في ثنايا ذاكرة ممتدة كشريط طويل، تعبر بنا صوب مدارج الصبا، لتفتح شرفة الأيام على الغيوم الطرية، مستبصرة جزءا من مشاهد متكاملة بتوتراتها وانفعالاتها ومغامراتها.. وبوضوح مفتوح على أقصى حدوده، مانحة للطفولة ظلا قد يختلف عن صاحبه الآن، لكنه يظل يُمسك بشخصيات وأحداث وبحالات إنسانية مكتملة الأبعاد والتأثيرات؛ فالطفولة استمرار لإيقاع متسارع يصوغ التجربة، إذ تبقى شديدة الوفاء للحظات غير قابلة للانعطاف، بعدما شكلت ضمن نسيجها المضيء مراحل لها خصوصيتها وتفاصيلها البسيطة..
ومن تلك الانعطافات، أتذكر المطعم الشعبي المعروف بـ”التلمبوطي” لصاحبه محمد الجبري الذي يوجد بأدراج “الرمانِي” . دكان صغير جدا يستوعب بسحر معاملاتي رحب كل سكان المدينة والضيوف.. مع مساحة خارجية مقتضبة ومرتبة تضم طاولات وكراسٍ. فالكل ينتظر دوره في صبر وفرح ويراقب أدخنة “البيصارْ ” الصاعدة من جمرات الموقد.
كان “التلمْبُوطي” نسبة إلى مدشر تلمبوط بضواحي شفشاون، بهندامه الأبيض الأنيق وطربوشه الأحمر وملامحه الدالة على المثابرة والعمل الدؤوب، يقف في ممر المطعم الضيق بهيبة الطباخ الواثق من منتوجه، يقدم في الصباح الباكر إلى ما بعد الزوال أكلة “البيْصارْ” وفي المساء شربة الحريرة التي تنتشر رائحتها اللذيذة على مسافة بعيدة إلى حد ما من المحل. كان يتفنن في إعدادها بكل ما يلزم من مقادير ومن بقايا العظام الطرية التي تطلق بنكهتها داخل الطنجرة الكبيرة.

وأنا طفل، كنت رفقة أترابي نوفر بعض السنتيمات ونتوجه إلى هذا المطعم توا، نبحث عن مكان للجلوس، فيطلب كل واحد منا زلافة أو نصفها والتي كانت في شكلها طينية بزخارف تقليدية مختلفة.
وأتذكر ذات مرة أنه كان يجاورنا في الطاولة أحد المجاذيب، وكان بدوره يرتشف الحريرة ببطء وأناة ويرصدنا، ومن شدة إعجابنا بمذاقها، كنا نتناولها بتلذذ مفرط وبملاعق أكبر من أفواهنا الصغيرة، حيث وصل بعضنا إلى قعر الزلافة وبدأ يكشط بقايا الحريرة بها، لعله يضفر ولو بربع ملعقة متبقية، فما كان من المجذوب إلا أن بادر صاحب المطعم باستغراب واحتجاج قائلا: المْعلمْ راهُومْ كيَكْلولَكْ الزْواقْ دَالزْلافة (أي إنهم يأكلون زخارف الزلافة).
أصبح الدكان، فيما بعد ومنذ سنوات بعيدة وحتى بعد وفاة صاحبه، يقدم أكلة “البيصارْ ” فقط، صباحا ومساء والتي يعدها أبناؤه، حتى صارت شهيرة بـ”بيصارْ التلمبوطي”. فتجد البعض يقصد الدكان في الصباح الباكر ليتناولها كوجبة للفطور مع شرائح البصل والزيتون المتبل وكأس شاي منعنع يطلبه الزبون من المقاهي المحاذية، بعد أن يكون صاحب المطعم قد سهر على إعداد عصير “التشْريدْ” (حبات الفول) فجراً، وفق مواصفات غاية في الضبط؛ فيما البعض الآخر يفضل تناول “البيْصارْ” في المساء.
وفي كلا الحالتين، كانت هذه الأكلة وما زالت تجد إقبالا كبيرا، حتى أنها تنفد عن آخرها.. بل امتد تأثيرها على الأذواق، ليشمل بعض النساء الحوامل في شهور الوحم، حيث يطلبن من أزواجهن جلب أكلة “البيصارْ” لنكهتها المحببة.. فضلا عن فئة تحبذ أن تأتي بالأواني لشراء “البيصارْ” وحملها إلى البيت، قصد تناولها مع أفراد الأسرة أو رفقة الأصدقاء في مكان ما.
بيصار التلمبوطي فعلا لها نكهة خاصة لهذا تجد الكل يتردد على دكانه إلى اليوم
الشاون من أجمل المدن هدوء وسكينة وناس طيبة
شكرا هسبريس على هذه النوسطالجيا حول أكلة البيصارة بمدينة الشاون التي أزورها باستمرار
البيصارة والحرور والشتا اللهم صيبا نافعا
السلام عليكم اليوم نيت طاحت الشتا الحمد الله والبرد نمشي نيت نصايبها الغذاء دفينا جوفنا اللهم لك الحمد على نعمه الظاهرة والباطنة .
الاكلات الشعبية لها مذاقات خاصة وبنة مختلفة
رحمة الله على صاحب هذا المطعم و جزاك الله على هذا الكلام الجميل في حقه .
أحسن أكلة في فصل الشتا مع الحرور والكامون وشي براد نتاع أتاي
متى ستصبح ”بيصارْ التلمبوطي الشفشاونية”ماركة مسجلة تباع في جميع بقاع العالم كما هو الشأن لأكلات “ماك دونالدز الأمريكية” ؟
السؤال يحتاج لأجوبة من عند المختصين في الإيداع والتصدير ومن المعاهد العليا في التجارة الدولية والمختبرات ومكاتب الدراسات المشهورة بالاختراع وغزو الأسواق بالإبداع في التكنولوجيا والصناعات بما في ذلك الصناعة الغدائية.
كانوا جبالة اهل شفشاو وزان معروف عليه تيبسو البيصارة فالصيف يعني تطبخ وتنشر فالشمس حتى تيبس ( على طريقى الغاسول البلدي ) ويخزنوها في قلل الخزف في مدة قصيرة وتتجيهم ساهلة فالتوجاد فاي وقت يتشهاوها / اعشق المغرب شماله وجنوبه شرقه وغربه ووسطه عادت وتقاليد وحب وروعة لامثيل لها المطلوب المحافظة عليها / شكرا للكاتب فالحقيقة وصفك تيشهي
مقالا أكثر من رائع في حق رجل كان يقتات من عمل بسيط ينفع به زواره . أحسن عمل يقدمه الإنسان عندما يموت و يذكر بأعماله الحسنة .رغم أنه قدم عملا بسيطا إلا أنه شكر عليه حيا و ميتا .نترحم عليه و على كل من قدم عملا صالحا لإخوانه .
البيصارة أكلة رائعة ذأب على أكلها السكان الأولون و خصوصا ناس المنطقة الشمالية نظرا لمنفعتها و ثمنها البسيط خصوصا أيام البرد و الشتاء .
فعلا الشاون مدينة جميلة، لكن ينتشر فيها تدخين نبتة الكيف والحشيش..
,رحم الله المعلم التلمبوطي كان رجلا قنوعا طيبا يحب الخير للجميع
أسلوب جميل وراق وكلام منسق حالم يمتح من ماض جميل مازالت اثاره تعانق الكثير منا حسب جهات المغرب،حيث تعد هذه الشربة الساخنة في المقاهي الشعبية وفي البيوت أيضا،شخصيا أعدها هنا في فرنسا من حين لآخر وبشكل مستمر ومتوالي وخاصة في أيام البرد مع براد ديال أتاي والشيبة ،شهية طيبة ، بيني وبينكم فطرت بها هذا الصباح بعد عودتي من العمل٠
اكلة البيصار معروفة عند جبالا . وهي اكلة جاء بها المصريون والشام للمنطقة وتعرف في مصر باسم بوصارة . وكذلك كلمة عيال اي الاطفال و غيرها من الكلمات المصرية العربية حيث ان جبالا اصلهم من مصر و الشام .