“تعطيل العدالة: فاتورة لا يوقّعها أحد”
في أزمة قانون المحاماة، أُحصي كل شيء تقريبًا: رقم القانون، ورقم الملف، ورقم القرار، وعدد الأصوات، وتواريخ المصادقة والإحالة.
لكن السؤال الأهم ظل بلا عدّاد: كم كلّف هذا التعطيل المغرب؟ ومن دفع الفاتورة؟
فالأزمة لم تكن مجرد توقف محامين عن العمل، بل توقّف سلسلة كاملة من الخدمات المرتبطة بالعدالة، امتد أثرها إلى المواطن، والمهن القضائية، والإدارة، والاقتصاد، وحتى صورة الدولة نفسها.
1- حين يتوقف الزمن القضائي:
أول كلفة هي التي لا تظهر في ميزانية الدولة: هدر الزمن القضائي.
فالتأخير لا يعني فقط أن الحكم سيصدر متأخرًا، بل قد يؤثر في جودة الحكم، وفي ظروف صدوره، وفي قابلية تنفيذه، وفي مصالح أطراف انتظروا أصلًا سنوات للوصول إلى المحكمة.
ومن يونيو إلى شتنبر، تتراكم الملفات بدل أن تُصفّى، وكل شهر يضيف طبقة جديدة من التأجيل إلى جبل قائم أصلًا.
وفي القضايا الجنائية، يصبح الزمن أكثر قسوة: المتهم المعتقل احتياطيًا لا ينتظر حكمًا فقط، إنه ينتظر حريته.
وفي منظومة سجنية أنهت سنة 2025 بـ 99.366 سجينًا وبنسبة اكتظاظ بلغت 153%، لا يمكن اعتبار تأخير المحاكمات مجرد مشكلة إدارية.
2- العدالة ليست محكمة فقط:
حين يتوقف المحامي، لا يتوقف المحامي وحده، يتأثر المفوض القضائي الذي يتولى التبليغ والتنفيذ، وتتأخر إجراءات التنفيذ، وتتعطل ملفات مرتبطة بالمحافظة العقارية، وتتأثر الإنذارات والإجراءات التي تباشرها البنوك وشركات التأمين وغيرها من المؤسسات.
إنها سلسلة مترابطة، توقف المحامي عن العمل لا يعطل الملف القضائي وحده، بل يربك سلسلة كاملة من الإجراءات، فتتأخر التبليغات، ويتعطل التنفيذ، وتبقى العقارات معلقة، وتتأثر معاملات البنوك وشركات التأمين، وفي النهاية يجد المواطن نفسه أمام مصالح مؤجلة وحقوق تنتظر.
وهكذا يتحول الإضراب المهني من قضية تخص مهنة بعينها إلى مشكلة في دورة اقتصادية وقضائية كاملة.
3- محكمة تعمل بنصف طاقتها… وخزينة تدفع الثمن:
حتى مالية الدولة ليست بعيدة عن هذه الكلفة، فالمحاكم والمصالح المرتبطة بها ليست فضاءات قانونية فقط، إنها جزء من الدورة المالية للدولة: رسوم، ومبالغ مودعة، وتنفيذات، ومعاملات، وأداءات مرتبطة بآجال محددة.
وحين تتعطل الملفات، لا يتأخر الحكم وحده، بل قد يتأخر دخول المال إلى الصناديق في توقيته، والتوقيت المالي له رهانات اقتصادية، فالمال الذي كان يفترض أن يتحرك اليوم لا يؤدي الوظيفة نفسها إذا بقي مجمدًا إلى الشهر المقبل.
ومع تراكم التأجيلات، تجد خزينة الدولة نفسها أمام موارد مؤجلة، ومصالح مرتفقيها متأخرة، وسلسلة من الارتباك المالي والإداري الذي لا يظهر في رقم واحد واضح.
4- حين يصبح الموظف جزءًا من المشكلة:
التعطيل الطويل لا ينتج فقط ملفات مؤجلة، بل يخلق أيضًا فراغًا مؤسسيًا، فحين تتراجع وتيرة العمل، يصبح من السهل أن يتراجع معها الانضباط المهني، فالمشكلة هنا ليست في موظف بعينه، بل في الرسالة التي ينتجها التعطيل الطويل: حين تتوقف المؤسسة، يصبح احترام الزمن الإداري نفسه قابلًا للهدر، وهذا أخطر من التأجيل، لأنه يحول الاستثناء إلى سلوك.
5-ومغاربة العالم؟ نافذة أُغلقت في أسوأ توقيت:
الأكثر قسوة أن الأزمة تزامنت مع موسم عودة مغاربة العالم، فبينما انطلقت عملية «مرحبا 2026» يوم 10 يونيو، بدأ التوقف الشامل الثاني بعد خمسة أيام فقط، في 15 يونيو.
وإلى غاية 3 غشت، دخل إلى المغرب 2.741.570 فردًا من الجالية المغربية المقيمة بالخارج، بارتفاع 0,45% مقارنة بالفترة نفسها من 2025.
لكن كثيرًا من هؤلاء لا يعودون فقط للسياحة، يعودون ومعهم ملفات: إرث، عقار، نزاع أسري، وكالة، تنفيذ حكم، أو إجراء لا يستطيع إنجازه من دون محام.
عطلتهم قصيرة، وموعد عودتهم معلوم، فماذا يفعل صاحب ملف وجد باب العدالة مغلقًا؟
يعود إلى أوروبا بملفه كما جاء به، والأخطر أننا نعرف بدقة عدد الذين دخلوا المغرب، لكننا لا نعرف عدد الذين دخلوا المحاكم وخرجوا بلا نتيجة، فالدولة أحصت الوافدين، ولم تحصِ خيباتهم.
6- الوسطاء: الفراغ الذي تركته الدولة:
في أي مرفق عمومي، حين تتوقف الخدمة، يفترض أن يوجد بديل مؤقت يحمي المرتفق، لكن في هذه الأزمة، تُرك المواطن في مواجهة الفراغ.
وحين تغيب القناة الرسمية، يظهر الوسيط، وحين تتعطل المعلومة، تزدهر الوساطة.
وحين يغلق الباب القانوني، تبدأ سوق الوعود: «نعرف فلانًا»، «نستطيع أن ندبر لك الأمر»، «تعال غدًا».
وهنا تصبح مسؤولية الدولة أكبر: ليس لأنها مطالبة بإلغاء حق المحامين في الاحتجاج، وإنما لأنها مطالبة بتوفير الحد الأدنى من استمرارية المرفق القضائي وحماية المواطن من استغلال حالة الفراغ.
ترك المواطن وحده في أزمة بهذا الحجم ليس حيادًا، إنه انسحاب.
7- المحامون أيضًا يدفعون:
ومع ذلك، سيكون من الظلم تصوير المحامين باعتبارهم الطرف الرابح، فصمودهم الذي بدا «أسطوريًا» من الخارج يخفي أزمة اقتصادية حقيقية من الداخل.
فالمكتب لا يتوقف عن دفع الكراء لأن المحامي مضرب، ولا تتوقف أجور الكاتبة والمساعد، ولا تتوقف مصاريف البرامج، والهاتف، والإنترنت، والتجهيزات، والضرائب والالتزامات المهنية.
وحين يطول التوقف، تبدأ الكلفة الاجتماعية بالظهور: تسريح كاتبات وأجراء مكاتب المحامين، وانكماش مداخيل أسر مرتبطة مباشرة بالمهنة.
ولهذا فإن الصورة أكثر تعقيدًا من ثنائية «محامٍ يضرب ومواطن يتضرر».
المحامون خسروا أيضًا، لكنهم اختاروا أن يتحملوا الكلفة دفاعًا عن مطالبهم، أما المواطن فلم يختر شيئًا.
8- الدولة والمواطن: أخطر فاتورة:
لكن أخطر كلفة ليست مالية، إنها كلفة الثقة.
عندما يرى المواطن أن محكمة مغلقة، وملفًا مؤجلًا، ومصلحة متوقفة، وموعدًا ضائعًا، ثم لا يجد بديلًا واضحًا، يبدأ السؤال الأخطر: أين الدولة؟
الدولة ليست فقط البرلمان والحكومة والقوانين، الدولة هي أيضا أن يجد المواطن مرفقًا يعمل عندما يحتاجه، وأن يجد قاضيًا في موعده، وموظفًا في مكتبه، وتبليغًا في وقته، وتنفيذًا بعد الحكم.
وحين تتعطل هذه السلسلة طويلًا، لا يقول المواطن: «هناك خلاف مهني حول قانون المحاماة»، قد يقول شيئًا أبسط وأخطر: «نحن أمام دولة لا تعمل.»
وهنا تتحول أزمة مهنية إلى أزمة صورة الدولة في عين المواطن.
9- والصورة خارج الحدود ليست أفضل:
المسألة لا تتوقف عند الداخل، المغرب يريد أن يقدم نفسه باعتباره دولة مؤسسات، واستثمار، وحكامة، وأمن قانوني وقضائي.
لكن المستثمر لا يقرأ البيانات فقط، ينظر إلى سؤال بسيط: إذا وقع نزاع، كم سأنتظر حتى أحصل على حكم؟ وكم سأنتظر حتى يُنفذ؟
و”مغربي العالم” لا يسأل فقط عن الطريق والمطار والفندق، بل يسأل أيضًا: هل أستطيع أن أقضي مصالحي القضائية في بضعة أسابيع؟
والمنظمات الحقوقية تنظر بدورها إلى استقلال الدفاع، وحقوق المتقاضين، والمحاكمة العادلة، وأوضاع المعتقلين.
لذلك فإن تعطيل العدالة يرسل رسالة تتجاوز حدود المهنة: حين تتعطل العدالة، تتضرر صورة المغرب الحقوقية والاقتصادية والحكاماتية معًا.
10- استقلال القضاء وحصانة المحامي، شرط الدفاع الحر:
ولا ينبغي أن تُختزل مطالب المحامين في خلاف مهني أو في امتيازات لفئة بعينها. فجزء جوهري منها يرتبط بالدفاع عن استقلال القضاء وحصانة المحامي واستقلاله في أداء رسالته، باعتبار ذلك شرطًا أساسيًا لحرية الدفاع ونزاهته، فالمحامي الذي يعمل تحت الخوف أو الرهبة أو التهديد لن يستطيع أن يدافع عن موكله بالجرأة والاستقلال اللذين تقتضيهما العدالة، كما أن قضاءً يفتقد الاستقلال والإنصاف لن يكون قادرًا على حماية حقوق الضعفاء في مواجهة الأقوياء، لذلك فإن الدفاع عن استقلال المحاماة ليس دفاعًا عن مهنة وحدها، بل عن حق المواطن في دفاع حر، وعن حق المجتمع في قضاء عادل، وعن دولة القانون التي لا تكتمل إلا بقضاء مستقل ومحامٍ قادر على أداء رسالته دون خوف.
11- الرقم الذي لا وجود له:
في النهاية، تبقى المفارقة الكبرى كما هي:
نعرف أن مجلس النواب صادق على المشروع ب 163 صوتًا مقابل 57.
نعرف أن التوقف الإنذاري امتد من 15 إلى 21 يونيو.
نعرف أن التمديد إلى أجل غير مسمى أُقر في 20 يوليوز.
نعرف أن الإحالة تمت في 8 يوليوز.
نعرف أن المحكمة الدستورية أصدرت قرارها رقم 277/26 م.د في الملف 317/26، وأنها لم تدخل أصلًا إلى مناقشة مضمون القانون بسبب خلل في الإحالة.
لكننا لا نعرف:
كم جلسة أُجلت؟ كم ملفًا تراكم؟ كم معتقلًا بقي ينتظر؟ كم حكمًا تأخر تنفيذه؟ كم خسر المفوضون القضائيون؟ كم تأثرت المحافظات العقارية والبنوك وشركات التأمين؟ كم فقدت خزينة الدولة من موارد مؤجلة؟ كم مكتبًا سرّح موظفيه؟ كم مغربيًا من مغاربة العالم عاد بملفه؟ وكم مواطنًا دفع لوسيط لأنه لم يجد مؤسسة تقدم له جوابًا؟
هذا هو الرقم الذي لا وجود له.
ولذلك فالسؤال الحقيقي بعد كل هذه الأزمة ليس: من انتصر، الحكومة أم المحامون؟
السؤال هو: كم كلّفت المعركة العدالة؟ وكم كلّفت المواطن؟ وكم كلّفت الدولة نفسها؟
فالقانون يمكن أن يُعاد إحالته، والإضراب يمكن أن ينتهي، والبرلمان يمكن أن يصحح خطأه.
لكن الزمن القضائي الضائع لا يعود، والثقة التي تتآكل لا تُستعاد بقرار إداري.
وفي النهاية، أخطر فاتورة ليست تلك التي يمكن أن تظهر في الحسابات.
إنها تلك التي تظهر في عقل المواطن عندما يبدأ في الشك بأن الدولة موجودة، لكنها لا تعمل.
ينبغي على الدولة المغربية تطبيق القانون التنظيمي لممارسة الحق في الإضراب رقم 97.15 الذي صدر يوم 4 شتنبر 2025 ودخل حيز التطبيق يوم 3 يناير 2026 الذي يمنع الإضراب التضامني والدعوة إلى الإضراب من قبل هيئة غير نقابية.