حين يغيّر الزمن الزيّ ولا يغيّر الرّسالة
أيُّ سرٍّ هذا الذي يجعل وجوه 1967 و2018، على تباعد الزمن، تتقاطع في الوَهج ذاته؟ أهي الهيبة الكامنة في البدلات الداكنة وربطات العنق، أم الحكمة التي تتخفّى اليوم في تنوّع الأزياء وتعدّد الابتسامات؟ هل تغيّرت قيمة المعلم أم تغيّرت فقط اللغة التي يعبّر بها عن رسالته؟ أكان المعلم بالأمس رمزًا يُهاب، وهو اليوم رفيقًا يُحاور، أم أنه في الحالتين معًا ظلّ الحارس الأمين لشُعلة المعرفة؟ ثم أليست الصورة، في عمقها، شهادة على أن من يجلس في الصّف الأمامي أو يقف في الخلف إنما يحمل عبئًا واحدًا: أن يصنع من الطّباشير أفقًا، ومن القسم مستقبلًا؟
صورة بالأبيض والأسود وأخرى بدفء الألوان
لا أعرف مصدر هذه الصورة، ولا يهمّ من الْتقطها… المهمّ ما قالتْه الوجوه؛ تتنقّل الصورتان بين الأيدي كما يتنقّل الحنين في الذاكرة. عندما شاهدتها أول مرة، أحسستُ أنني أمام أثرٍ لا ينتظر مني سؤالًا؛ يسبقني إلى المعنى، ويترك في القلب ومضة دهشة لا تنطفئ. لم أسأل: في أيِّ مدرسة كانت؟ لأن ما شدّني لم يكن الإطار، وإنما الرسالة الكامنة في الوجوه. رأيتُ فيها معلمين منهم من قضى نحبه وقد سلّم الأمانة ومضى هادئًا مثل شمعةٍ أتمّت احتراقها، ومنهم من ينتظر، يواصل المسير في صمتٍ نبيل، وقد أدّوا الرسالة أو ما زالوا يؤدّونها بصدق العارفين بثقلها. لم تكن الصورة مجرد توثيق لحظةٍ عابرة، كانت بيانًا صامتًا عن مهنةٍ نبيلة، وعن أناسٍ اختاروا أن يزرعوا في العقول ما قد لا يحصدونه لأنفسهم. رسالة الصورة، في عمقها، أن التعليم ليس وظيفةً تنتهي بانتهاء الحصة، بقدر ما هي أثرٌ يمتدّ في الزمن، وأن المعلم، سواء غاب جسدًا أو ظلّ حاضرًا، فإنه يسكن ذاكرة من علّمهم، مثل جسرٍ خفيّ بين ما كنّا عليه وما يمكن أن نصيره. صورتان تفصل بينهما إحدى وخمسون سنة، لكنهما في العمق ليستا مجرد تأريخين لزمنين، إنهما بيانان بصريان عن تحوّل المجتمع، وعن سيرة التعليم وهو يعبر من طوْر إلى طوْر.
في صورة 1967، نلمح هندسة صارمة للجلوس والوقوف، بدلات داكنة وربطات عنق متشابهة، فساتين بتصاميم متقاربة، نظرات متجهة نحو عدسة واحدة بثقة ووقار. الجسد هنا منضبط كما لو أنه امتداد لمؤسسة تؤمن بالتراتبية والنسق والوضوح. التعليمُ في تلك اللحظةِ يتقدّمُ بوصفه رسالةً تُعاملُ بجدٍّ وحزم، وتنبضُ فيه هيبةٌ تشبه الالتزامَ بالسترةِ الرسمية. حتى المسافةُ بين الأشخاصِ مرسومةٌ بعناية، كأنّ الصورةَ تؤكّد أن المدرسةَ آنذاك كانت تُنظّمُ السلوكَ وتؤسّسُ القيمَ قبل أن تُحدّدَ حدودَ المكان.

بينما تمنحُ صورةُ 2018 حميميّةً من طرازٍ آخر؛ لا هندسةَ تُقيّد اللحظة، وإنما فقط عفويّةٌ تُقرأ من النظرة الأولى. يغيبُ التماثلُ الكامل، ويحضرُ التنوّع: أزياءٌ وهيئاتٌ وابتساماتٌ متعدّدة. تَظهرُ الألوانُ بجرأةٍ أكبر؛ جلابيبُ إلى جانبِ المعاطف؛ حجابٌ بأشكاله المختلفة؛ ستراتٌ جلديّة؛ نظّاراتٌ شمسيّة؛ وضحكاتٌ نصفُ مكتومة، كأنّها تُراوغُ الكاميرا وتفلتُ من الرسميّة. هنا لا تبرزُ المؤسسةُ صرحًا متعاليًا، لكنها تتجلى فضاءً اجتماعيًا مفتوحًا يحتضنُ اختلافاتٍ أوسع؛ إذْ لا يكتفي التعليمُ بوظيفةٍ رسمية، كأنه يتحوّلُ إلى تجربةِ عيشٍ يومية يتداخلُ فيها المهني مع الشخصي والتربوي مع الاجتماعي؛ في الصورةِ الثانية نكادُ نسمعُ ضجيجَ الساحةِ المدرسية، ونشمّ رائحةَ شاي الاستراحة، ونلمحُ تعبَ السنواتِ على الوجوه.
ذاكرة المدرسة… وكرامةُ منْ يصنعُها
يبرز بين الصورتين تحوّلٌ عميقٌ في معنى السلطة والمعرفة. في 1967 يمثّل المعلّم رمزًا يعلو في المشهد؛ وقفةٌ منتصبة، نظرةٌ جادّة، ومسافةٌ واضحة تفصلُه عن المتلقّي. في 2018 تتّجه السلطة نحو أفقٍ أوسع؛ المعلّم جزءٌ من نسيجٍ اجتماعي متعدّد، يواجه يوميًا تحدّيات العصر: الاكتظاظ، وتحولات القيم. الهيبة لم تعد تنحصر في المظهر، أضحت تقوم على القدرة على التكيّف والصبر والمرافقة.
دلاليًا، تخبرنا الصورتان عن انتقال المجتمع من مرحلة بناء الدولة الوطنية الحديثة، حيث كان التعليم أداة مركزية لصياغة المواطن، إلى مرحلة تعقّد اجتماعي وثقافي، حيث أضحى التعليم مطالبًا بأن يواكب العولمة والانفتاح القيَمي كما أسلفتُ. في الأولى، يبدو الأمل مشروعًا جماعيًا منظمًا؛ وفي الثانية، يبدو الأمل موزعًا على أفراد، كل منهم يحمل قصته الخاصة داخل المؤسسة. ومع ذلك، ثمة خيطٌ خفيٌّ يجمع بينهما: الجلوسُ في الصفّ الأمامي، الالتفاتُ نحو العدسة، والرغبةُ في توثيق اللحظة. كلا الجيلين أراد أن يخلّد حضورَه في ذاكرة المدرسة. كلاهما آمن، بطريقته، أن التعليم يتجاوز حدود المهنة ليصير أثرًا يترسّخ في العقول والقلوب. الزمن غيّر الأزياء والوقفات ولغة الجسد، لكنه لم يمسّ جوهر الرسالة.
الصورتان إذن لا تقدّمان مقارنةً بين “أمسٍ جميل” و” يومٍ عادٍ”، ذلك أنهما مرآتين لتحوّل المجتمع نفسه، تؤكّدان أن التعليم كائنٌ حيٌّ يتغيّر شكله بتغيّر السياقات، ويواصل حمل رهانٍ واحد: أن المعرفة ترفع الإنسان إلى مرتبةٍ أفضل؛ وبين صرامة الأبيض والأسود في 1967 ودفء الألوان في 2018 تمتدّ حكايةُ وطنٍ يعلّم أبناءه ويتعلّم منهم في الوقت نفسه.
المعلم: ضمير الزمن وجسر الأجيال
وإذا أمعنّا النظر أكثر، فإن الصورتين معًا لا تقدّمان مقارنة بين جيلين بقدر ما تنسجان ملحمة واحدة عنوانها: المعلم باعتباره ضمير الزمن. في 1967 يتقدّم المعلّم عند حدود الحلم الوطني، يحرس اللغة، ويغرس الاستقامة والانضباط، ويؤسّس وعيًا يتكوّن على مهل. يحمل الطباشير أداةً للبناء المعنوي، ويخطّ بها ملامح أمّة تتدرّب على تسمية ذاتها. وقارُه لا يختصره المظهر، بيد أنه يعبّر عن فكرة واضحة: المعرفة تفرض مسؤوليةً أخلاقية، ومن يملكها يلتزم بما يرفع قدرها. وفي 2018، لا يقلّ المعلم مقامًا، وإن تغيّرت الهيئة. هنا تتجلى عظمة أخرى: عظمة الصمود داخل زمن متسارع، حيث لم تعد السبورة وحدها مصدر المعرفة، ولم يعد المتعلم متلقيًا صامتًا. يقف المعلم المعاصر محاورا لا يُملي، يصغي كما يعلّم، يواكب كما يوجّه. إنه يشتغل في مساحة أكثر تعقيدًا، حيث التربية ليست نقل معلومات فحسب، وإنما هي، فضلا عن ذلك، إدارة اختلاف، وبناء ثقة، وترميم تصدُّعات اجتماعية عميقة.
والمدهش، أن الرسالة في الصورتين واحدة رغم اختلاف اللغة البصرية: في الأولى يرفع المعلّم مقامه بالهيبة والانضباط، وفي الثانية يرفعه بالمرونة والقدرة على الاحتواء. الأول يعلّم من موقع الرّمز والثاني يعلّم من موقع الشّراكة. ومع ذلك ينتمي الاثنان إلى سُلالة واحدة: سلالة من يؤمنون أن الإنسان مشروعٌ قابلٌ للارتقاء.
في حضرة من يضيئون العَتمة
في 1967، كان المعلم يشبه المعمار الذي يضع الأساسات الأولى؛ وفي 2018، يشبه المُرَمّم الذي يحافظ على البناء ويضيف إليه نوافذ جديدة. كلاهما ضرورة. فلا بناء بلا أساس، ولا أساس يدوم بلا صيانة وتجديد. إن رفع قيمةِ المعلّم لا يتحقّق بالحنين إلى صورةٍ دون أخرى، ذلك أنه يتحقّق بإدراك أن كرامتَه تسكن استمراريةَ عطائه عبر الأزمنة؛ تغيّرت البدلات والجلابيب، وتغيّرت القصّات والألوان، لكن الثابت أن الجالسين والواقفين في الصورتين يحملون العبءَ نفسه: أن يبدّدوا عتمةَ الجهل وأن يزرعوا في كل جيْل قدرةً على التفكير والنّقد والحلم.
وعلى حافةِ هذا التأمّل، تبرزُ الخلاصةُ واضحةً: المعلّمُ لا يحصرُ ذاته في عملٍ يوميّ، ذلك أنه يخطّ ذاكرةً في الزمن، ويبني جسرًا يربطُ جذرًا يرسّخُ القيمَ بأفقٍ يفتحُ الإمكان. الصورتان تقولُ ذلك ببساطةٍ حاسمة: حين يكرِّمُ المجتمعُ مُعلّميه، يرفعُ معاييره ويحمي فرصتهَ الحقيقيةَ في التقدّم.
رسالة ترتدي الزمن ولا تشيخ
فإذا كان الزمن قد بدّل الألوان والملامح، أفيُمكنه أن يمسّ جوهر الرّسالة؟ وإذا كانت التحديات قد تضاعفت، أفلا يكون مقام المعلم قد ارتفع بقدر ما تعاظم حمْله؟ من يزرع في العقول بذرة السؤال، أليس جديرًا بأن نتحدث عنه بإجلال؟ ومن يحرس لغة الأمة وذاكرتها وأحلام أطفالها، أليس أولى بأن يُصان قدره في كل عصر؟ ثم ألسنا، حين نكرّم المعلم في صورتيْ الأمس واليوم، إنما نكرّم في الحقيقة قدرتنا نحن على أن نصير أفضل ممَّا كنّا؟
فتحيّة للمعلّم؛ أنتَ من يحرّرُ الإنسانَ من ضيقِ الجَهْل، ويضعُ في يده مفاتيحَ العالم.
لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.
“Good teaching is one-fourth preparation and three-fourths pure theatre”
“التعليم الجيد يتكون من ربعٍ من التحضير، وثلاثة أرباعٍ من الأداء المسرحي الخالص (لجذب الوجدان)”
G Godwin
“Sans vous, sans cette main affectueuse que vous avez tendue au petit enfant pauvre que j’étais, sans votre enseignement, et votre exemple, rien de tout cela ne serait arrivé”
“بدونك، وبدون تلك اليد الحانية التي ممدتها للطفل الفقير الذي كنتُه، وبدون تعليمك وقدوتك، ما كان لشيء من هذا أن يحدث”
Camus
(لمعلمه بعد فوزه بجائزة نوبل)
أستاذي،
أحييكَ على هذا الربط البصري الفذ، فقد أنصفتَ “سدنة المعرفة” حين جعلتَ من اختلاف الزيِّ دليلاً على حيوية المهنة لا على أفول هيبتها، أشاركك الرؤية في أن معلم 1967 وضع حجر الزاوية بوقار التأسيس، بينما معلم 2018 يرمم الوجدان في زمن الانكسارات والسيولة الرقمية، وكلاهما وجهان لعملةٍ واحدة هي “الصمود التربوي”، فالمعلم ليس موظفاً بل هو بوصلة الوعي في تيه التحولات.
“إذا غابَ وقارُ الطباشير انطفأت شعلةُ الأمة، فالمعلمُ هو الضوءُ الذي لا يشيخُ مهما تبدلت ألوانُ الصور.
ALHOCEIMA
مقال رائع يجمع بين صورةٍ تعود إلى سنة 1967 وأخرى تومض من سنة 2018، لا يتغيّر جوهر المعلّم وإن تغيّرت الوجوه والملامح وألوان الزمن؛ ففي الأولى نقرأ هيبة الرسالة في بساطة الوقفة، وفي الثانية نرى امتداد ذلك النور نفسه في ملامح أكثر قربًا من عصرها، لكنّها مشدودة إلى الأفق ذاته: صناعة الإنسان. هؤلاء ليسوا مجرد عابرين في ذاكرة المدرسة، بل بنّاؤو الأرواح، وغارسو القيم، وحراس البدايات الأولى في وعي النشء.
شكرا أستاذ لحجمري وشكرا هسبريس
للعملة وجهان وكذلك المربون ، فمنهم من نحمل ذكراه بامتنان ، ومنهم من نسعى لمحوه طيف خياله إن أطل من ذاكرة النسيان . في نهاية المطاف، يبقى الإنسان صدى لما تركه في النفوس ، فإن زرع الخير كان له في القلب فسيح المكان ، وأن أساء فهو من حصد ما قدمت يداه .
لقطتين لجيلين من أسرة التعليم . جيل الرواد و التي كانت تمثل الفئة النيرة من المجتمع في زمان كانت المدرسة أولوية للترقي المجتمعي . جيل كان يسعى إلى تخليق الحياة العامة فكان دينامو الحركات السياسية والاجتماعية والثقافية . آمن بالمناسبة و الانصاف و احترام الاختلاف. . . من الصورة الثانية ، الملامح و الملابس و السحنات تحمل رموزا دات مرجعية سلفية .
كانت معلمتنا صارمة حازمة ، لا تجلس خلف مكتبها إلا قليلا تطوف بين الصفوف والسوط في يدها يزرع الرهبة في النفوس ، كانت كما لو أنها خلقت من قسوة لا تعرف اللين . كنا نراقب خطواتها الحازمة ونخشى نظراتها الصارمة التي كانت تلاحق مجرد شبهة تقصير . وفي يوم لست أنساه دخل الفصل رجل بسيط الهيئة . وما إن وقعت عيناها عليه حتى تخلت فجأة عن هيبتها المعهودة ونهضت من خلف مكتبها ، امرتنا بالقيام احتراما للضيف ثم اقتربت منه بكل وقار وقبلت يده في تواضع غريب صدم الجميع . علمنا بعد أن ذلك أنه لم يكن إلا زوجها النجار البسيط الذي يكسب رزقه من كد يديه في الدكان . ومن يومها لم أعد أرى تلك المعلمة القاسية وحلت محلها صورة المرأة التي تشبه أمهاتنا. أدركت حينها أن تلك القسوة كانت حبا وأنها النية كانت صقل مداركنا ، وقد كان .