بوجبير: الرقمنة والرأسمال البشري يتحكمان في إصلاح الإدارة العمومية

بوجبير: الرقمنة والرأسمال البشري يتحكمان في إصلاح الإدارة العمومية
كاريكاتير: عماد السنوني
الخميس 22 ماي 2025 - 04:00

يقف المغرب اليوم على عتبة تحول حاسم في مسار تحديث الإدارة وتعزيز أداء القطاع العمومي، باعتباره أحد الركائز الأساسية لتحقيق التنمية الشاملة وترسيخ الحكامة الجيدة. وفي سياق تتسارع فيه وتيرة الإصلاحات، تبرز الحاجة الملحّة إلى مقاربات متكاملة تزاوج بين الإرادة السياسية والفعالية المؤسسية، وتضع المواطن في صلب الاهتمام العمومي.

وفي مقال تحليلي توصلت به هسبريس من فؤاد بوجبير، باحث في علوم الإدارة والتدبير العمومي، يحضر رصد لمعالم هذا التحول وتشخيص للتحديات البنيوية والوظيفية التي لا تزال تعيق إقلاع القطاع العمومي، كما يقدم رؤية متكاملة حول آليات تحسين الأداء الإداري، من خلال تفعيل الرقمنة، والارتقاء بجودة الخدمات، وتمكين الموارد البشرية، وتكريس اللامركزية واللاتمركز، وذلك في أفق بناء نموذج إداري فعال ومتجاوب مع انتظارات المواطنين.

نص المقال:

يقف المغرب اليوم عند مفترق طرق مفصلي في ترسيخ جهوده الرامية إلى التحديث وتعزيز قدرات القطاع العمومي، باعتباره حجر الزاوية في تحريك التنمية الشاملة ودعم الحكامة الرشيدة.

ففي الوقت الذي تقوم فيه البلاد بتسريع برنامجها الإصلاحي، يتفق الخبراء وصانعو السياسات العمومية على ضرورة توفر عوامل مترابطة عدة من شأنها تحديد نجاح واستدامة هذا التغيير. ففي قلب أي إصلاح ذي معنى تكمن إرادة سياسية قوية وداعمة.

في المغرب، أكدت السلطات العليا مرارًا وتكرارًا ضرورة إصلاح الإدارة العمومية بغية تحسين الكفاءة والشفافية وكسب ثقة المواطنين.

فقد حرصت الخطب الملكية السامية على جعل إصلاح القطاع العمومي في صدارة الأولويات، غير أن ترجمة هذه الرؤية إلى تغييرات ملموسة تتطلب تنسيقًا فعالًا على جميع المستويات والتزاما حازما من طرف المسؤولين الإداريين، الذين يجب أن يكونوا قدوة حسنة للآخرين .

من المؤكد التوجهُ نحو مقاربة تركز على إيلاء أهمية كبرى للمواطنين المرتفقين؛ فإصلاح القطاع العمومي لا يقتصر فقط على مجرد إعادة هيكلة داخلية، بل يتعلق الأمر، بشكل أساسي، بتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطن.

لقد بدأ المغرب في الابتعاد عن النموذج البيروقراطي الجامد مقابل التركيز على إعطاء الأولوية لاحتياجات وتوقعات المستفيدين. ويتجلى هذا على الخصوص في مجموعة من المبادرات مثل التحول الرقمي للخدمات الإدارية، وتطبيق ميثاق المواطنة بالمؤسسات العمومية.

لقد كان التعقيد والغموض اللذان يكتنفان الإجراءات الإدارية لفترة طويلة تحديا كبيرا. ولمعالجة ذلك، كان لِزاماً إعطاء الأولوية لتبسيط المساطر الإدارية والرقمنة. وقد حقق المغرب تقدمًا ملحوظًا في هذا الصدد، من خلال اعتماد منصات رقمية مثل البوابة الالكترونية www.chikaya.ma لتلقي شكايات المرتفقين وكذا تحسين جودة الولوج إلى الخدمات في مختلف المجالات مثل الضرائب والعدل والصفقات العمومية.

ومع ذلك، فإن ضمان استفادة جميع المناطق، وخاصة المناطق القروية وكذا تلك التي تعاني نقصًا في الخدمات، من الخدمات الرقمية يمثل مصدر قلق دائم يتطلب تجاوزه تنمية شاملة للبنية التحتية.

كما يعد الرأسمال البشري عنصرا حاسما في هذا التطور؛ بحيث لا يمكن لأي إصلاح أن يحقق النجاعة والفاعلية بدون تكوين مستمر جيد للموظفين العموميين، والتحلي بسلوكيات أخلاقية نموذجية وتوفير بيئة عمل محفزة.

لقد أطلق المغرب مبادرات عدة همت تعزيز قدرات الوظيفة العمومية، وتحسين مستوى التكوين، وترسيخ ثقافة إدارية تركز على ضمان النتائج والفاعلية.

إن الإصلاحات التي همت أنظمة الوظيفة العمومية وتعزيز ممارسات التوظيف والترقية القائمة على الاستحقاق، هي إصلاحات تهدف إلى إزالة الطابع السياسي للتعيينات وتعزيز الروح المهنية. ومع ذلك، مازالت هناك تحديات متعلقة في بعض الحالات بالغموض في تدبير الموارد البشرية، كما أكدت على ذلك المؤسسات الرقابية، يتعين معالجتها من خلال أنظمة شفافة وتعزيز الرقابة.

تعزيز مسار اللامركزية عرف بدوره تقدمًا كبيرًا، فاعتماد المقاربة المغربية للجهوية المتقدمة منح المزيد من السلطة والاستقلالية للجهات والجماعات المحلية، ويهدف هذا البعد المجالي للإصلاح إلى جعل الفعل العمومي أكثر استجابة وتكيفًا مع الواقع المحلي. ولكي تكون الجماعات المحلية أكثر فاعلية، فعليها، إلى جانب تمتعها بالاستقلالية القانونية، أن تتمتع أيضًا بالقدرات الإدارية والموارد المالية اللازمة لإدارة برامج التنمية بتوافق مع الاستراتيجيات الوطنية.

علاوة على ذلك، ونظرًا لأن النتيجة الطبيعية لللامركزية هي اللاتمركز الإداري، فمن الضروري تسريع تنفيذ جميع أحكام الميثاق الوطني للاتمركز الإداري، ولا سيما منح صفة آمر بالصرف جهوي لرؤساء المصالح اللاممركزة على المستوى الجهوي لتمكينهم من صرف الاعتمادات المخصصة لها.

في الأخير، فإن نجاح الإصلاح يعتمد على القدرة على تتبع التقدم وضمان المساءلة. لقد أحرز المغرب تقدمًا في هذا المجال من خلال تعزيز دور وصلاحيات ومهام مؤسسات مثل المجلس الأعلى للحسابات، والهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومكافحتها، وهيئات الرقابة البرلمانية. هذه الأجهزة تلعب دورًا أساسيًا في تتبع الأداء واكتشاف أوجه القصور.

مع ذلك، تبقى الحاجة إلى ثقافة مبنية على تقييم أكثر منهجية وشفافية، تدمج ملاحظات المواطنين وتعزز التعلم المستمر.

مع تقدم المغرب، يظل إصلاح القطاع العمومي، في آن واحد، ضرورة حتمية وطنية ومشروعا معقدا، سيعتمد نجاحه ليس فقط على نصوص قانونية وبرامج جديدة، ولكن أيضًا على تعزيز ثقافة حكامة راسخة في النزاهة والأداء وثقة المواطن. فبفضل مزيج حكيم من القيادة السياسية والابتكار المؤسساتي والالتزام الوطني، يمكن للقطاع العمومي المغربي أن يصبح محركًا حقيقيًا للتنمية والتماسك الاجتماعي.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

7
  • سعيد
    الخميس 22 ماي 2025 - 04:28

    إذا كنتم فعلا تريدون التقدم بالمغرب إلى الأمام ليواكب الأحداث التي على موعد معها لتحقيق الإقلاع واللحق بركب الدول المتقدمة هو تطهير الإدارة المغربية من جيل سنوات الرصاص لأن هذا الجيل عطل المسار التنموي طيلة ال25 سنة الأخيرة وإشراكه في قيادة البلاد سيعني عدم لحاق المغرب بركب التقدم لذلك إليكم الوصفة السحرية :
    – تعديل شروط اجتياز امتحان الباكالوريا أحرار وجعله بدون قيد أو شرط يتعلق بالسن أو المستوى الدراسي وهذا للسماح للمنقطعين عن الدراسة من جيل التسعينات فمافوق بالحصول عليه
    – فتح مركبات التكوين المهني BOOTCAMP لإعداد الموظفين من الجيل الجديد ومنحهم شواهد معترف بها بعد التخرج وإتاحة التكوين حتى 40 سنة على أقصى تقدير
    – توظيف الأجيال الشابة في مختلف الإدارات والقطاعات مع إحالة جيل سنوات الرصاص على التقاعد
    – تسليم قيادة البلاد للقيادة الشابة سيجعلنا نتخلص من الإرث الاستبدادي الذي كرسه ورسخه جيل سنوات الرصاص لأن جيل التسعينات فما فوق جيل حداثي وتقدمي وليبيرالي ومؤمن بالقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان ومتفاعل مع التكنولوجيا الحديثة وهذا هو الجيل الذي نحتاجه لقيادة مغرب المونديال وبعد المونديال

  • الى سعيد
    الخميس 22 ماي 2025 - 09:26

    جيل التسعينات مواكب للتكنولوجيا الحديثة مواكب للبعابع جمع بعبوع ،مواكب لمباريات بين سبور والقهاوي والكدوب ، جيل التسعينات هو الجيل الاكثر مغادرة لصفوف الدراسة
    لولا جيل الخمسينات والستينات لكان البوليزاريو يحتسي الشاي حاليا ف marina agadir
    جيل التسعينات حسب رقم المعاملات التجاري لاحدى شركات مواد التنظيف هو الجيل الذي اسعمل الصابون بكميات كبيرة
    سير اوليدي هز سروالك راه طايح ليك

  • fatima
    الخميس 22 ماي 2025 - 10:10

    لا يمكن للبلاد أن تتقدم على مستوى الدولة بسبب كثرت المقاهي وكثرة الأماكن التي يُهدر فيها الوقت دون إنتاج، ل نتقدعلى الدولة بناء مدارس ومستشفيات عالية الجودة، ونقص العديد من الإدارات، التي تمثل مصدرًا للبيروقراطية والفساد. واليوم، يُعيق أي تقدم هذا العدد في الإدارات، وزارة الداخلية، وهو السبب الرئيسي في إعاقة أي تطور في سياسات الباشا إلى المقدم، بما في ذلك الشيخ. ووووووو

  • احمد
    الخميس 22 ماي 2025 - 11:03

    أين هي الرقمية ؟ مواقع الادارات والوزارات والمؤسسات العمومية لا تجد بها حتى المعلومة الصحيحة يجب أن تتنقل بنفسك لتطلب المعلومة ولا تحصل عليها مرة واحدة وما لا يتقبله عقل الإنسان حينما يطلبون منك نسخة من وثائق صدرت من نفس المصلحة! إدارة الضرائب تطلب وصل الاداء للضريبة وشهادة إبراء الدمة المحافظة تطلب نسخة من شهادة الملكية امانديس تطلب نسخة من عقدة الاشتراك…..

  • ولد التسعينات
    الخميس 22 ماي 2025 - 13:44

    الله يشافيك يا عمي من الحقد على جيل التسعينات باين شي واحد فيهم اعتدى عليك وأنت في أرذل العمر أنصحك بالذهاب عند طبيب نفسي للعلاج

  • Marocain
    الجمعة 23 ماي 2025 - 08:08

    تُعارض الإدارة المغربية الرقمنة الفساد الإداري. لطلب وثيقة، يجب تقديم 100 وثيقة، حتى تُغلق جميع الأبواب، ويُهدر 68% من إيرادات الدولة على الإدارة. ماذا تبقى لتنمية البلاد؟ هذا ما يُسمى ببلد البيروقراطية بكل معنى الكلمة.

  • استاذ براهيم
    الأحد 25 ماي 2025 - 17:11

    مقال فؤاد بوجبير يعكس رؤية عميقة وفهم دقيق لتعقيدات إصلاح الإدارة العمومية في المغرب، ويبرز توازنًا محكمًا بين التشخيص الواقعي والتطلعات المستقبلية. تركيزه على الرقمنة والرأسمال البشري كمحورين أساسيين للإصلاح يُعتبر توجهًا سليمًا، لأن أي تحول إداري حقيقي لا يمكن أن يتحقق دون كفاءات بشرية مؤهلة وأنظمة رقمية حديثة تسهّل وتبسّط المساطر.

    أكثر ما يُحسب له في هذا المقال هو أنه لا يكتفي بوصف التحديات، بل يقترح حلولًا واقعية وقابلة للتنفيذ، كضرورة تعميم الرقمنة على المناطق القروية، وتفعيل ميثاق اللاتمركز الإداري بشكل جاد، إضافة إلى التركيز على تقييم الأداء والمساءلة. كذلك، لم يغفل أهمية البعد الأخلاقي في الوظيفة العمومية، وهي نقطة جوهرية غالبًا ما يتم تهميشها في الخطابات الإصلاحية.

    بوجبير قدّم مقاربة متكاملة تنطلق من المواطن وترتكز على الحكامة، وهذا بالضبط ما يحتاجه القطاع العمومي المغربي ليكسب ثقة المواطنين ويواكب رهانات التنمية.

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة

صوت وصورة
مضادات "درون" مصنوعة مغربيا
السبت 10 أكتوبر 2026 - 21:30 3

مضادات "درون" مصنوعة مغربيا

صوت وصورة
الدار البيضاء تتضامن مع غزة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 20:15 2

الدار البيضاء تتضامن مع غزة

صوت وصورة
سعر الدجاج بـ24 درهما
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:45 10

سعر الدجاج بـ24 درهما

صوت وصورة
لشكر .. تحالف "البام" والكتلة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:15 8

لشكر .. تحالف "البام" والكتلة

صوت وصورة
صقور السعودية في سماء مراكش
السبت 10 أكتوبر 2026 - 16:32 3

صقور السعودية في سماء مراكش