تأملات في المشهد العراقي : طائفية بلا دين

تأملات في المشهد العراقي : طائفية بلا دين
الإثنين 7 يوليوز 2008 - 23:24

دعوني أولا أن أكشف عن هويتي قبل أن أتهم أو أكتب في عداد التكفيريين النواصب والصداميين وأزلام النظام المقبور من قبل” الحكومة الملتحية ديمقراطيا ” تحت الاحتلال والمسجونة في المحمية الأمريكية “المنطقة الخضراء”…أنا من مغرب هذه الأمة العربية والإسلامية المداومة في مؤسسة الحزن العربي .


دعوني أعترف مبدئيا أنه لا يوجد عندي فرق بين الشيعة والسنة ، هما مذهبان داخل دائرة الإسلام ، والمذهب هو نهج لفهم الإسلام ، ولا أحب أن أخوض في النقاشات الفقهية الفرعية والاختلافات السياسية والتاريخية في مجموعة من الرؤى لبعض القضايا التي شغلت العقل العربي قديما. المهم عندي أن المذاهب مسألة تعكس غنى التراث العربي الفكري والحضاري لو وجدت نخبة مشغولة بقلق السؤال الثقافي الطامع في إبداع منتج موصول بقضايا الأمة …ولهذا لما كنا في الجامعة في حمأة التدافع اليساري الإسلامي كنا نحتاج الاستئناس بكتابات لمنظرين محسوبين على تيار الإسلام السياسي نستفيد منها من السنة والشيعة معا ، فكنا نقرأ للمفكر الإيراني علي شريعتي ومرتضى المطهري ، وكنا نثقف أنفسنا بكتب الشهيد محمد باقر الصدر “فلسفتنا” و”اقتصادنا” و ” الأسس المنطقية للاستقراء” والعلامة محمد حسين فضل الله وآية الله محمد مهدي شمس الدين ومقالات العلامة السيد محسن الأمين وهاني فحص و..، ومجلات العالم والمنطلق والكلمة والمنهاج و…ولم نحس بأي ضير أو نقص ونحن نستفيد من المشترك ونحوله إلى مادة معرفية صالحة لنجادل بها زملاءنا من الطلبة كلما تطلب الأمر ذلك . ولما انتصرت الثورة الإسلامية بإيران استبشر بها الفضلاء من أبناء الأمة العربية خيرا وعلى وجه التحديد المفكرون المغاربة بيسارييهم وإسلامييهم على حد سواء. فمجلة “أقلام ” التي كانت عبارة عن حلقة معرفية يتجمع حولها أساطين الفكر اليساري بالمغرب في عددها التاسع من أبريل 1979 نشرت قصيدتين طويلتين في مدح الخميني واحدة عنوانها “مقاطع من اليادة آية الله الخميني الطويلة” للشاعر أحمد هناوي والثانية تحت عنوان ” تحية النصر للرائد الإمام آية الله الخميني ” للشاعر محمد الوديع الآسفي ، أما التيار الإسلامي نجد أبرز منظريه وهو ذ.عبد السلام ياسين كان في مجلة” الجماعة” التي كانت تصدر آنذاك قبل أن تتعرض للمصادرة المخزنية ، حين يذكر الخميني يترضى عنه ، إلى درجة أن اعتبر الثورة الإسلامية إحدى خطوط التغيير الثلاثة التي يجب أن تسترشد بها الأمة في مواجهة حكام الجبر والطغيان ….أضف إلى هذا نحن- معشر المغاربة – من حيث القيمة التاريخية لا ننسى أن أول دولة قامت على هدي الإسلام في المغرب أسسها المولى إدريس الأول وهو من آل بيت النبوة الأطهار عليهم سلام ربي .فليست لنا حساسية تجاه الشيعة ، بل نحن السنة شيعة بمعنى من المعاني ،على المستوى الوجداني نوقر ونعظم آل البيت ونتشيع الى حبهم ،وهذا من صميم الدين، ونختلف معهم إن جاروا أو ظلموا، وهذا –أيضا من صميم الدين- ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم ” لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها ” ..عفوا لست غبيا لأنجر للحديث عن العصمة كقضية فقهية عليها مدار الاختلاف ما بين المذهبين ..وددت لو أتحدث عن المشهد السياسي العراقي المأساوي ، وعلاقة بالإسلام المحمدي الأصيل – كما يتشدق بذلك ملوك الطوائف الجدد- بالدماء والأشلاء والشهداء التي يروح ضحيتها الضعفاء والشعراء والعلماء والأولياء . يتساقطون يوميا بالعشرات والمئات كأوراق الخريف .


ما حقيقة ما يجري في العراق من ذبح وخطف وإحراق وتعذيب وتنكيل وانتقام متبادل . إن الإسلام كما أفهمه جاء لإسعاد البشرية ، ومهمة الإيمان تحقيق الأمان فكلما ارتقى الإنسان في مدارج الإيمان واستنار بمشكاة النبوة شعر أنه ينتقل من البهيمية إلى الإنسانية الحقة ، والإسلام من السلام ، حتى الجهاد في الإسلام هو عنف مقدس لدفع الضرر عن الإنسان الذي جاء هذا الدين ليكرمه ويسعده ويحقق له السلام في الدارين الدنيا والآخرة . يقول الشاعر الفيلسوف والشاعر محمد إقبال :


إذا الإيمان ضاع فلا أمان****ولا دنيا لمن لا يحي دينا..


فهل ما يجري في العراق له علاقة بالصراع بين المذاهب؟ كلا إن المذاهب لا تتصارع ، بل تتحاور لأنها أفكار تحتاج إلى الإقناع وليس إلى الإقماع . إننا إزاء الظاهرة التي تنبأ بها عالم الاجتماع العراقي الراحل علي الوردي سماها طائفية بلا دين..لنعد الى التاريخ القريب ، والتاريخ في هذه المناسبة ضروري لفهم ما يجري ، فالعراق كان والى وقت قريب ، ويا للمفارقة الغريبة ، في نظر مجموعة من الباحثين العرب خصوص منهم العراقيون الذين ما فتئوا يؤكدون أن العراق سوف لن يسقط في أتون الحرب الأهلية كما ينظر لها الاحتلال ويخطط ، لأن لحمة المجتمع عصية على الانجرار إلى الطائفية لأنه مجتمع قبلي ولاءه للقبيلة والعشيرة أكثر من المذهب فقبائل ،مثلا،كـ (شمر والجبور)هم واحد ، الجزء الشمالي سني والجنوبي شيعي ، فهل يقتتل أفراد القبيلة الواحدة فيما بينهم، إضافة إلى أن عوائل السكان تتصاهر فيما بينها دون الالتفات إلى عقدة المذهب.أما على المستوى السياسي لم يسبق أن تشكلت أحزاب على المحاصصة الطائفية أو عرقية أو مذهبية فحزب الاستقلال كان رئيسه الشيخ محمد كبة وهوشيعي ، ونائب الرئيس صديق شنشل وهوسني ، وحتى أحزاب نوري السعيد وصالح جبر كانت مختلطة طائفيا وعرقيا ، أما رؤساء الوزراء منذ تأسيس الدولة العراقية 1920وحتى الاحتلال 2003 , كان منهم سبعة شيعة وأربعة أكراد ، ويزيد المفكرون العراقيون في التفاؤل حين يعودون إلى الوراء فيدعمون حجتهم في انتفاء قيام حرب طائفية بثورة العشرين التي شارك فيها الشيعة والسنة جنبا إلى جنب في مقاومة الاحتلال البريطاني…. لكن العراق اليوم سقط في الفخ الذي نصب من الاحتلال وأذنابه الذين لا علاقة لهم لا بالدين وقيمه السامية، ولا بعزة وكرامة المواطن العراقي كما تؤكد الأعراف والعادات العربية ..ولذا وجدنا أول من روج للطائفية فئة من المنتفعين الذين جاؤوا مع الاحتلال ، وأولهم أحمد الجلبي الذي أطلق لأول مرة مفهوم البيت الشيعي ، بعدما غفرت له ” ذنوبه ” أمريكا ، ومن يغفر الذنوب سوى ” الشيطان الأكبر” من المتابعة بعد سرقة أموال من الأردن . فهل يلتقي الضدان؟؟؟ واعجبا. المهم استطاع أن يؤلب الشيعة ويجمعهم في لائحة يقال أن المرجع السيد السيستاني قد دعمها واعتبر أن التصويت واجب شرعي..ولما عاد من إيران في أول زيارة له عقد مؤتمرا صحفيا في النجف في حضور عبد العزيز الحكيم ، وأكد بأن إيران لا تريد أن تغادر القوات الأمريكية العراق ، والحجة في هذا-كما نفهم- أن تبقي القوات الأمريكية رهينة لدي إيران في ملفها النووي مع أمريكا. الجلبي كان واعيا بأن الحكومة المقبلة ستكون “ملتحية” ومدعمة من قبل إيران لذا طفق يعزف على الوتر الطائفي مبكرا..أما ثاني من عزز هذه النزعة الطائفية المقيتة فهو الحزب الشيوعي العراقي الذي انشق عنه المناضل د.نوري المرادي مع ثلة من رفاقه ، فبعد أيام من سقوط بغداد في أبريل 2003 تحت نير الاحتلال رفع الحزب الشيوعي العراقي في شارع المتنبي اللافتة التالية: ” الحزب الشيوعي العراقي يعزي صاحب العصر والزمان الإمام المهدي الغائب عجل الله فرجه باستشهاد الإمام الحسين ..” فاعجب . هل يلتقي الضدان الشيعي والشيوعي ؟؟ ولنتساءل مع المفكر العراقي فاضل الربيعي : هل نحن أمام الحقيقة أم الأسطورة ؟ إن الإنسان المهزوم المغلوب لا يفكر بالإيديولوجية، بل يفكر بالمتولوجيا كما يذهب إلى ذلك الناقد الكندي نورثرب فراي..ثم حان الحين لنتساءل بشكل لا يخلو من العفوية : ما جدوى المليشيات إن لم تذد عن حياض الوطن وتحمي المواطنين وتحرص على توفير الأمن بالتساوي ، ناهيك عن مقاومة الاحتلال وهذا هو الأهم ، كرسالة شرعتها كل الأديان السماوية وعززتها الأعراف والقوانين الوضعية ، وأقرتها الفطرة الإنسانية السليمة..؟؟ أين موقف التيار الصدري من نداء العلامة السيد محمد باقر الصدر في رجب وشعبان 1399للهجرة ، النداء الذي استشهد بعده بقليل .وهذه فقرة توضح دقة رؤيته لما يحدث الآن وياللمفارقة الغريبة والعجيبة في نفس الآن : ” إن الطاغوت وأولياءه يحاولون أن يوجهوا إلى أبنائنا البررة من السنة أن المسألة مسألة شيعة وسنة ، ليفصلوا السنة عن معركتهم الحقيقية ضد العدو المشترك ، وأريد أن أقولها لكم ، يا أبناء علي والحسين ، وأبناء أبي بكر وعمر …إن الحكم الذي مثله الخلفاء الراشدون ، والذي كان يقوم على أساس الإسلام والعدل ، حمل علي رضي الله عنه ، السيف للدفاع عنه ، إذ حارب جنديا في حروب الردة تحت لواء الخليفة الأول ، وكلنا نحارب عن راية الإسلام وتحت راية الإسلام ومهما كان لونها المذهبي .إن الحكم السني الذي كان يحمل راية الإسلام قد أفتى علماء الشيعة قبل نصف قرن تقريبا بوجوب الجهاد من أجله ، وخرج مئات الآلاف من الشيعة وبدلوا دمهم رخيصا من أجل الحفاظ على راية الإسلام ومن أجل حماية الحكم السني الذي كان يقوم على أساس الإسلام ، إن الحكم اليوم ليس حكما سنيا ، وان كانت الفئة المتسلطة تنتسب تاريخيا إلى التسنن …” عادل عبد المهدي ، عن مجلة قراءات سياسية ع : 3 صيف 1992 ..لماذا غير التيار الصدري وبدل من هذه الرؤية العميقة التي كان يحمل لواءها الشهيد الصدر؟ وما موقف السيد عادل عبد المهدي مما يجري الآن؟ ولماذا حولوا أل البيت إلى عدوانيين دمويين يتقربون إلى حبهم بقتل العراقيين ؟؟


إن السواعد المتوضئة التي خلناها لا ترتكب المعاصي أضحت اليوم تقتل وتحرق وتهدم المساجد وتغدر ، والقلوب الطاهرة أصبحت تسرق ، السيد عبد العزيز الحكيم – والكلام هنا للمفكر العراقي خير الدين حسيب الذي لا يتقن سوى لغة الوثائق والأرقام والحوار الهادئ – عنده (أي الحكيم) مرفأ خاص لسرقة النفط والأسماء الذين يعملون معه يعرفها د.حسيب ، ويصدر النفط الخام إلى إيران من البصرة ، والى حدود الآن لا توجد عدادات تحسب كمية النفط المصدرة لأجل تسهيل السرقة ، سرقة الشعب العراقي الذي جاؤوا لتخليصه من الدكتاتورية..وتقرير المفتش الأمريكي الذي عينه الكونغرس يكشف الفضائح التي وقعت في مجال النفط وغير النفط بالسرقات ، سواء أثناء مرحلة بريمر أو بعدها..ما موقف السيد الحكيم الموالي لإيران سياسيا إن لم يكن إيراني في الأصل من مقولة الخميني ” اذا رضيت عنك أمريكا فاتهم نفسك” وشعار الشيطان الأكبر الذي رفعته الثورة الإسلامية ..؟؟؟ قلبهم مع الحسين وسيفهم مع الأمريكان . فهل يلتقي الضدان؟؟ واعجبا !!


إنهم غير صادقين( بلغة المنطق أولا ) فهم كاذبون لأن الأضداد لا تلتقي ، هم كاذبون تهمهم أنفسهم لأنهم غرباء عن الشعب العراقي ، فلم يستطيعوا أن يتأقلموا معه ، ليسوا واثقين من الاستمرار البقاء في أرض العراق ، ولست مازحا فإرادة الشعوب تكره المزاح..إن ملوك الطوائف الجدد جاؤوا لمهمة أساسية ولنقلها بصراحة..جاؤوا لإخراج العرب من أرض العرب كما “تنبأ ” بذلك الشاعر العراقي طراد الكبيسي :


خرج الأندلسيون من الأندلس عام 1492


وخرج الفلسطينيون من فلسطين عام 1992


فمتى يخرج العرب من بلاد العرب؟؟؟


لكن هذه الأرض لن تتلقح إلا باللغة العربية..سيكون خرابا …سيكون خرابا…يا أمراء التخريب ..وياحكاما مهزومين ..سيأتي اليوم الذي سنتحاكم فيه قدام الصحراء العربية لتحكم فينا ..وسيأتي اليوم الذي ستغرس القدس أظافرها في أعينكم ..كما قال الشاعر العراقي الآخر مظفر النواب. لا بد أن نأخذ الدرس من التخريب …يا أمراء التخريب.ويا حكاما مهزومين …!!!!!

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
المنصوري تسلم "السكنى" لبلفقيه
السبت 17 أكتوبر 2026 - 21:45

المنصوري تسلم "السكنى" لبلفقيه

صوت وصورة
الجائزة الكبرى للتبوريدة
السبت 17 أكتوبر 2026 - 20:45

الجائزة الكبرى للتبوريدة

صوت وصورة
تسليم السلط بين أخنوش والمنصوري
السبت 17 أكتوبر 2026 - 13:36 14

تسليم السلط بين أخنوش والمنصوري

صوت وصورة
فتاح العلوي تودع وزارة المالية
السبت 17 أكتوبر 2026 - 13:18 6

فتاح العلوي تودع وزارة المالية

صوت وصورة
وزير النقل: مغرب يسير بسرعة واحدة
السبت 17 أكتوبر 2026 - 12:32 9

وزير النقل: مغرب يسير بسرعة واحدة

صوت وصورة
حاتيمي يكشف أولويات وزارة الفلاحة
السبت 17 أكتوبر 2026 - 11:21 7

حاتيمي يكشف أولويات وزارة الفلاحة