توبة فنان

توبة فنان
الأربعاء 1 أبريل 2026 - 15:09

في كل مرة يُتداول فيها خبر “توبة” فنان، يعود النقاش القديم في حُلّة جديدة: هل الفن خطيئة حتى يُتوب منه؟ وهل الاعتزال، إن حصل، يُفهم بالضرورة بوصفه رجوعًا عن ذنب؟ هذه الأسئلة، التي تبدو في ظاهرها بريئة، تخفي في عمقها التباسًا فكريًا وثقافيًا حول طبيعة الفن وموقعه داخل المجتمع.

مؤخرًا، راجت أخبار تفيد باعتزال الفنان الجميل والصديق المبدع عبد الرحيم المنياري وتوبته، غير أن هذه المعطيات لا أساس لها من الصحة، وتندرج ضمن الإشاعات التي تتغذى من مناخ رقمي سريع التداول، يفتقر في كثير من الأحيان إلى التحقق والتمحيص. لكن ما يثير الانتباه ليس فقط انتشار الخبر، بل اللغة التي صيغ بها: “توبة” وكأن الفعل الفني في ذاته موضع شبهة، أو كأن الممارسة الإبداعية تستوجب اعتذارًا أخلاقيًا.

إن هذا التصور لا يجد له سندًا صريحًا في جوهر الثقافة الإسلامية، بقدر ما هو نتاج تراكمات تأويلية ارتبطت بسياقات تاريخية واجتماعية معينة. وفي هذا الإطار، يقدم كتاب المسرح والإسلام لـ محمد عزيزة مقاربة رصينة، تسعى إلى تفكيك هذا الالتباس. فالمؤلف لا يدافع عن الفن بوصفه ترفًا، بل ينظر إليه كفعل إنساني مركب، لا يمكن اختزاله في ثنائية الحلال والحرام بشكل تبسيطي. ويؤكد أن الإشكال لم يكن يومًا في الفن ذاته، بل في تمثلاته وفي الأحكام الجاهزة التي أُلصقت به خارج سياقاته.

إن ربط الاعتزال بمفهوم التوبة ينطوي على حكم ضمني يُدين الفن ويُحوّل الفنان إلى كائن يعيش في حالة “خطيئة مؤجلة”. وهو تصور يلغي تاريخًا طويلاً من التعبير الجمالي داخل الثقافة العربية والإسلامية، حيث لم يكن الإبداع نقيضًا للقيم، بل أحد أشكال تجليها الرمزي. فالإنسان، منذ بداياته، لم يتوقف عن الحكي، عن التمثيل، عن البحث في المعنى عبر الصورة والصوت والحركة.

ما ينبغي مساءلته اليوم ليس اختيار فنان الانسحاب أو الاستمرار، فذلك حق فردي لا نقاش فيه، بل الخطاب الذي يُؤطر هذا الاختيار ويمنحه دلالات أخلاقية جاهزة. فحين يتحول الفن إلى موضوع “توبة”، نكون أمام اختزال مخلّ، لا يسيء فقط إلى الفنان، بل إلى الوعي الجماعي الذي يفقد قدرته على التمييز بين الفعل الإبداعي في جوهره، وبين بعض الممارسات التي قد تُنسب إليه.

إن النقاش الحقيقي لا يتعلق بالفن كذنب، بل بالفهم الذي نُسقطه عليه. وبين إشاعة عابرة تُعلن اعتزال فنان، وخطاب راسخ يُجرّم الإبداع، تتكشف الحاجة إلى إعادة بناء تصورنا للفن، لا بوصفه تهمة، بل باعتباره تعبيرًا إنسانيًا لا ينفصل عن أسئلة الوجود والمعنى.

إن الرهان اليوم ليس فقط على تصحيح المفاهيم، بل على إعادة الاعتبار لصورة الفنان داخل الوعي الجماعي، بوصفه امتدادًا حيًا لروح الوطن لا عنصرًا غريبًا عنه. فالفنان، حين يبدع، لا ينفصل عن محيطه، بل يلتقط نبضه، ويعيد صياغته في أشكال جمالية تمنح المجتمع قدرة على تأمل ذاته وفهم تحوّلاته. لذلك، فإن اختزاله في صورة ملتبسة، أو دفعه إلى هامش الشبهة، لا يسيء إليه وحده، بل يُفقد الوطن أحد وجوهه الأكثر إشراقًا وعمقًا.

إن الأوطان لا تُقاس فقط بما تملكه من مؤسسات، بل أيضًا بما تنتجه من رموز وصور وقيم، والفنان في صلب هذه المعادلة، لأنه حامل للذاكرة، وصانع للخيال الجماعي، ومُساهم في بناء المعنى المشترك. وحين يُنظر إليه بعين الريبة بدل التقدير، نكون أمام خلل في ترتيب القيم، حيث يُدفع الإبداع إلى الخلف، ويُفسح المجال لقراءات ضيقة لا ترى في الفن إلا سطحه، وتغفل جوهره الإنساني.

من هنا، يصبح من الضروري ترسيخ وعيٍ جديد يُعيد للفنان مكانته كفاعلٍ ثقافي يعكس غنى المجتمع وتعدديته، لا كحالة استثنائية تحتاج إلى تبرير وجودها. فصورة الوطن التي نطمح إليها هي تلك التي تتسع للفكر والجمال معًا، وتعترف بأن الإبداع ليس ترفًا، بل جزء من كرامة الإنسان وهويته. وحين نُعيد للفنان اعتباره، فإننا في الحقيقة نُعيد لأنفسنا حقنا في أن نكون مجتمعًا يُبدع، لا مجتمعًا يقرف من إبداعه.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

10
  • المداويخ .
    الأربعاء 1 أبريل 2026 - 17:27

    أخبار التوبة ديال الفنانين والمجرمين ولات هي اللي شادة الواجهة ، فنان اعتزل باش يولي مؤذن أو ساحر فرق بين مئات الزيجات ، أو موظف كان كيزور الأوراق ، أو وحدة تابت من الفساد . هاد القصص مخدومة مزيان باش تلعب على العواطف وتجر الانتباه ديال الناس اللي وعيهم على قد الحال . التساهل ديال المؤسسات مع هاد النوع من الأخبار ماشي غير صدقة ، ولكن الغرض منو هو يدوخوا المواطن ويبعدوه على القضايا المصيرية ديالو ويشغلوه على المعارك الحقيقية اللي هي العدالة المجالية “مغرب السرعتين” والقسمة العادلة ديال الثروات .

  • الورزازي
    الأربعاء 1 أبريل 2026 - 17:30

    السيد سعيد…
    لا ننكر للفن أهميته، بل خطورته….
    من هذا الإقرار يأتي ذلك التوجس من هذا “الفن” الذي يُروج له حاليا و مند عقود: “فن” له رسالة واضحة تصادم في كثير من جوانبها ما تعارف عليه المغاربة من آداب و أخلاق أعراف… و لا ننس أن المغاربة مسلمون قبل أي شيء آخر.
    الأمر ليس مجرد خطأ غير مقصود… لا، بل هو تخطيط عن سابق إصرار و ترصد هدفه نقل المغاربة من معتقدات و أخلاق معينة توارثوها عبر أجيال، إلى معتقدات و أخلاق أخرى دخيلة تضرب في العمق معنى أن تكون “مغربيا”.
    لقد تسبب “فنكم” بالصورة التي هو عليها حاليا في انهيار الكثير من صور الأخلاق: و أولها “الحياء”، و ما أدراك ما الحياء…. إنه الخلق الدقيق الذي يميز المسلمين عن غيرهم.
    لا، بل إنكم بفنكم كما هو حاليا، تريدون للمعاربة أن يستأسنوا بجملة أخلاق و سلوكات كانوا لها إلى عهد قريب من أشد الكارهين…
    التوبة ليس من “الفن” بحد ذاته، و لكن التوبة من هذا النوع من “الفن” الذي تروجون له حاليا…
    فإن جئتم بفن نظيف و أنظف..، فيا مرحبا… يا مرحبا…

  • الفن صرخة الواقع .
    الأربعاء 1 أبريل 2026 - 18:57

    لا يوجد فن نظيف وآخر غير نظيف . فالفن ما هو إلا مرآة تعكس المجتمع وتطور نظرته لمعنى الحرية . وإذا كنت تنشد فنا يلتزم بأخلاقيات المجتمع ، فعليك أولا استعادة قيم التكافل الغائب بالعودة إلى ذلك النظام الذي كان فيه الأب عماد الأسرة ، والحماية فيه قائمة على سند الأخ لأخيه مهما تفاوتت قدراتهم المهنية .
    ​لقد كان الرزق مشتركا ، وما يجنى من تعب السعي يغنم منه الجميع في ذلك المجتمع كانت الأخت المطلقة تعود لبيت أبيها تعيش معززة مكرمة لا يثقل وجودها على أحدا ولا يجرؤ أي كان على التأفف منها أو اعتبارها عبئا ، ولا يمن عليها أحد بفضل . ولا ينتقص من شأنها إنسان . كانت تعيش في كنف أهلها مصونة القدر ، حتى تتزوج من جديد ، أو يشتد ساعد أبنائها فيتجدد جيل السند والعضد .

  • الورزازي
    الأربعاء 1 أبريل 2026 - 19:22

    إن كان دور الفن هو أن يكون مجرد مرآة تعكس الواقع كما هو بقبحه و بذاءته..، فما فعل ذلك الفن المزعوم سوى نقل أوساخ المجتمع من مجالاتها المعزولة الضيقة هنا و هناك إلى كل البيوت…. أهذا علاج أم نقل للعدوى؟!!!.
    ماذا يستفيد المجتمع من فن يكرر نقل لوثاته و نشرها على نطاق واسع أو أوسع؟…
    العلاج أن ياتينا بالدواء المضاد للمرض..، و ليس أن يوسع انتشار المرض و يروج له.

  • الفنان والواعظ .
    الأربعاء 1 أبريل 2026 - 19:33

    ومن قال إن الواقع قبيح والماضي جميل ؟ أنا فقط أنقل لك وجهة نظري في الفن ، أما ما تقوم به أنت فهو تحميل الفن وزر المجتمع كما لو أن على الفنان أن يكون أستاذا للأخلاق . المجتمع يفرض واقعه وما الفن إلا مرآة .

  • الورزازي
    الأربعاء 1 أبريل 2026 - 20:02

    بل الفنان مطالب بأن يكون واعظا و أستاذا..، و لكن بأسلوبه الخاص الذي يتسلل إلى النفوس كبقعة الزيت.
    كان هذا الدور ناجحا نسبيا في بدايات الاستقلال في إطار محاولات متحمسة لتجاوز العقليات التقليدية المقيدة لتطور البلاد و العباد دون أساس شرعي صحيح….
    أما حاليا، و منذ عقود، فقد انتقل الدور إلى تخريب مقومات المجتمع المغربي التي بها يعرف و يتميز عن غيره….

  • تجسيد رؤية المؤلف .
    الخميس 2 أبريل 2026 - 20:08

    ​لا أعتقد أن دور الفنان يتمثل في تغيير الواقع بقدر ما هو التعبير عنه ، فهو ليس معلما ولا واعظا ، بل هو مبدع يجيد تجسيد رؤية صاغها كاتب يرصد التحولات ويوثقها فنيا .

  • الورزازي
    الخميس 2 أبريل 2026 - 21:09

    إن كان الغرض من الفن هو إعادة إنتاج الواقع بسوئه فلا حاجة لنا به….
    نحن بحاجة لفن ينتقد ما هو سيء، ثم يقدم البديل الأفضل و ينشئ عليه… هذا هو الفن المطلوب.
    فن ينسجم أداؤه مع أداء باقي المؤسسات الأخرى ذات الطابع التربوي و التوعوي و الثقافي، و يعززها و يدعمها….

  • إجترار تربوي .
    الخميس 2 أبريل 2026 - 22:09

    يفتح هذا الطرح الأخير بابا لنقاش صعب حول مدى قدرة النظام التربوي المغربي على دعم المنظومة الأخلاقية ، خاصة وهو يتذيل مراتب التصنيف الدولي لجودة التعليم . كما يجرنا للتساؤل عن نوعية الثقافة الكفيلة بخلق الوعي الحقيقي ، فهل تنجح مناهجنا الدراسية كما هي معتمدة على تحرير الفرد من نمطية التفكير المنغلق وسلطة الحقائق المطلقة ، أم أنها تكتفي بإعادة اجترار الماضي ، بدل إطلاق خيال المتعلم لبناء شخصية نقدية قادرة على تمحيص التراث دون خطوط حمراء او زرقاء ، وتنقيح الموروث ؟.

  • الورزازي
    الجمعة 3 أبريل 2026 - 08:09

    بخصوص إشكاليات النظام التربوي بالمغرب، فإن من بين أسبابها ذلك التضارب بين المؤسسات ذات البعد التربوي، حيث إنها تعمل في غير انسجام و تكامل.
    لهذا، فإن الفن إن لم ينخرط في مطلب الانسجام هذا، فهو لن يزيد نظامنا التربوي إلا إرباك و اضطرابا….

صوت وصورة
حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 23:30

حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد

صوت وصورة
ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 21:23

ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟

صوت وصورة
ليلة رعب في أولاد عياد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:45

ليلة رعب في أولاد عياد

صوت وصورة
المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:30

المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية

صوت وصورة
إشادات بمضامين الخطاب الملكي
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:02

إشادات بمضامين الخطاب الملكي

صوت وصورة
الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 16:00

الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان