تعطيل الحكومة .. تعطيل للدستور وضرب للمشروعية

تعطيل الحكومة .. تعطيل للدستور وضرب للمشروعية
الإثنين 6 فبراير 2017 - 23:07

تجاوز المغرب مائة يوم في انتظار تشكيل الحكومة، بعد التعيين الملكي لرئيسها، المكلف بتشكيلها، على أساس نتائج اقتراع السابع من أكتوبر الماضي، وهي انتظارية قاتلة بكل المقاييس، لأن البلاد بلا حكومة شرعية، شرعية المرجعية الانتخابية، هي بمثابة جسد بلا قلب.

فالحكومة بالنسبة للبلاد هي القلب الذي يضخ دماء الحياة والنبض والحركة والوجود لكل المؤسسات المرتبطة بسير الدولة ودينامية المجتمع، والحديث عن حكومة تصريف الأعمال، والركون إليها هو ركون إلى قلب اصطناعي، لا ضمان لصلاحيته الدائمة، ولا لسلامته ونجاعته، والاستكانة إلى هذا الوضع غير الطبيعي، استكانة إلى وضع غير شرعي، يستند إلى البدعة الدستورية غير المحمودة وغير الحسنة.

لم يعد هناك شك، بعد هذا التمادي في إبقاء المغرب بلا حكومة، أننا أمام ردة دستورية تتقصدها إرادة ظاهرة وخفية تستهدف عن عمد، تعطيل الحكومة، ومن ثم تجميد كل المكتسبات التاريخية التي أحرزها الشعب المغربي، وحازتها الأمة المغربية، بعد المحطات الرائعة والراقية التي تجلت فيها شجاعة المغاربة، وعبقرية المغاربة، وحكمة المغاربة، في الأيام الخالدة التي تؤرخ لـ: النهضة الباسلة المقدامة للشعب المغربي بتاريخ 20 فبراير 2011، والوعد الشجاع للملك بتاريخ 9 مارس 2011، والتعاقد التاريخي الجديد والحكيم بين العرش والشعب بتاريخ 31 يوليوز 2011.

لقد صاغت الأمة المغربية شعبا وملكا، بجلدها وصمودها وصبرها وأناتها وتحديها وعزماتها، عقدا دستوريا شاملا وتقدميا وطموحا، يحفظ التاريخ، ويطمئن الحاضر، ويحصن المستقبل، ويحمي تماسك البلاد بصيانة التنوع فيها والتعدد والاختلاف بين مكوناتها ومقوماتها، ويضمن الاستقرار بترسيخ التوازن بين قواها، وتثبيت الفصل والاستقلال بين سلطاتها ومراكز نفوذها.

وكل ذلك، بناء على أسس صلبة، وفي ظل دعامات متينة، قوامها، ضمان السيادة للأمة والسمو للدستور، وتمكين الخيار الديموقراطي من مكانة الثوابت التي تعلو على المراجعة، وتسمو فوق الانتقاض أو الانتقاص، والذي يكرس الانبثاق الحر والديموقراطي للحكومة بصفتها راعية ومتحكمة في السلطة التنفيذية، بناء على نتائج الاقتراع العام المباشر، النزيه والشفاف والتشاركي بين الأحزاب السياسية التي تتنافس بكل مشروعية على الدور الأول الذي يخول رئاسة الحكومة للحزب المتصدر، بعد التكليف الملكي، ويخول لرئيس الحكومة صلاحيات واسعة وواضحة وسيادية، من موقع التمكين الشعبي الانتخابي، ومن موقع التفويض والتكليف الملكي.

وقوامها أيضا: ضمان الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وصون كرامة المواطن في إطار المساواة أمام القانون في الحقوق والواجبات والتكافؤ في الاستفادة من الفرص والمكتسبات والخيرات العمومية.

وقوامها أيضا: تمكين البرلمان من الدور السامي في التشريع وفي مراقبة العمل الحكومي، وإيلاء المعارضة الموقع الدستوري المميز والمعزز بالآليات والأنظمة الدستورية التي تضفي على مشاركتها في العمل التشريعي، والنقد السياسي، والتقويم الاستراتيجي، الطابع الفعال والناجع والتوجيهي.

واليوم، ومع هذه الغيبة الحكومية، بله التغييب الحكومي الممنهج، تصبح الأيام الخالدة في خبر كان، وتتجمد كل المؤسسات القيمية والمبدئية الدستورية، فلا حكامة جيدة، ولا محاسبة رهينة بالمسؤولية، ولا انبثاق ديموقراطي للسلطة التنفيذية، ولا مكانة مميزة للمعارضة، ولا فصل بين السلط، ولا رقابة برلمانية، ولا أعمال نيابية، ولا ارتفاع لحالة الغموض في تحديد المسؤوليات، ولا انقشاع للضبابية الضاربة التي تغطي حالة التسيب الإداري والاقتصادي، وتتستر بها الأيادي الآثمة في العبث بمقدرات الأمة ومذخراتها وأموالها العامة.

إن أخطر ما ينتج عن عطالة الحكومة، هو عطالة الدستور، الدينامو الأساسي والمحرك الحيوي لوجود المغرب دولة ومجتمعا، ونظاما وأمة، إذ أن حركية الدستور ونبضه واستواءه قائما على الأرض، يأمر وينهى ويسود ويقود، هو التجلي الواقعي والحقيقي للمشروعية، تلك المشروعية التي تضربها الآن، غيبة الحكومة، في أفتك مقاتلها.

والوجه الأبشع لهذا الواقع القاتل هو أن ترى قادة الأحزاب السياسية، يتلصقون بالرغبة في الاستوزار، تلصقهم بالحياة هربا من الموت، ويهرولون نحو مواقع الحكومة، هرولة المفزوع نحو منفذ النجاة، ضدا على المنطق الديموقراطي، وضدا على الحقيقة الدستورية، وإسقاطا للحياء السياسي، في آخر مزعة وجه، وبكل الصفاقة التي اشمأز لها الشعب، وكأن العمل السياسي والمضمار الانتخابي أضحى هو المنصب الحكومي، وكأن شرف المعارضة التي كانت في الزمن الجميل زينة الرجال وخيار الأباة، هذا الشرف أصبح اليوم بمثابة اللوثة والمعرة والمجذمة التي يفر منها السياسيون فرارهم من الطاعون، فهل ستستفيق طبقتنا السياسية أمام هول الانهيار الداهم ؟.

*محام، عضو الأمانة العامة لحزب النهضة والفضيلة

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • احمد
    الثلاثاء 7 فبراير 2017 - 00:16

    انه فعلا تعطيل و افشال,,,,,,
    و الترويج لأكذوبة فشل بنكيران في تشكيل الحكومة لا يصدقه احد

    فالذي استطاع ان يجمع الاحزاب للتصويت على قرارات الاتحاد الافريقي في ظرف قياسي

    يملك من القدرة ما يجعله يشكل الحكومة في رمشة عين,,,,
    انتهى الكلام
    انتهت الاحلام
    وانتهت الاوهام,,,,, اوهام الديموقراطية,,,,اوهام الانتخابات
    ( خذوا المناصب و المكاسب ,,,فقط اتركوا لنا الوطن )

  • محب الوطن
    الثلاثاء 7 فبراير 2017 - 00:22

    انتظارية قاتلة تعبير سليم ولكن ينطبق على من ينتظر حقيبة وزارية أما الشعب فقد وجد راحة باله ونفسه في غياب وجوه كره رؤيتها لأنها لم تحقق له ما كان يطمح إليه. حكومة فاشلة بكل المقاييس. وخاصة وزراء الحزب الحاكم. إضافة إلى زلاتهم المتمثلة في نزواتهم. أناس لطالما تغنوا بالطهرانية لكن الله فضحهم ، ومع ذلك يرددون اسطوانتهم المشروخة كونهم أطهر وانظف خلق الله. فإذا كانت الحكومة المنتظرة ستسلك سبيل سابقتها في الخمس الفارطة فالمغاربة يرددون صباح مساء لا حملهم الزمان إلى منصة التتويج.

  • ياسين قرطبي
    الثلاثاء 7 فبراير 2017 - 00:28

    علاش باغي الحكومة؟؟ موحش الزيادات و النكات الحامضة و السيرك في البرلمان؟ علاش باغي لحكومة؟ باش تسمع كل خميس بسملات و حمدلات تخفي قرارات جائرة ظالمة تضرب قوت الفقراء؟ علاش موحش لحكومة؟ مالك ياك الصالير ديالك تيتخلص؟ ام موحش العنتريات و القفشات و التهور و الحروب الاعرابية التافهة العبثية؟ مالك؟ واش عندك مصانع و معامل؟ ياك لباس؟ لمخزن كوكلك و حاميك اشنو باغي؟ باغي لعصا و لهروات؟ الحمد لله الدنيا هانية و السما صافية و سيدنا راه في افريقيا قائم بالواجب- سير قول الاحزاب دير خدمتها و تنهض و تفكر عوض انتظار لمخزن باش يسمنها و يعلفها، ايوا قول للاحزاب تنوض على رجليها و تسير عند لمواطنين و تعطيهم برامج مدققة لمحاربة البطالة و الزيادة في الصالير و الصبيطارات و المدارس ووووو؟؟ ام فالحين غير في تحناش الدمياطي و ضريب السماوي؟؟ هيا تكلم مع بنكيران راه جا الاول و قول ليه يدير حكومة و يتفاهم مع الاخرين على برامج و ليس الصراخ و لمعيار و الخروج و الدخول في الهضرة و هبل تربح ديال لخونجيا الخ الخ الخ العفو يا مولانا من جنون الاعارب و العقارب و الاعراب

  • تأبط شرا
    الثلاثاء 7 فبراير 2017 - 02:33

    بنكيران كايقول طارت معزة ،مامفاكش باغي إوقّف البيضة فالطاس واللي بغا يوقع يوقع وخّا تمشي فيها لبلاد كامْلا أللي ليها ليها
    ولُخرين كيقولو ليه هاداك الفوز ديالك فالإنتخابات ورئيس الحكومة والاغلبية …وداكشي ديال الارنبات غير كولْهُم ،لبلاد غادا حْدورة بك ولاّ بلا بيك
    لبلاد ناشطة ،الكاميرون ربحو كاس إفريقبا ،حْنا ربحنا افريقيا بْراسها

  • Lamya
    الثلاثاء 7 فبراير 2017 - 09:12

    انا اتعجب كل العجب من فهم المغاربة للديموقراطية وللدستور, خصوصا الاحزاب التي تدعي ان ما يسمى ب"البلوكاج الحكومي" انه ضرب للديموقاطية و العكس هو الصحيح. هل جهل بابجديات الديموقراطية ام مناورة سياسية و تطبيل للبيجيدي? امية وجهل صارخ في السياسة و الديموقراطية و القانون الدستوري.

    البيجيدي ليست لديه اغلبية بل هو فقط الحزب الحائز على اكبر عدد من الاصوات و اذا لم يستطع بنكيران استمالة الاحزاب الى صفه و التفاوض معهم فانه يعتبر بانه قد فشل في الظفر بالاغلبية لتشكيل الحكومة مثل ما يحدث في الديموقاطيات العريقة ومن ثم يتم الرجوع الى الدستور لحل هذ التعثر وفي الدستور المغربي لا يوجد حل مباشر لهذا التعثر بل حل غير مباشر و هو الرجوع الى اعلى سلطة في البلاد و هو الملك. وعن القرار الذي سيتخده جلالة الملك لا يمكننا الا تكهن, هل سينتقل للحزب الثاني في الترتيب? هل سيحل البرلمان ويعيد الانتخابات? او او الله اعلم! ولكن الارجح هو انه ربما ينتقل للحزب الثاني لان الوضع السياسي الراهن يفضي بان هذا هو احسن حل.

صوت وصورة
ميطا 3 | تحليل مواجهة "الأسود" ومالي
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 21:17 6

ميطا 3 | تحليل مواجهة "الأسود" ومالي

صوت وصورة
ضيوف من الفضاء
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 20:36 1

ضيوف من الفضاء

صوت وصورة
أزمة المواقف مستمرة وسط البيضاء
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 15:32 5

أزمة المواقف مستمرة وسط البيضاء

صوت وصورة
أبي رقراق ينبض بالحياة
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 13:32 1

أبي رقراق ينبض بالحياة

صوت وصورة
طرق مدمرة وخدمات غائبة
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 11:18 4

طرق مدمرة وخدمات غائبة

صوت وصورة
ما علاقة الخريف بالأمراض التنفسية؟
السبت 3 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ما علاقة الخريف بالأمراض التنفسية؟