في تقريره الفصلي للسياسة النقدية (شتنبر 2026)، رصد بنك المغرب تداعيات تصاعد التوترات الجيو-سياسية بالشرق الأوسط واضطراب سلاسل التوريد العالمية على حسابات المغرب الخارجية، مؤكدا-مع ذلك-استمرار تعزّز احتياطيات الصرف وتغطيتها للواردات.
وأوضح التقرير أنه “بعد هدوء مؤقت” أعقب توقيع الاتفاق المؤقت بين واشنطن وطهران، شهدت البيئة الدولية منذ مطلع الفصل الثالث من 2026 تصعيدا جديدا للتوترات، مع استئناف الأعمال العدائية في الخليج وتفاقم المواجهات بين روسيا وأوكرانيا، ما أدى إلى “ارتفاع متجدد لتقلبات أسعار المواد الأولية الطاقية والغذائية وتعميق حالة عدم اليقين”.
انخفاض سعر النفط في 2027
على مستوى سوق النفط، شهدت أسعار خام “برنت” تقلبات حادة على خلفية اضطراب حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الطاقية في بعض الدول المنتجة الكبرى، قبل أن تُخفَّف حدّة الارتفاع بفضل تعزيز إنتاج “أوبك+” والإنتاج الأمريكي واللجوء إلى المخزونات الاستراتيجية.
ويتوقع “المركزي المغربي” أن يستقر متوسط سعر البرميل عند 87,2 دولارا خلال 2026 (مقابل 68,2 دولارا في 2025)، قبل أن يتراجع إلى 73,5 دولارا في 2027.
كما ستبقى أسعار الفوسفاط ومشتقاته مرتفعة هذه السنة بفعل ارتفاع كلفة مدخلات أساسية كالكبريت والأمونياك المرتبط باضطراب التزود جراء نزاع الشرق الأوسط، إضافة إلى استمرار القيود الصينية على تصدير الأسمدة الفوسفاطية، فيما ستواصل أسعار المواد الغذائية العالمية ارتفاعها (+2,3% في 2026) بفعل غلاء الأسمدة وتواتر الجفاف واضطراب صادرات الحبوب عبر البحر الأسود.
الحسابات الخارجية
على مستوى الحسابات الخارجية للمغرب، أظهرت المعطيات الرسمية المتوفرة إلى غاية يوليوز 2026 “ارتفاع الواردات” بنسبة 15,9% إلى 544 مليار درهم، مدفوعة بارتفاع فاتورة الطاقة بـ29,1% إلى 81,2 مليار درهم وارتفاع واردات المواد الخام (الكبريت أساسا) بـ52,2%، مقابل تقدم الصادرات بـ8,4% فقط إلى 299,4 مليار درهم، ما أدى إلى تفاقم العجز التجاري بـ26,5% إلى 244,7 مليار درهم وتراجع معدل التغطية إلى 55% بعد 58,8%.
في المقابل، واصل “فائض الميزان الخدماتي” تحسّنه (+13,2% إلى 95,5 مليار درهم)، مع ارتفاع عائدات الأسفار بـ13,4% إلى 79 مليار درهم وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج بـ8,1% إلى 74,8 مليار درهم، فيما تقدم صافي تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة بـ58,5% إلى 29,5 مليار درهم.
وفي ظل هذا السياق، توقّع بنك المغرب اتساعا ملحوظا لعجز الحساب الجاري من 2,4% من الناتج الداخلي الخام في 2025 إلى 4,6% في 2026، قبل أن يتراجع إلى 3% في 2027. ورغم ذلك، أكد التقرير أن احتياطيات الصرف الرسمية ستواصل تعززها؛ إذ بلغت 498 مليار درهم في متم يوليوز (+22,7% مقارنة بالسنة الماضية)، أي ما يعادل 5 أشهر و25 يوما من الواردات. ومن المرتقب أن ترتفع إلى 502,8 مليار درهم في متم 2026 (ما يعادل نحو 5,8 أشهر من الواردات) ثم إلى 515,3 مليار درهم في متم 2027 (5,5 أشهر)، “شريطة تحقق التمويلات الخارجية المرتقبة” لخزينة الدولة.
موازين المخاطر “سلبية”
حذّر مجلس بنك المغرب من أن “موازين المخاطر تبقى مائلة نحو التراجع بالنسبة للنمو، خصوصا في حال تفاقم التباطؤ الاقتصادي العالمي المرتبط بالتوترات الجيو-سياسية، ونحو الارتفاع بالنسبة للتضخم”، شارحا أنه “قد يؤدي استمرار تلك التوترات إلى زيادات أكبر من المتوقع في أسعار الطاقة العالمية وانتقال أثرها إلى مختلف مكونات مؤشر الأسعار للاستهلاك”.
وفي المقابل، تبقى “تداعيات هذه الضغوط على الأسر المغربية محدودة إلى حد الآن”، بفضل الدعم الموجّه لمهنيي النقل الطرقي والحفاظ على أسعار غاز البوطان والكهرباء؛ إذ استقر التضخم عند مستوى ضعيف بلغ 0,3% في المتوسط خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة (وحتى -0,6% في يوليوز وحده)، على أن يرتفع تدريجيا إلى 0,7% خلال كامل السنة ثم 1,5% في 2027.
وعلى صعيد الطلب الداخلي، زاد استهلاك الأسر بنسبة 4,6% في حجمه خلال الفصل الأول من 2026 (مقابل 1,1% فقط قبل سنة)، مساهما بـ2,6 نقطة في النمو، ومن المتوقع أن يحافظ على وتيرة قوية في حدود 4% خلال الفصلين الثاني والثالث، مدعوما بتراجع التضخم وتحسّن المداخيل الفلاحية.
كما استفاد سوق الشغل من هذه الدينامية، حيث أحدثت المقاولات 406 آلاف منصب شغل بين الفصلين الثاني لسنتي 2025 و2026، وتراجعت البطالة إلى 9,5% على المستوى الوطني (11,9% بالمدن و5,4% بالقرى)، رغم بقائها مرتفعة في صفوف الشباب (27,2%).
ومع ذلك، ورغم هذه الدينامية الاستهلاكية، يُتوقع أن يتباطأ النمو الاقتصادي الإجمالي من 4,9% في 2025 إلى 4,4% في 2026 ثم 2,9% في 2027، تبعا لتراجع متوقع للقيمة المضافة الفلاحية بعد الارتفاع القوي المسجل هذه السنة.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.