تقرير: اللغة "أداة تمييز خفية" تقصي المقتصرين على العربية والأمازيغية

تقرير: اللغة "أداة تمييز خفية" تقصي المقتصرين على العربية والأمازيغية
صورة: و.م.ع
الأربعاء 20 ماي 2026 - 00:00

حذّر تقرير جديد من أن “الواقع اللغوي” في المغرب يحوّل “اللغة إلى أداة تمييز خفية، تكرَّس عبر النظام التعليمي”؛ فقد “تحوّل التفاوت اللغوي إلى عائق بنيوي أمام تكافؤ الفرص، فيَحدث نوع من الإقصاء الرمزي الذي لا يتم صراحة لكنه يقصي عمليا من لا يمتلك لغة النخبة، وهو الوضع الذي يؤدي إلى إعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية من جيل إلى جيل”.

وسجل التقرير التركيبي الصادر عن الهيئة الأكاديمية العليا للترجمة، التابعة لأكاديمية المملكة المغربية، بعنوان “تعليم الترجمة وتعلمها في المغرب”، والذي أعده كل من عبد الفتاح الحجمري وسعيد الحنصالي وعبد الحق منصف، أن “العربية والأمازيغية، رغم طابعهما الرسمي والدستوري، لا تزالان غائبتين عن قطاعات استراتيجية؛ كالإدارة العليا والتعليم العالي العلمي والمقاولة. وهذا يعمّق الفجوة بين اللغات الرمزية القائمة على الهوية والانتماء، واللغات الوظيفية القائمة على منطق النفوذ والوصول، في غياب سياسة لغوية تعيد توزيع الوظائف بشكل عادل”.

واسترسل التقرير منبها: “في السياق المغربي، ليست الفرنسية مجرد لغة أجنبية؛ بل أضحت في الوعي الاجتماعي لغة النفوذ فهي لغة الإدارة والاقتصاد والقضاء ولغة النخبة التكنوقراطية القادرة على ولوج فضاءات التمكين الاجتماعي والاقتصادي. أما من يقتصر على العربية أو الأمازيغية أو الدارجة، فيجد نفسه محصورا في دائرة محدودة الإمكانات، وغالبا ما يواجه عوائق في الترقية الاجتماعية. وبالتالي، فإن إتقانها أو عدم إتقانها لا يعكس فقط مستوى تعليم الفرد؛ بل يحدد أيضا حظوظه في سوق الشغل وفي الترقية الاجتماعية وفي التمثيلية السياسية أحيانا. وهذا ما يؤدي إلى ثنائية لغوية طبقية، فالأسر الميسورة تستثمر في تعليم أبنائها بالفرنسية أو الإنجليزية منذ الصغر، بينما يترك أبناء الطبقات المتوسطة والفقيرة في مؤسسات عمومية تدرّس بالعربية غالبا، ليصطدموا لاحقا بلغة مغايرة تماما في الجامعة أو الحياة المهنية”.

وذكّر التقرير بأن “المغرب وجد نفسه، منذ الاستقلال سنة 1956، مطالبا بإعادة بناء المنظومة اللغوية الوطنية، انطلاقا من اعتبار اللغة أداة للهوية والسيادة الثقافية. وقد اختير التعريب آنذاك خيارا سياديا يسعى إلى فك الارتباط بالهيمنة الفرنسية؛ فبدأ المشروع بتعريب المواد الأدبية والشرعية، وتم تأسيس مكتب تنسيق التعريب بالرباط سنة 1961، تحت إشراف الألكسو، بهدف توحيد المصطلح العلمي باللغة العربية”، لافتا إلى أن “هذا التوجه، رغم أهميته الرمزية، لم تصاحبه رؤية تكاملية تدمج الترجمة بوصفها قناة ضرورية لإنتاج المعرفة بالعربية؛ بل ظلت الترجمة ممارسة متفرقة لا تخضع لتخطيط مؤسسي، ولا ترتكز على استراتيجية معرفية مستدامة مرافقة لعملية التعريب”.

وواصلت الوثيقة، بعد صفحات من التشخيص النظري والتطبيقي: “يتجلى القصور البنيوي في غياب تمييز وظيفي ومؤسسي بين مفهومي الترجمة والتعريب؛ فالترجمة تنطوي على نقل دقيق للمعنى ضمن بنيات لغوية وثقافية مختلفة، بينما يركّز التعريب على تكييف المفاهيم ضمن البنية اللسانية العربية، متأثرا بإكراهات التأصيل الثقافي ومقتضيات الهوية. وقد تُرجم هذا الالتباس لترسيخ الانتماء الوطني في التعليم المدرسي، في حين ظلت التخصصات العلمية في الجامعة تدرّس بالفرنسية، مما خلق هوة لغوية ومعرفية حادة عند انتقال الطالب من الثانوي إلى العالي”.

ثم أردف قائلا: “على الصعيد العملي، لم تقترن عملية التعريب بإصلاحات متكاملة في المناهج التعليمية؛ فقد غابت مرجعيات المصطلح الموحدة، وانخفض مستوى التكوين البيداغوجي للأساتذة في مجالي التعريب والترجمة. وأنجزت الكتب المدرسية غالبا من خلال التأليف المباشر، دون اعتماد ترجمات علمية دقيقة، وفي غياب بنك وطني للمصطلحات يمكن أن يوجه إنتاج المفاهيم العلمية والتقنية. أما الترجمة، فقد تم اختزالها في المناهج التعليمية إلى تمارين لغوية عرضية، لا ترقى إلى مستوى الأداة البيداغوجية القادرة على دعم التعددية اللغوية أو ربط المعارف بين الحقول واللغات. أما في الجامعة، فقد ظل تعليم الترجمة خارج التصور المؤسسي لتخصص مستقل”.

وعلى الرغم من “مكانة مدرسة الملك فهد العليا للترجمة بطنجة، باعتبارها المؤسسة الوحيدة ذات التخصص الصريح والمستقل في الترجمة (…) وعلى الرغم إشعاعها على المستويين العربي والإفريقي، فإن هذه المدرسة لا تزال تشكل حالة استثنائية ومعزولة داخل المنظومة الجامعية المغربية، ولم تفعّل الدولة أية آلية لنقل تجربتها العريقة إلى الجامعات العمومية الأخرى”.

أما في “الوثائق الإصلاحية الكبرى، كالميثاق الوطني للتربية والتكوين (1999) والرؤية الاستراتيجية (2015-2030)”، فلوحظ “استمرار هذا التجاهل البنيوي، حيث اكتفت بتأكيد مبادئ الانفتاح والتعددية، دون بلورة سياسة ترجمة واضحة”.

وبعد تشخيص واقع يعرف “اختلالات عميقة في تدبير السياسة اللغوية”، ذكر التقرير أن هذا ما أفضى إلى “نتائج عملية؛ أبرزها: صدمة لغوية لدى الطلبة، وفوضى مصطلحية، وضعف تكوين الأساتذة، وغياب تراكم علمي باللغة العربية يمكن الركون إليه في التكوين والبحث”.

وأضاف المصدر: “إن غياب سياسة وطنية مندمجة في تعليم الترجمة، تؤطر التنسيق بين مدرسة فهد والكليات الجامعية، وتحدده مرجعية بيداغوجية ومهنية واضحة، يجعل تعليم الترجمة في المغرب مسعى غير مكتمل، ويفوت على البلاد فرصة استراتيجية لبناء منظومة ترجمة وطنية تستجيب لحاجيات الدولة والمجتمع والاقتصاد، في الداخل كما في المحيطين الإقليمي والدولي”.

وانتقد التقرير السياسات اللغوية والثقافية التي “ظلت غالبا حبيسة ثنائية الانغلاق والانفتاح أو التعريب والتغريب، دون استيعاب تحولات الواقع الاجتماعي والمعرفي الذي يفرض اليوم حتمية إدارة عقلانية وواقعية للتعدد اللساني”.

ثم وقف عند “التحول الرقمي المتسارع، وعلى رأسه الذكاء الاصطناعي بكل تجلياته”، حيث “يفرض نفسه كعنصر فارق في إعادة تشكيل مهنة الترجمة ومقاربات تعليمها؛ فقد أصبح الذكاء الاصطناعي التوليدي وأدوات الترجمة الآلية المعززة بالذكاء الاصطناعي جزءا لا يتجزأ من الممارسة المهنية الحديثة”، علما أن “هذه الأدوات لا تغير فقط طرائق إنجاز الترجمة؛ بل تعيد صياغة مفهوم الكفاءة الترجمية ذاتها، بما يتطلب دمج مهارات رقمية وتحليلية جديدة ضمن التكوين، من قبيل: تدقيق الترجمة الآلية، وتحليل الخطاب بمساعدة أدوات الذكاء، وضبط المعايير الأخلاقية للتفاعل مع الأنظمة التوليدية”.

كما سجل التقرير ارتهان “مستقبل تعليم الترجمة في المغرب” لـ”قدرة مؤسساته الأكاديمية على الانخراط الواعي في هذا التحول الرقمي؛ من خلال بلورة سياسات تكوين مرنة ومندمجة تراعي التطورات التكنولوجية دون السقوط في منطق الإحلال الكامل للآلة محل الإنسان، وتسهم في تكوين مترجمين ذوي كفاءة مزدوجة: إنسانية ورقمية، قادرين على إنتاج معرفة لغوية وثقافية مستقلة، ومؤهلين لقيادة الترجمة بوصفها ممارسة استراتيجية في عصر الذكاء الاصطناعي”.

ودعا تقرير الهيئة الأكاديمية العليا للترجمة التابعة لأكاديمية المملكة المغربية إلى “بلورة سياسة ترجمة وطنية واضحة، تعترف بأهمية الترجمة في الإصلاح التربوي، وتربط بين التعليم والتكوين والنشر ومؤسسات البحث في أفق بناء مجتمع معرفي متعدد اللغات، متصالح مع ذاته، ومنفتح على العالم بشروطه”، تتحول فيه الترجمة “من التصور التقليدي إلى رؤية نسقية حديثة للترجمة” ولا يكون فيها إدماج الترجمة في التعليم المغربي “استجابة ظرفية”؛ بل “مدخلا لتكريس سيادة معرفية قائمة على المساواة اللغوية، وتحقيق التكافؤ في فرص التعلم، وتثمين الإنتاج الثقافي المحلي”.

كما خلص التقرير التركيبي للهيئة إلى أن “بناء إطار مرجعي وطني بيداغوجي لتعليم الترجمة في المغرب، في ارتباطه بالتعدد اللغوي والعدالة المعرفية، يشكل فرصة لإعادة التفكير في الدور الذي يمكن للترجمة أن تضطلع به في خلق فضاء عمومي أكثر شمولا، وفي صياغة سياسات لغوية عادلة تسهم في التمكين الثقافي لكل مكونات المجتمع المغربي”؛ مما يستدعي “إلى جانب إصلاح البرامج الجامعية، إطلاق حوار وطني جامع يضم صناع القرار والجامعيين والخبراء والمترجمين وممثلي المجتمع المدني، لصياغة سياسة وطنية للترجمة، يتم إدراجها ضمن رهانات المغرب الاستراتيجية الكبرى”.

يذكر أن التقرير التركيبي المعنون بـ”تعليم الترجمة وتعلمها في المغرب.. بين الاستراتيجيات المعرفية والمؤسسية والسياسات التربوية” الصادر ورقيا في 160 صفحة، يرتكز على “جملة من المحاضرات والمنتديات والأشغال التي نظمتها الهيئة العليا للترجمة”. كما يستند هذا التقرير إلى “دراسة تحليلية لمجموعة من البحوث والدراسات الأكاديمية حول الترجمة وتعليمها، وحول تطور النظام التربوي المغربي وسياساته المنهاجية، وعدد من التقارير الوطنية حول السياسات التعليمية منذ استقلال المغرب حتى اليوم”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

8
  • reza
    الأربعاء 20 ماي 2026 - 00:35

    بالفعل أداة تمييز خفية تطحن مغاربة الدرجة الثانية بسبب الفرض الغير المباشر للتدريس بالفرنسية في المواد العلمية في المرحلة الثانوية الإعدادية.. الحمد لله الذي نجانا ودرسنا قبل أن تأتي هذه الكارثة. (بالنسبة لمن سيقول أن التدريس في الجامعة يكون بالفرنسية وبالتالي من الأفضل أن يتم التدريس منذ البداية بالفرنسية ، فهذه المشكلة أهون بكثييييييير من أن تدرس شيئا لتلميذ بلغة غير متمكن منها وتضاعف محنته، بل في نظري هذه مجرد حجة مفتعلة ؛ لأن في المرحلة الجامعية يكون التلميذ متمكن بدرجةلا بأس بها من الفرنسية ويمكنه أن يتأقلم بسهولة مع التغيير ، وهذا ما حدث بالفعل مع جيلنا)

  • Simple
    الأربعاء 20 ماي 2026 - 01:00

    لغات لبلدان لمتقدمة كأمريكا وألمانيا وفرنسا وإنجلترا هيا لي نافعا,ماشي لغة لبلدان لمتخلفة

  • benha
    الأربعاء 20 ماي 2026 - 08:17

    ما يعطي للغة القوة و الاهمية هو قوة الاقتصاد و الثقافة و قوة الابتكار و الابداع و والاختراع و ما الى ذلك ، فكلما كان اصحاب اللغة اقوياء ماديا و معنويا كلما تقوت لغتهم و كلما كانوا ضعافا متخلفين تخلفت كذلك لغتهم ، والامازيعية لازالت ضعيفة لانه تم اضعافها باضعافاهلها بالاقصاء و التهميش و القهر … ، و لكن و رغم ذلك هاهي بدات تنمو و ستتالق في المستقبل ، بخلاف العرببة التي تم دعمها، عبر الزمان ، بكل الامكانيات المادية والدينية و غيرها الا انها لازالت ضعيغة اذا لم تكن تتراجع ، لأنها لا تواكب العصر بعلومه و تكنولوجيته لانها لغة عبادة و ادب الى غير ذلك و ليست لغة علم ، و لذلك و جب الاهتمام اكثر بالامازيغية لغة الام للمواطنين و بها يمكن ان نحقق مستقبلا زاهرا ، و ان نهتم باللغات الاخرى كالانجليزية بالخصوص لانها لغة عالمية و الفرنسبة و غيرها .

  • تطورالتعليم بالمغرب وضحايا اللغة الانجليزية اية علاقة؟
    الأربعاء 20 ماي 2026 - 10:03

    يقال ان التعليم بالمغرب يتطور ويواكب الرقمنة العالمية.لكن في الواقع هذا الكلام مردود عليه لم؟
    المغرب انفتح على الرقمنة والعولمة وأصبح جيل المغرب الجديد ممارسا للغة الإنجليزية يوميا من خلال استهلاكه الرقمي اليومي لكن بالنسبة للتعليم نجد ان التعامل مع التلاميذ هؤلاء ضحايا اللغة الانجليزية غائب خصوصا ان شريحة مهمة تغادر مقاعد الدراسة نظرا لغياب سلك دولي انجليزي بالابتدائي والاعدادي بل حتى توافر تقنية ترجمة واختيار لغة إنجاز الامتحانات سواء المراقبة المستمرة أو الاشهادي غائبة حتى بالنسبة لتكييف الفروض
    فاي تطور هذا الي لا يقدم حتى ابسط الامور والحقوق لهذه الفئة وهي ترجمة الامتحانات بالإنجليزية خصوصا ان ذلك بسيط من خلال الترجمة الفورية؟

  • Penser aux obstacles futurs
    الأربعاء 20 ماي 2026 - 11:31

    كاتب المقال يرى انه من الضرورة تعلم اللغة الفرنسية بالنسبة للمتمدرسين،لكن في الوقت الراهن أصبحت الكثير من دول العالم تلزم دراسة اللغة العلم و الثقافة و التواصل،الإنجليزية،منذ المرحلة الإبتدائية.الطالب بالتعليم العالي سيصطدم بعراقيل كبيرة،لأن البحوث العلمية و الادبية بالتعليم العالي تقريبا كلها بالإنجليزية

  • علي نايت سوس
    الأربعاء 20 ماي 2026 - 13:35

    بالعكس اللغة الأأمازيغية امتياز كبير جدا في المغرب لأن معظم الشركات الصناعية والسياحية ومئات الفنادق الفخمة يملكها الامازيغ، ,انا شخصيا امارس التمييز الايجابي وأعطي الاولوية في الشغل للأمازيغ، لأني اعرف بانه يتعرضون أيضا للتمييز.

  • مغربي
    الأربعاء 20 ماي 2026 - 14:50

    العربية هي لغة و الأمازيغية هي لهجة او لهجات لا تفهم بعضها إلى بوجود العربية !

  • رضوان
    الأربعاء 20 ماي 2026 - 18:01

    استغلال كثرة ولوج الشباب إلى وسائل التواصل الاجتماعي بدمج تطبيقات لتعليم اللغات الحية،وذلك عوض ترك الشباب عرضة للضياع والتيه في الفيسبوك وغيره وضياع الوقت دون نتيجة تذكر.
    ومما يشجع على القراءة وأولها تعلم واكتساب اللغة والمهارات الأساسية،يجب دعم ثمن الكتاب ليصبح متاحا للقراء، خاصة النشء بثمن مشجع.

صوت وصورة
تصوير الخيول في معرض الفرس
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 23:24

تصوير الخيول في معرض الفرس

صوت وصورة
هلال: مجلس الأمن قبَر الاستفتاء
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 19:31 1

هلال: مجلس الأمن قبَر الاستفتاء

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | استراتيجية جديدة للهجرة
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 19:00 1

أبعاد استراتيجية | استراتيجية جديدة للهجرة

صوت وصورة
التويزي رئيسا جديدا لمجلس النواب
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 18:22 8

التويزي رئيسا جديدا لمجلس النواب

صوت وصورة
النواب يشرعون في انتخاب الرئيس
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 15:51 1

النواب يشرعون في انتخاب الرئيس

صوت وصورة
الرقمنة في خدمة مربي الخيول
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 13:42

الرقمنة في خدمة مربي الخيول