تمثيلية الارتزاق

تمثيلية الارتزاق
الثلاثاء 13 فبراير 2024 - 13:41

هناك اليوم شبه إجماع على أن الديمقراطية المحلية فتحت أبوابها على مصراعيها لكل من هب ودب، لا لِتمثيل المواطنات والمواطنين من أجل الدفاع عن حقوقهم، والاجتهاد والابتكار لتحقيق إنجازات تساهم في تحقيق مشاريع اقتصادية واجتماعية في الأحياء التي يمثلونها، بل لممارسة “تمثيلية الارتزاق” من أجل الحصول على مكاسب مادية تخدم مصالحهم الخاصة فحسب، حتى أصبحت الجماعات بمثابة” بقرة حلوب” بالنسبة للكثير من الانتهازيين.

ومن الملاحظ أنه في كل محطة انتخابية تتهافت أفواج من الراغبين في الترشح للانتخابات أمام مقرات المقاطعات الحضرية والقيادات بالجماعات القروية، علما بأن معظمهم لا يتوفرون على أدنى شروط المواطنة الحقة والكفاءة اللازمة والتربية السياسية الضرورية التي تؤهلهم لذلك؛ مما ينعكس سلبا على الفعالية والحكامة الجيدة للعمل الجماعي برمته ويفقد المصداقية للجماعات المحلية.

لقد دامت تجربتنا الديمقراطية بالمغرب قرابة نصف قرن، على الأقل منذ اعتماد الميثاق الجماعي لسنة1976 ، مع كل التعديلات التي أجريت عليه نظرا للتطورات والأحداث المتنوعة التي عرفتها بلادنا والتي كانت تستلزم التأقلم والتكيف معها..

لكن هذه التجربة، كما هو واضح للجميع ،ظلت متعثرة ولم تَرْقَ بعد إلى المستوى الذي كان يتوخاه منها المشرع المغربي نفسه وينتظره المواطنون المغاربة أداءً ونتيجة.

وإذا قمنا بتشخيص دقيق لهذه الحالة، لا شك أننا سنصطدم بحقائق غير سارة أساءت ولا زالت تسيئ إلى تجربتنا الديمقراطية، في مقدمتها تهاون الأحزاب السياسية في القيام بأدوارها كاملة كما ينص عليها الدستور، وذلك بتأطير أمثل وتمثيل حقيقي للمواطنين مع المساهمة في إصلاح ما عجزت عنه الأسرة، وربما حتى المدرسة من حيث تربية الأجيال..

كما أن الدولة بدورها، من خلال أجهزتها المختصة، أبدت شيئا من التهاون والتساهل، سهوا أو عمدا، في تفعيل وتطبيق القوانين المؤطرة للعمل الجماعي، حتى وصل الاستهتار واللامبالاة بالكثير من المنتخبين إلى حد ارتكاب العديد من التجاوزات والخروقات السافرة بجل الجماعات، نظرا لعدم تطبيق الجهاز المعني لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة إلا في حالات ناذرة.

ألم يحن الوقت بعد للقيام بمراجعة استعجالية وحقيقية للميثاق الجماعي بما في ذلك مدونة الانتخابات لجعلها قادرة وصالحة لمواكبة التحولات والأحداث التي تعرفها بلادنا وخاصة بعد الفضائح التي اهتز لها الرأي الوطني والدولي مؤخرا والتي كان أبطالها بعض المنتخبين من “الوزن الثقيل”؟..

لذا لن نقتصر فقط على تشخيص” المرض” الذي بات ينخر الجسم السياسي عموما والمؤسسات المنتخبة خصوصا، بل سنحاول تقديم بعض “الوصفات” التي من شأنها أن تساهم في معالجة الاختلالات والهفوات التي تعرقل المسار الديمقراطي ببلادنا، بفضل ممارستنا المباشرة والطويلة في الميدان بدون انقطاع منذ سنة 1976 إلى سنة 2021 والتي تمكنا خلالها من اكتساب تجربة غنية ميدانيا تؤهلنا للإدلاء برأينا في الموضوع.

فحبذا لو تتفضل الإدارة الوصية على المؤسسات المنتخبة بالاطلاع على هذا المقال الذي سنتقدم عبره ببعض الأفكار والمقترحات للاستئناس بها في مشروع تعديل محتمل للميثاق الجماعي.

الأحزاب السياسية واختيار المرشحين:

لا نرى عيبا في أن تتنافس الأحزاب السياسية فيما بينها للفوز بأكبر عدد من المقاعد في الانتخابات الجماعية، لأن هذه الأخيرة تعد المفتاح الأول للفوز بالاستحقاقات الإقليمية والجهوية والوطنية الموالية وخاصة منها انتخابات أعضاء مجلس المستشارين، شريطة ألا تكون المقاعد وحدها هي الهاجس الأساسي للأحزاب، وخاصة إذا كان أصحاب هذه المقاعد يفتقرون لأدنى شروط المروءة اللازمة والكفاءة الضرورية لتحمل المسؤولية خدمة للصالح العام، عملا بمبدأ: “الرجل المناسب في المكان المناسب”.

فلذلك، وتفاديا لوصول أشخاص غير مؤهلين إلى مراكز المسؤولية بالجماعات المحلية، فقد بات ضروريا وملحا توفر ميثاق شرف حقيقي قابل للتطبيق يكتسي صبغة مؤسساتية فعالة وملزِمة بين الأحزاب الوطنية، للتصدي للمفسدين وسماسرة الانتخابات الذين يتسللون إلى حرمة المؤسسات المنتخبة ويبثون فيها بذور الفساد، وفقا للمقولة الشعبية الشهيرة: “حوتة واحدة كتخنز الشواري”..

فلو أتيحت لنا فرصة الإدلاء برأينا، لاقترحنا تأسيس لجنة خاصة تتولى الإشراف على عملية ما يسمى ب ” الانتقاء الأولي”، كما هو معمول به في بعض المؤسسات، تكون مهمتها السهر على دراسة ملفات الترشيحات على صعيد كل دائرة لانتقاء المرشحين الأكفاء قبل البت فيها من طرف السلطات المعنية. ومبررنا في ذلك هو أن معظم الدوائر الانتخابية في جميع أنحاء المملكة يكون فيها عدد المسجلين باللوائح الانتخابية غير متكافئ مع عدد المرشحين. والدليل على ذلك، على سبيل المثال، وجود دائرة انتخابية تضم 600 مسجلا ويترشح فيها خمسة مرشحين، فيفوز فيها مرشح ب80 صوتا فقط، لتتوزع الأصوات المتبقية على المرشحين الأربعة الآخرين.

فهل 80 صوتا من أصل 600 المحصل عليها من طرف المرشح الفائز تمثل أغلبية حقيقية لسكان الدائرة المعنية؟

وهل هذا الفائز هو فعلا منتخب نظيف ومثالي، والحال أن الأصوات التي حصل عليها لا يتم الإدلاء بها في الغالب إلا من طرف ثلة قليلة من السكان ربما يكون جلها من عائلته المقربة ؟

فهذه معضلة حقيقية لا يمكن معالجتها إلا بإعادة النظر في نمط الاقتراع باعتماد الدور الثاني كحل بديل إذا تعذر على الجهاز المختص العمل بفكرة الانتقاء الأولي.

الأحزاب السياسية والدعم المادي للمرشحين:

من المعلوم أن الأصل في العملية الانتخابية هو التطوع والمجانية في تمثيل السكان بدائرة معينة. والتطوع يعني أن المرشح للانتخابات هو الذي يضع نفسه رهن إشارة سكان الدائرة التي ينتمي إليها لتمثيلهم لدى الجماعة المحلية وخدمتهم بدون مقابل، معتمدا على نفسه للقيام بحملته على حسابه الخاص، على أن يتولى الحزب الذي ينتمي إليه نفقات الوثائق الإدارية ذات الصلة وكذا الملصقات وبعض المصاريف المتعلقة بتنقلاته وكفى..

أما أن يحصل على دعم مالي مهم ليتصرف فيه كما يشاء، فذلك هو الريع السياسي بعينه لأن ذلك يشجع كثيرا من المتطفلين على السياسة على اختراق هذا الميدان لأغراض خاصة، فينتظرون كل محطة انتخابية للتربص بالأحزاب السياسية لابتزازهم والحصول على مبالغ مالية لا يصرفون منها إلا جزءا قليلا، والجزء الآخر يضعونه في جيوبهم، ولا يهمهم الفوز أو الخسارة في الانتخابات.

التعويضات عن المهام داخل المجالس:

كما سبقت الإشارة إلى ذلك، فإن مهمة المنتخب مبدئيا هي مهمة تطوعية ومجانية. ولقد كانت الأمور على هذا النحو في بداية التجربة الديمقراطية، حيث كان أعضاء مكاتب المجالس المحلية، بما فيهم الرؤساء، لا يتقاضون إلا تعويضات جد هزيلة لا تكفيهم حتى لتغطية مصاريف تنقلاتهم إلى مقر الجماعة، ومع ذلك لم يكونوا يشتكون من هذه الوضعية إيمانا منهم بأنهم في خدمة وطنهم ومواطنيهم بدون مقابل.

لكن، مع مرور الوقت انتبه المشرع، لا شك بحسن نية، إلى أحوال المنتخبين، فزاد بسخاء كبير في تعويضات الرؤساء ونوابهم ورؤساء اللجان الدائمة والكتاب وخلفائهم، بالإضافة إلى التعويضات عن التنقلات الخيالية وغيرها..و..و… فتحولت المهمة التطوعية والمجانية إلى استعمال الجماعات كمؤسسات لتوظيف المنتخبين.. وهذا هو منتهى الريع الانتخابي الذي ساهم في تبخيس العمل السياسي عوض أن يكون عملا نبيلا ونضالا مستمرا بوطنية ثابتة من أجل التنمية والاستقرار الاجتماعي للبلاد والعباد.

إلزامية تفعيل المواد القانونية:

لقد تبين من خلال الممارسة للشأن المحلي على أن هناك بعض النواقص والمعيقات التي تعرقل المسيرة السليمة للمجالس المحلية، تتجلى خصوصا في عدم تطبيق الضوابط القانونية المؤطرة لها من طرف السلطات المختصة المخول لها تتبع ومراقبة الشأن الجماعي والتي على عاتقها ومسؤوليتها السهر على تفعيل وتطبيق المواد والنصوص القانونية المتضمنة في الميثاق الجماعي، إذ من واجبها ألا تغض الطرف عن الخروقات الواضحة التي تتداول في شأنها وتقرها الأغلبية المطلقة للمجلس. ومثل هذه الحالات تنظمها المواد 36 و 64و 72 من القانون التنظيمي للجماعات الترابية.

فقد يكون مبرر السلطات المختصة في هذا الشأن هو النأي بنفسها عن الصراعات الداخلية للمجالس المنتخبة، إما بمحض إرادتها أو بإملاءات من الدوائر العليا، تجنبا للحساسيات السياسية التي تتشكل منها تلك المجالس وتفاديا لكل ما من شأنه أن يغضب حزبا من الأحزاب. وهذا في نظرنا رأي غير منطقي وغير مقنع، وأن “العذر أكبر من الزلة”، حيث لا مكان للمحاباة أمام القانون الذي يلزم الجميع بدون استثناء.

إعادة النظر في المادة 70 المتعلقة باستقالة الرئيس أو بإقالته بعد انصرام أجل ثلاث سنوات على ولاية المجلس:

لا شك أن هذه المادة قد وضعها المشرع من أجل ضمان استمرارية واستقرار المجلس إلى نهاية الولاية. غير أن هذه الفكرة، إن كانت فعلا في ذهن المشرع، فإنها لم تعد صالحة بحكم التجربة، كما أن حصول المجلس على ثلاثة أرباع من مجموع أعضائه لإقالة الرئيس الذي لم يعد صالحا للتسيير يكاد يكون مستحيلا. ونتيجة لذلك، فإن رئيس المجلس، بمجرد أن يتجاوز خط التماس بالمرور إلى النصف الثاني من الولاية، يحسب نفسه مستقلا عن الأعضاء، أغلبية ومعارضة، ومحصنا من أي تمرد عليه.

وهذه الوضعية من شأنها أن تشل عمل المجلس لمدة السنوات الثلاث الباقية إلى غاية نهاية الولاية، مما يقتضي مراجعة المادة المعنية بالاكتفاء فقط بثلثي الأعضاء لإقالة الرئيس.

إعادة النظر في المادة 20 من القانون التنظيمي للجماعات المحلية المتعلقة بتجريد منتخب من العضوية بمجلس معين:

طبقا للقانون التنظيمي رقم 11. 29 المتعلق بالأحزاب السياسية والذي يمكن بموجبه تجريد كل منتخب من عضويته بمجلس معين إذا تخلى عن انتمائه إلى الحزب الذي ترشح باسمه أثناء مدة الانتداب، وحيث أن الممارسة أبانت على أن هذا القانون ظل حبرا على ورق لكونه فضفاضا ومبهما يكاد يستحيل تطبيقه على أرض الواقع، فقد أصبح لزاما على المشرع أن يعيد فيه النظر بصياغة واضحة وملزمة لرفع اللبس على محتواه.

ولدينا أمثلة حية شاهدة على ضعف المادة 20، نخص منها مثلا ما وقع إبان تشكيل المجالس بعد انتخابات شتنبر 2021 في جماعة بدون ذكر اسمها، حيث ترشح عضوان من حزبين مختلفين لرئاسة المجلس، فتخلى ثلاثة أعضاء عن التصويت على مرشح حزبهم لصالح مرشح الحزب الآخر. وعندما تمت متابعتهم أمام القضاء من طرف الحزب المنافس، أسفر الحكم عن عدم تجريدهم من العضوية بالمجلس.

فهل اعتبر القضاء أن هذا الفعل لا يعد تخليا عن الحزب؟ فإذا كان الأمر كذلك، فما هو هذا النوع من التخلي الذي يقصده المشرع إذاً؟ سؤال نطرحه في انتظار جواب مقنع عليه. وإلا كيف يمكن للحزب أن يضبط المنخرطين في صفوفه؟

ترشيد نفقات المجالس المنتخبة:

إن ميزانيات أغلبية المجالس تعتمد بنسبة كبيرة على الإمدادات المحصلة من الضريبة على القيمة المضافة. وهذه نعمة في طيها نقمة.

هي نعمة لأنها تساعد المجالس على تغطية نفقاتهم المختلفة في التسيير. وهي نقمة لأنها تقتل روح المبادرة والاجتهاد لدى المنتخبين في الاعتماد على أنفسهم والبحث عن موارد متنوعة لتحسين مداخيل جماعاتهم. لكنهم يفعلون عكس ذلك بالتبذير وسوء التسيير على جميع الأصعدة. ناهيك عن الاستعمال المفرط لممتلكات وآليات الجماعة لأغراض شخصية بدون حسيب ولا رقيب. وهذه تعد من الاختلالات الكبرى التي يجب أخذها بعين الاعتبار وإيجاد صيغة قانونية صارمة للحد من هذه الآفة.

المستوى الاجتماعي والأخلاقي والدراسي للمنتخبين:

الشق الاجتماعي:

إن المغرب دولة الحق والقانون طبقا لقانونه الأسمى الذي هو دستور المملكة المشمولة برعاية الله. هذا الدستور الذي يضمن المساواة لكل المغاربة أمام القانون في الحقوق والواجبات.. ومن هذه الحقوق أن يترشح كل مواطن ومواطنة للانتخابات وفق الشروط المنصوص عليها في هذا المجال، بغض النظر عن حالته الاجتماعية، سواء كان فقيرا أو غنيا.

غير أن رأينا في هذا الموضوع قد يكون رأيا مخالفا قد يصدم بعض الحقوقيين، لا لأنني أبغض الفقر والفقراء وأنا من الفقر أتيت، وكلنا تحت الله فقراء، وأن الله هو الغني ..ولكن ما معنى أن يترشح شخص للانتخابات وهو لا يتوفر على شغل ولا على مداخيل قارة تضمن له على الأقل قوت يومه طبقا للمقولة الشعبية الشهيرة: “أشنو خاصك أ العريان؟، قال له خاتم يامولاي”. إذ كيف يمكن لمنتخب في مثل هذه الحالة أن يستطيع حمل هموم الناخبين وحل مشاكلهم الاجتماعية والاقتصادية وهو نفسه غير قادر على حل مشاكله؟ اللهم إذا كان يعلم بأن الجماعة ستكون له وسيلة للارتزاق .. وهذا بالذات ما نحاول محاربته من خلال هذا المقال بأي شكل من الأشكال.. ويبقى للمشرع أن يجد فتوى لمعالجة هذه الظاهرة..

الشق الأخلاقي:

السياسة علم وممارسة وأخلاق. فلا سياسة بدون أخلاق.. فيمكن أن يكون المنتخب ذكيا وبارعا في فن السياسة ومحنكا في ممارسة الشأن المحلي، لكنه إذا كان يعوزه حسن الخلق فسيكون مصيره الفشل الذريع، وسيجني على نفسه وعلى كل الذين وضعوا ثقتهم فيه، طبقا لقول الشاعر:

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

الشق التعليمي:

لا أحد يمكن أن يتصور بأن النجاح متاح لأي إنسان في ظلمات الجهل والأمية في كل مجالات الحياة وبالأحرى عندما يتعلق الأمر بتمثيل الناس وتحمل تسيير شؤونهم وخاصة ما يتعلق بالشأن الجماعي الذي يتطلب على الأقل قراءة وفهم مضمون القوانين التنظيمية للجماعات الترابية.
فأصبح من العار أن يتحمل الإنسان مسؤولية التمثيلية وهو أمي وجاهل وخاصة ما يتعلق بالمناصب الأساسية في الجماعات المحلية من رئيس ونوابه إذا لم يكن متعلما وحاصلا على شهادة أقلها شهادة البكالوريا.

تدعيم ميزانيات الجماعات القروية:

لقد قلنا سابقا بأن جل الجماعات القروية لا تتوفر على مداخيل ذاتية وأنها تطعم ميزانياتها من إمدادات الدولة. فإذا كانت الدولة دائما هي الممول الأساسي للجماعات المحلية، فما هي الفائدة من وجود هذه الجماعات أصلا وهي عاجزة عن البحث والتنقيب بوسائلها الخاصة عن موارد مختلفة تجلب بها لنفسها مداخيل جديدة اعتمادا على اجتهاداتها الشخصية؟

يمكن للدولة عبر أجهزتها المعنية بالموضوع أن تساعد الجماعات القروية على وجه الخصوص لتنمية مداخيلها وذلك، على سبيل المثال لا الحصر، بفرض ضرائب على الفلاحين الكبار الذين يستفيدون من خدمات جمة توفرها لهم الجماعات القروية بدون مقابل في التجهيزات الأساسية كالطرق والكهرباء والماء؛ هذا الماء الذي يستنزفونه بكميات كبيرة وبعشوائية بواسطة الأبيار أو بالثقب العميقة، ولا يساهمون ولو بدرهم واحد في صندوق الجماعة، علما بأنهم يبيعون منتوجاتهم الفلاحية بمبالغ مالية تعد في غالبيتها بعشرات الملايين من الدراهم.

وهذه حالة شاذة لابد للدولة أن تتخذ فيها قرارا عاجلا للحد من الإثراء الفاحش على حساب صغار الفلاحين وعلى حساب الجماعات القروية التي يتم حرمانها من مداخيل هامة تمكنها من إنجاز مشاريع كثيرة خدمة للتنمية المحلية.

رأي خاص حول وجود مجالس العمالات والأقاليم:

إذا علمنا أن هذه المجالس وجدت من أجل المساهمة في التنمية المحلية، فمن حقنا أن نتساءل عن المصدر الحقيقي للمداخيل التي تمول بها ميزانياتها والتي من خلالها تنجز مشاريع تنموية بالجماعات التابعة لها.

وإذا كنا نعلم بأن جل هذه المجالس لا تتوفر على مداخيل ذاتية إلا في حدود أقصاها ثلاثة أو أربعة في المائة والباقي يأتيها من إمدادات الدولة أي من الضريبة على القيمة المضافة؛ مما يعني أنها مجرد وسيط بين الدولة والجماعات المحلية وتستهلك من أجل ذلك أموالا باهظة بلا جدوى في نفقات التسيير المتمثلة في التعويضات السخية للسيد الرئيس ولنوابه علما بأنهم لا يقومون بأي مهام واضحة لصالح الإقليم ولا يحضرون إلا أثناء دورات المجلس. فلماذا كل هذه التعويضات؟) التعويضات عن المهام، والتعويضات الخيالية عن تنقل الرئيس والأعضاء، واقتناء السيارات مع ما يترتب عنها من المصاريف تتجلى في المحروقات وقطع الغيار، وتزويد الأعضاء بالهواتف النقالة الثمينة مع المصاريف التابعة لها بالإضافة إلى نفقات السفريات والاستقبالات والإطعام)..

ولماذا هذه الوساطة التي تهدر المال العام ؟

أليست هذه حقا تمثيلية الارتزاق ؟

ولم لا يتم الاستغناء عن هذه المجالس وتمرير الميزانيات مباشرة إلى الجماعات المحلية؟

“فانتظروا إني معكم من المنتظرين”..

“فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد”..

صدق الله العظيم.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

21
  • عبد الكريم
    الثلاثاء 13 فبراير 2024 - 19:19

    تحليل ممتاز. هذا هو الواقع المرير، ويجب البحث عن حلول.

  • العارف
    الثلاثاء 13 فبراير 2024 - 19:22

    أتمنى أن يطلع القطاع المعني على هذا المقال ويأخذوا هذا الكلام بعين الاعتبار في إصلاحاتهم المحتملة.

  • مواطن
    الثلاثاء 13 فبراير 2024 - 19:26

    فعلا، لا سياسة بدون أخلاق، وما نشهده في الساحة السياسية حاليا لا يمت للأخلاق بصلة

  • Said jrondi
    الثلاثاء 13 فبراير 2024 - 19:27

    تبارك الله على الأستاذ بناصر ما أحوجنا لمثل هذه المقالات!

  • الحمد لله
    الثلاثاء 13 فبراير 2024 - 19:29

    لا فض فوك. من أجمل ما قرأت. الله يهدي هاد المجالس الجماعية والمنتخبين

  • محمد بودرار
    الثلاثاء 13 فبراير 2024 - 19:30

    مع الأسف هذا هو الواقع، نتمنى أن يصل مقالك لمن يهمهم الأمر

  • عمر
    الثلاثاء 13 فبراير 2024 - 19:32

    هذه الجملة لخصت كل شيء مع الأسف: “أصبحت الجماعات بمثابة” بقرة حلوب” بالنسبة للكثير من الانتهازيين.”

  • Kenza
    الثلاثاء 13 فبراير 2024 - 19:35

    À méditer!
    Très intéressant comme diagnostic, avec en plus des
    solutions proposées pour y remédier. Excellente analyse!

  • علي ر.
    الثلاثاء 13 فبراير 2024 - 19:36

    هذا هو حال المجالس الجماعية الله يهديهم علينا، يجب تشجيع بحال هذه التحليلات اللي كتعري على الواقع

  • Marocain
    الثلاثاء 13 فبراير 2024 - 19:42

    وأنا ايضا اتساءل دائما لماذا لا يتم بفرض ضرائب على الفلاحين الكبار الذين يستفيدون من خدمات الجماعة بدون مقابل و يستنزفون المياه بشكل عشوائي، ولا يساهمون في صندوق الجماعة. يجب إعادة النظر في هذه المقاربة.

  • Abdallah
    الثلاثاء 13 فبراير 2024 - 19:43

    Bravo! Très bel article, le nécessaire y est, texte très cohérent et thème très pertinent. Bonne continuation.

  • المراكشي
    الثلاثاء 13 فبراير 2024 - 19:53

    الله يعطيك الصحة! وضحت لنا الصورة والجوانب القانونية لي الأغلبية ما عارفينهاش، وبينتي كل الاختلالات لي كاتعرقل المهمة ديال الجماعات الترابية

  • أنس بنسعيد
    الثلاثاء 13 فبراير 2024 - 19:57

    Je pense que l’auteur a frappé en plein dans le mille.Ce sont justement les idées refoulées en mon for intérieur. Hélas mon expression arabe me fait défaut. Qu’à cela ne tienne, ce ne pas tous les jours qu’un homme de terrain met en exergue certains agissements qui sévissent lors des élections , tels que la cupidité et le manque d’abnégation et d’altruisme chez certains colistiers qui régissent le processus en question , et auxquels s’ajoute la caducité de certains textes qui régissent le processus en question. Chapeau, monsieur.

  • بسم الله
    الثلاثاء 13 فبراير 2024 - 19:58

    عندك الحق ما خصش تكون الجماعات وسيلة للارتزاق وضروري معايير وشروط صارمة للمنتخبين ماشي من هب ودب، راه المصلحة دالمواطنين ماشي لعب. تبارك الله على الاستاذ أحوجيل

  • مهدي
    الثلاثاء 13 فبراير 2024 - 20:03

    اختيار موفق للعنوان!!! مقال فعلا رائع، نرى من خلاله الممارسة السياسية الطويلة الأمد وتراكم التجارب

  • طارق
    الثلاثاء 13 فبراير 2024 - 20:10

    مقالة تحليلية أكثر من رائعة! والسؤال الذي يطرح نفسه هل لدى مسؤولينا الإرادة والكفاءات للشروع في أي إصلاح أم أنهم راضون عن أحوال المشهد السياسي المتدهور؟

  • حدو
    الثلاثاء 13 فبراير 2024 - 20:30

    مقال رائع وشامل. وعلى من يهمهم الأمر القيام بالواجب.

  • جلال
    الثلاثاء 13 فبراير 2024 - 20:34

    في الحقيقة هذه الجملة استوقفتني: “كيف يمكن لمنتخب في مثل هذه الحالة أن يستطيع حمل هموم الناخبين وحل مشاكلهم الاجتماعية والاقتصادية وهو نفسه غير قادر على حل مشاكله؟ اللهم إذا كان يعلم بأن الجماعة ستكون له وسيلة للارتزاق”

    تساؤل في محله، فاقد الشيء لا يعطيه… والانتخابات لا يفترض أن تكون وسيلة للاغتناء ولكن عمل تطوعي لخدمة مصالح المواطنين وليس العكس

  • مهتم
    الثلاثاء 13 فبراير 2024 - 21:38

    أوافقك الرأي أن القانون التنظيمي رقم 11. 29 المتعلق بالأحزاب السياسية يعتبر مبهما وفضفاضا، لذلك يجب إعادة النظر في صياغته حتى لا يتم التلاعب والتحايل اعتمادا على هذا الإبهام

  • الحل هو حل الأحزاب
    الثلاثاء 13 فبراير 2024 - 21:40

    حل معضلتنا هو حل جميع الأحزاب،والبحث عن صيغة أخرى غير هاته التي نقلناها من الغرب،فهي هير مجدية وغير صالحة لعقليتنا،

  • يوسف جاد
    الأربعاء 14 فبراير 2024 - 10:09

    لاشيء أفضل من هذا النوع من التحليلات الصريحة والمباشرة والصادقة، يبقى فقط أن يتعظ بها من يهمهم الأمر

صوت وصورة
جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 16:47

جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة

صوت وصورة
مضادات "درون" مصنوعة مغربيا
السبت 10 أكتوبر 2026 - 21:30

مضادات "درون" مصنوعة مغربيا

صوت وصورة
الدار البيضاء تتضامن مع غزة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 20:15

الدار البيضاء تتضامن مع غزة