر الزاوية، وحين تأتي النتائج دون المأمول يكون أول من يُسأل: ماذا فعلتم؟

وبين الجملتين مسافة لا يُستهان بها. فإذا كان الأستاذ أساس الإصلاح حقًا، فلماذا لا يكون تحسين ظروف عمله جزءًا من الإصلاح نفسه؟ ولماذا نظن أن تطوير المدرسة يبدأ دائمًا بمذكرة جديدة أو مقرر معدّل أو نظام مستحدث، ونتناسى أن كل ذلك سينتهي عند رجل أو امرأة يقف داخل قسم، عليه أن يحوّل نصوصًا إدارية إلى ممارسة تربوية حية؟

لا يمكن أن نطلب من المدرس أن يكون بطلًا خارقًا. ولا يصح أن نحمّله وحده أعطاب الأسرة والإعلام والشارع، وآثار الفقر والبطالة والهدر المدرسي وضعف البنيات، ثم نطالبه بأن ينتصر في كل هذه الجبهات. المدرس جزء من المنظومة، وليس المنظومة كلها.

وربما علينا هنا أن نراجع صورته في أذهاننا. الاحترام الحقيقي لا يعني أن نضعه في مقام القديس الذي لا يخطئ، ولا أن نعامله كموظف مسؤول عن كل شيء. هو إنسان مثلنا، يتعب ويخطئ، ويحتاج إلى تكوين وتحفيز، ويحتاج قبل ذلك إلى أن يحس بأن المؤسسة التي ينتمي إليها تسنده وتحميه، ولا تتركه وحيدًا أمام انتظارات لا تنتهي.

وأخطر ما قد يصيب التعليم أن يفقد المدرس شيئًا من حماسه. فالتلميذ قد ينسى درسًا، وقد ينسى تاريخ معركة أو تعريف مفهوم جغرافي، لكنه قلّما ينسى الأستاذ الذي جعله يحب المادة، أو منحه الثقة في نفسه، أو قال له في لحظة ما: «أنت قادر».

لذلك لا أرى في الاستثمار في المدرس ترفًا. حين نحسّن تكوينه، ونوفر له شروط عمل لائقة، ونصون كرامته، ونصغي إلى مشاكله، ونمنحه هامشًا من الثقة والاستقلال المهني، فنحن لا نخدمه وحده، بل نخدم التلميذ والمدرسة والمجتمع معًا.

أما أن نتذكر المدرس في الخامس من أكتوبر وننساه في السادس، فهو أشبه بمن يزور المريض في المستشفى يوم الزيارة، ثم ينسى مرضه ما إن يخرج من الباب.

ولعل المدرس المغربي سمع ما يكفي من الخطب عن عظمة رسالته. ما ينتظره هو أن نرى هذه العظمة في السياسات والقرارات والميزانيات وظروف العمل، لا في الكلام وحده.

فحين تنطفئ شموع الخامس من أكتوبر، وتختفي المنشورات من صفحاتنا، ويعود كل واحد إلى شأنه، يبقى المدرس في مكانه، داخل القسم. يشرح ويصبر ويعيد، ويشجع ويصحح، ثم يبدأ من جديد.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
مشاركة وازنة للإمارات بمعرض مراكش
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 22:05 1

مشاركة وازنة للإمارات بمعرض مراكش

صوت وصورة
أول دورة وطنية للقراءة بالفرنسية
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 21:36

أول دورة وطنية للقراءة بالفرنسية

صوت وصورة
مقر الطيران العربي بالرباط
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 19:31

مقر الطيران العربي بالرباط

صوت وصورة
طريق متهالكة تعرقل التمدرس
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 15:15 3

طريق متهالكة تعرقل التمدرس

صوت وصورة
الأباتشي في عرض جوي بمراكش
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 12:43 7

الأباتشي في عرض جوي بمراكش

صوت وصورة
سيارات الأجرة والزيادة في التعريفة
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 09:15 10

سيارات الأجرة والزيادة في التعريفة