تدبير قطاع التعليم في زمن كورونا.. بين الارتجالية والانتهازية

تدبير قطاع التعليم في زمن كورونا.. بين الارتجالية والانتهازية
السبت 10 أكتوبر 2020 - 10:36

مدخل عام

يتعرض قطاع التعليم؛ وعلى مدى عقود؛ إلى ارتجاجات عنيفة جراء سياسة ارتجالية وانتقائية حزبية ضيقة أسفرت عن مجموعة من الاختلالات البنيوية، دوما كانت تختزلها إشكالية الفوارق المهولة بين مدخلاته ومخرجاته، أو بالأحرى بين الميزانيات الضخمة التي ترصد له وبين ضحالة نتائجه على مستوى تعلمات وتكوينات الأطر المغربية عامة، والتي يشهد الواقع الميداني وكذا الملاحظة الأمبريقية على هزالة أدائها المهني وضعف مردوديتها، إلى حد أنها غير مؤهلة للتنافس داخل السوق الدولية للشغل.

وقد زادت أن اشتدت حلكة آفاقه في أعقاب تفشي وباء كوفيد ـ 19 وشل التعليم بالكاد من حيث تمدرس التلاميذ وانتظامهم داخل الحجرات الدراسية، وهكذا وجدنا منظومة التعليم في مفترق طرق وطرائق صعبة، بين الحضوري وشبه الحضوري وبين العن بعد وشبهه أو الحضور الدوري، ناهيك عن صيغ تعلماته وأدوات التواصل بها، علاوة على أطره ما إن كانت تلقت تكوينا في تمرير التعلمات والمهارات إلى التلاميذ في هذه الظروف الصعبة أم لا.

هل هناك تأهيل لأساتذة التعليم (بزمن كورونا)؟

كانت وما زالت الارتجالية هي الخطوات السائدة التي وسمت تدبير ملف التعليم على مستوى تأهيل أطره في التعامل مع المناهج الدراسية، في ظل التدابير الاحترازية التي تفرضها جائحة كورونا؛ كالتباعد بين التلاميذ في الحجرة الواحدة والتخفيف من سعة التلاميذ عموما داخل المؤسسة التعليمية.

وقد كان حريا بوزارة التربية الوطنية تنظيم أيام دراسية كخطوة أولى لإخضاع الأساتذة لتكوينات مبرمجة تنصب أهدافها أساسا؛ على تنفيذ “المقررات الدراسية” بصيغتين مختلفتين؛ الصيغة الحضورية (بتخفيف أعداد التلاميذ داخل الحجرة الواحدة)، ثم الصيغة البعدية (الأدوات والمعدات الإلكترونية التي يتوجب المرور عبرها إلى المتعلمين). فحتى الآن ما زالت هناك اضطرابات واختلالات تقنية تسود هذه الحصص الدراسية، ليكون التلاميذ في الموعد عبر شاشاتهم المنزلية الصغيرة لمواكبة التعلمات والمهارات التي يبثها الأساتذة إليهم… تظهر في شكل طنين إلكتروني وغوغاء وتقطع الأصوات ونداءات.. مما يحمل معظمهم على الشرود على هامش الحصص الدراسية، أو الالتفات إلى مصادر منبهة داخل منازلهم.

أما التعليم الخصوصي فكارثة أشد وطئا!

من الحقائق الدامغة التي لا يجب أن تعزب عن ذي بال، أن الأطر التعليمية العاملة بقطاع التعليم الخصوصي لا تخضع لا لتكوينات لا قبلية ولا بعدية ولا دورية، ومعظمها وفد من التعليم الثانوي أو ممن فشلوا منذ مدة في اجتياز امتحانات البكالوريا. كما أن أربابه والقائمين على معظم مؤسساته، ليس واردا أصلا في مناهجهم الدراسية التنصيص على تكوينات لفائدة أطرها، وتكاد مرتباتهم وأجورهم أن تكون على صلة بالأقدمية، وإن كانت تنحصر في عمومها بين 2000 ـ 3000 درهم/ش، قابلة لاقتطاعات وهمية تبعا للتغيبات، سواء كانت مبررة أو غير مبررة.

لكن الأمرّ من هذا؛ وحتى تتوضح نزعة الانتهازية والجشع التي تحرك أربابه؛ وجود تواطؤ مفضوح بينها وبين كبار المسؤولين المركزيين في الوزارة، فمعظمهم إن لم نقل كلهم “يمتلكون” مؤسسات تعليمية خاصة أو يشرفون عليها عن بعد، وهكذا وجد الآباء والأمهات ـ ممن ينتمي أبناؤهم إلى هذه المؤسسات ـ الأبواب موصدة أمامهم، كلما طالبوا بحقوقهم في تخفيض رسوم التمدرس التي تثقل كاهلهم، فلا الحكومة ولا الوزير بقادرين على التدخل لصالح شريحة واسعة من أولياء التلاميذ؛ حتى إن منح شهادة الانتقال أو الإشهاد بالنجاح؛ في مؤسسة تعليمية خاصة؛ تخضع؛ من جملة الشروط الإلزامية؛ إلى دفع كل “المستحقات” وحمل صك “تبرئة الذمة”!

لكن الأخطر؛ في خضم هذا التعليم؛ أن تكوين التلميذ جد ضعيف يغلب عليه الجانب الترويضي أكثر من التربوي، ونجاحه أو صعوده إلى المستوى الموالي ليس رهينا بالنقط الدراسية قدر ما هو خاضع لتسديد النفقات مدعمة بالبقشيش.

حقيقة صادمة !

ظل لفترة مديدة ترويج خطاب “المجانية” في التعليم، أعقبته نداءات خفية “بنزعها”، لكن واقع توظيف الأطر المغربية أفرز حقيقة صادمة، ليس في قطاع التعليم فحسب بل يكاد يسري مفعولها على كل القطاعات؛ الاقتصادية والخدماتية، ذلك أن الأسبقية في القبول بالتوظيف تمنح للوافدين من التعليم الخاص في الثانوي أو الجامعي، بغض الطرف عن درجات ومؤهلات المترشحين، فالمنتمون منهم للقطاع العمومي لا ينالهم سوى الفتات من مناصب التشغيل والتوظيف، أو بالأحرى النسب الشحيحة الفارقة بين مناصب الشغل الفارغة وما تبقى منها بعد عملية الكوطا “المجحفة”، ليتضح في الأخير وأْد المجانية في التعليم الوظيفي، ما دفع بمعظم الشرائح الاجتماعية المغربية إلى السباق المحموم من أجل ضمان مقعد دراسي لأبنائهم في حظيرة التعليم الخاص، واضطرارهم إلى الاقتراض وتضييق فسحة عيشهم في سبيل تمدرس أبنائهم، لكن؛ وعلى الرغم من مرارة هذا الواقع التعليمي؛ ما زالت دار لقمان على حالها، وما زال التعليم الخاص خاضعا في برامجه ومناهجه لأساليب تربوية عتيقة تنحصر في السبورة والطبشورة والكراسة والمعلم(ة) على الرغم من المداخيل المالية الضخمة التي يدرها على مسؤوليها.. حتى أضحى استثمارا ربحيا بحتا، وليس استثمارا تربويا في صالح فلذات أكبادنا، فهلا ارْعوت الحكومة لهذه الكارثة وأعادت النظر جذريا في فلسفة التعليم وهياكله ومناهجه وأطره ووسائطه؟!

*مفتش منسق تربوي بوزارة التربية الوطنية سابقا

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • مصطفى الرياحي
    السبت 10 أكتوبر 2020 - 11:16

    وصلنا إلى وضع سرياني الأساتذة يهملون تلامذهم ويلهتون وراء الخصوصية اللتي تمكنهم من تسديد مستحقات المدرسة الخصوصية لأبنائهم طريق ملتوية عجيبة لو كان الأستاذ يقوم بعمله كما يرام يسجل أبنائه في المدرسة العمومية
    من الغريب أن مادة المعلوميات لا تدرس ولا موقع لها في المقررات بل جل الأساتذة لا زالون في عصر الطباشير تكاد أن تكون حجرية في الغرب وضعوا الطبشورة في المتحف ولا تسمع إلا بالسبورة الذكية صحيح أننا دولة فقيرة منهوبة وهل مثلنا يضرط أعلى من مؤخرته ؟ ويملك أسطول من السيارات الفاخرة ويوزع الريع دون حساب واليوم أتى يوم الحساب والحصيلة صفر مسفنج في كل شيء لا تعليم لا صحة لا سكن لائق لا فلاحة عصرية علمية لا أمن ولا "والو"
    أراد المغاربة حكومة تحكم ب"شرع الله" وهاهم يطلبون منها "بشرع الله" لكن هيهات لم تمر بعد خمسون سنة اللتي استشرفت بها
    تحياتي أخي عبد اللطيف وحفظك الله

  • Lamya
    السبت 10 أكتوبر 2020 - 11:19

    انا كنت دائما ضد التعليم الخصوصي و مع تطوير و تحديث و تعميم التعليم العمومي, لان التعليم الخصوصي ينخر جيوب المواطنين و لا يفي بما يعد, الا من رحم رك من المدارس الخصوصية. المدارس الخصوصية هي لذوي الدخل العالي و لن تعوض التعليم العمومي بل هي حالة خاصة و لا يجب ان تصبح حالة عامة.

  • متتبع
    السبت 10 أكتوبر 2020 - 13:35

    مع الأسف وقعت اختلالات كبيرة ليس في قطاع معين بل سرى مفعوله على جميع القطاعات الاقتصادية والاجتماعية بما فيها التعليم ، والحق أقول أن كورونا عقد الأوضاع وحتى الحكومة لم تبادر إلى تكوين الأساتذة عن بعد ولا سبق لهم أن تعاملوا مع الأجهزة الأكترونية التربوية ، أما التلاميذ من ذوي الدخل المحدود فيجدون صعوبة في انتقاء هذه الأجهزة والتعامل معها ، هناك ارتجالية ممقوتة ،لكن بالنسبة للتعليم الخصوصي كما جاء في عرض الأستاذ فكارثة عظمى بالنظر إلى ثقل مصاريفه وتحملاته بالرغم من نتائجه التي تظل سلبية …

  • a lamya
    السبت 10 أكتوبر 2020 - 14:10

    تحية ، هناك قصة صراع خفية داخل دواليب الحكومة حول ترسيخ التعليم الخصوصي بشقيه الأساسي والجامعي ، ولكي نقترب من المشهد يكفي التوقف عند رقم المؤسسات التعليمية الخصوصية في البلاد والذي يتزايد سنة بعد أخرى ولهذا الصنف التعليمي حماته يشغلون مناصب رفيعة في عدة وزارات ولهم نفوذ على مستوى التشريعات ، فلنلاحظ أن الوزير نفسه لم يستطع البث في رسومات التعليم الخصوصي وكان يعتبره خطا أحمر ، ولكن الأغرب في كل هذا الحراك أن التعليم الخصوصي لم يعطي ولا سجل يوما نتائج مرضية وإن كانت كوادره تمنح لها الأسبقية في التوظيف … هذه القصة كما يتضح من خطوطها العريضة تشهد على مقتل واضمحلال التعليم العمومي وأصبح يحتل العربة الأخيرة في قطار التأهيل والتوظيف والتشغيل … وبهذا تكون مجانية التعليم قد ذهبت بدون رجعة … وشكراً

  • KITAB
    السبت 10 أكتوبر 2020 - 14:54

    أزمة التعليم عصفت بعدة مجتمعات في ظل الظروف الصحية التي يجتازها العالم ،لكن معظم هذه الدول كيفت منظوماتها التربوية لتتلاءم مع ظروف كورونا سواء عن بعد أو قرب ،كما هيأت تكوينات لفائدة الأساتذة والمؤطرين تنصب أساسا على برامج تربوية إلكترونية يتدربون على استعمالها في تنفيذ البرامج التعليمية عن بعد ، نحن في المغرب وحتى الآن لم تحرك الحكومة ساكنا في هذا الاتجاه ولا هي حسمت في قضية الرسوم الخيالية التي يتميز بها التعليم الخصوصي والتي تكبد الأسر المغربية مصاريف باهضة ،أما جودته من عدمها فأكاد أقول إنها كارثية أكثر مما يتصوره المرء إذا احتكمنا إلى مدخلاته ومخرجاته …سلمات

  • filali
    الأحد 11 أكتوبر 2020 - 13:51

    مع الأسف هذا ما كان منتظرا من دول عربية تمقت الثقافة وتكره القراءة فالإحصائيات الرسمية تشهد على تدني مستوى للتعليم في هذه الدول والذي له علاقة بالنظم السياسية التي تحكم شعوبها ،قل لي النظام السياسي السائد في دولة ما أقول لك عن مستوى تعليمها وتحياتي

صوت وصورة
دورة استثنائية للأحرار
السبت 3 أكتوبر 2026 - 12:44

دورة استثنائية للأحرار

صوت وصورة
غلاء الخضر مع بداية الخريف
السبت 3 أكتوبر 2026 - 11:54 1

غلاء الخضر مع بداية الخريف

صوت وصورة
غلاء المحروقات يركن السيارات
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 23:03 14

غلاء المحروقات يركن السيارات

صوت وصورة
احتجاج طلبة الجديدة
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 18:06

احتجاج طلبة الجديدة

صوت وصورة
تفكيك سرديات نشأة المرابطين
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 15:17

تفكيك سرديات نشأة المرابطين

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد اللطيف وهبي
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 08:55 18

لقاء خاص | عبد اللطيف وهبي