"ثقافة العطلة" تنقل الاصطياف من ترف أسري إلى مكتسب اجتماعي

"ثقافة العطلة" تنقل الاصطياف من ترف أسري إلى مكتسب اجتماعي
صورة: و.م.ع
السبت 22 غشت 2026 - 05:00

كان الاصطياف، في نظر كثير من الأسر، ترفا لا يدخل ضمن الضروريات؛ بل كانت العطلة الصيفية، بالنسبة إلى أطفال من الفئات الهشة، مناسبة للانخراط في أعمال بسيطة تلائم أعمارهم لتوفير مستلزمات الدخول المدرسي. أما اليوم، فتغيّرت النظرة إلى هذه الفترة، وأصبح الاستجمام وتغيير الأجواء حاجة أساسية في تصور العطلة.

ويطرح هذا التحول سؤالا حول كيفية انتقال الاصطياف من مجرد ترف إلى ما يشبه “منظومة حق”، وما إذا كان هذا الحق متاحا فعلا لجميع الأسر، أم أن ممارسته لا تزال رهينة بالقدرة المالية والإمكانات المتوفرة، بما يجعل الاستفادة من العطلة الصيفية متفاوتة بحسب الظروف الاجتماعية والاقتصادية.

ثقافة العطلة

قال مصطفى السعليتي، أستاذ باحث في علم النفس الاجتماعي ورئيس شعبة علم النفس بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة القاضي عياض بمراكش، إن “المجتمع المغربي يعيش، اليوم، ما يسمى ثقافة العطلة؛ بعدما لم تكن حاضرة بهذا الشكل في نمط الحياة، خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي”.

وأبرز السعليتي، في تصريح لهسبريس، أن “العطلة أصبحت، حاليا، شيئا أساسيا في الحياة، حيث تشعر الأسر بالحرمان إذا لم تتمكن من الاستفادة منها باعتبارها وسيلة للقطيعة مع روتين الحياة والتخلص من الملل”.

وأضاف الأستاذ الجامعي المتخصص في علم النفس الاجتماعي أن “العطلة أصبحت في الوقت نفسه إكراها ورغبة، إذ تجد الأسر نفسها مجبرة على تدبير حياتها المادية وميزانيتها من أجل قضائها، لأنه أصبح من الصعب تخيل الحياة من دون عطلة، خصوصا بالنسبة إلى الأطفال الذين ينتظرونها”، لافتا إلى أن “هذا الأمر لم يكن حاضرا بالشكل نفسه في الماضي، حين كانت العطلة تمثل أساسا فترة للراحة والقطيعة مع الإكراهات الدراسية”.

وأوضح المصرح عينه أن “الأطفال كانوا، في الماضي، يتكيفون مع العطلة داخل الفضاء المحلي؛ من خلال تعويض الدراسة باللعب وأنشطة أخرى، دون الحاجة إلى مغادرة المكان الذي يعيشون فيه. أما اليوم، فأصبحت هناك رغبة أساسية في الخروج، نتيجة التحولات العميقة التي عرفها المجتمع المغربي، سواء على المستوى الثقافي أو على مستوى العقليات، إلى جانب الرغبة في خوض تجارب جديدة”.

وأبرز رئيس شعبة علم النفس بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة القاضي أن “ثقافة الترفيه أصبحت لها إغراءات كبيرة، خصوصا مع ما يشاهده الناس من إمكانيات وأشكال للاستمتاع؛ وهو ما جعل العطلة خارج الفضاء المحلي أكثر حضورا في حياة الأسر. كما أن الفضاءات الترفيهية أصبحت مرتبطة بتكاليف مالية قد تكون مرتفعة، ومع ذلك أصبح قضاء العطلة خارج المجال المحلي شيئا ضروريا بالنسبة إلى كثير من الأسر”.

وأشار إلى أن “العطلة أصبحت نوعا من الإكراه الاجتماعي، لأنه لم يعد من السهل أن يعيش الإنسان حياته من دونها. وفي حالة الأطفال، قد يؤدي عدم الاستفادة منها إلى الشعور بالنقص، باعتبار أن العطلة أصبحت شيئا أساسيا في الحياة. كما أن هذا الحرمان قد يولد ألما داخليا، خاصة عندما يقارن الأطفال تجاربهم بتجارب الآخرين”.

وتابع الباحث المختص في علم النفس الاجتماعي أن “الأطفال في علاقتهم مع الآخرين قد يعتبرون العطلة شيئا يمنحهم قيمة داخل المجتمع. ولذلك، أصبحت جزءا أساسيا من تجاربهم؛ فالرغبة في الخروج والانفتاح وخوض تجارب جديدة كانت موجودة بالقوة”، موردا أن “التحولات العميقة التي عرفها المجتمع المغربي جعلت هذا الوجود ينتقل من القوة إلى الفعل، وأصبحت الأسر تسعى إلى قضاء العطلة من أجل تحقيق السعادة الأسرية”.

وختم مصطفى السعليتي تصريحه بالقول إن “الأطفال يرغبون في اكتساب تجارب جديدة تساعدهم على تحقيق الرفاه النفسي. كما أن تغير العقليات في المجتمع المغربي ومواكبة التطور التكنولوجي والثقافي العالمي أعادا النظر في أدوار الوالدين. وأصبحت الوالدية تأخذ مفهوما جديدا يقوم على توسيع دائرة حقوق الأطفال، وعدم اختزالها في الحاجات الأساسية، بل تشمل أيضا إسعادهم وتوفير مختلف أشكال الترفيه والسفر”.

عطلة مكتسبة

حسن قرنفل، أستاذ علم الاجتماع، قال إن “أخذ قسط من الراحة وقضاء العطلة خلال السنة سلوك قديم، كما نلاحظ ذلك في المغرب ومجتمعات شبيهة، لكنه كان في السابق يقتصر على الأشخاص الذين يتوفرون على إمكانيات مالية، خصوصا من الأثرياء والتجار”.

وأشار قرنفل، في تصريح لهسبريس، إلى أنه “في بعض المدن التاريخية الكبرى، كان أولئك الأشخاص يغادرون خلال عطلة الربيع إلى الحقول والجنائن لبضعة أيام للاستمتاع بالبادية والخضرة، كما كانوا يخصصون بعض أيام الصيف للذهاب إلى الأماكن الباردة هربا من حرارة الطقس؛ غير أن هذا السلوك ظل مقتصرا على أقلية محدودة”.

وأضاف الأستاذ المختص في علم الاجتماع أن “قضاء العطلة السنوية أصبح، مع تطور نظام الإنتاج الصناعي ومجموعة من المكتسبات التي حققها العمال والنقابات، حقا من الحقوق التي يمكن وصفها بالإنسانية. ففي منتصف ثلاثينيات القرن الماضي، تم إقرار ضرورة استفادة العمال من عطلة سنوية مدفوعة الأجر، ثم عملت بعض الدول لاحقا على تسهيل ذهاب العمال إلى الشواطئ والاستفادة من أيام العطلة؛ ليتحول هذا السلوك شيئا فشيئا إلى مكتسب أصبح أكثر انتشارا وتعميما”.

وأوضح المتحدث ذاته أن “تنظيم العمل في المجتمعات المعاصرة يتيح الاستفادة من هذه العطلة، لأن قوانين الشغل في مختلف أنحاء العالم تنص على تمتيع العمال والمأجورين بعطلة سنوية مدفوعة الأجر؛ وهو ما تستغله الأسر للسفر خارج المدن التي تقطن بها، بحثا عن الراحة والاستجمام، خصوصا بالنسبة إلى الأطفال الذين أصبح النظام المدرسي يمنحهم عطلة صيفية، ما جعل من الضروري أن يقضوا جزءا منها خارج المدن التي يعيشون فيها”.

وأبرز أن “قضاء العطلة السنوية، خصوصا خلال فصل الصيف، أصبح مع مرور الوقت حقا من الحقوق التي لا تطالب الدولة بها بشكل مباشر، وإنما أصبح الأشخاص والأسر يتمسكون بها ويسعون إلى الاستفادة منها والاستمتاع بها. وكما هو الحال في مختلف مناحي الحياة، فإن أشكال العطلة تختلف من أسرة إلى أخرى، كما تختلف مدتها والأماكن التي تقضى فيها، تبعا للوضعية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية”.

وأشار المختص عينه إلى أن “هناك سياحة شاطئية وسياحة جبلية وسياحة ثقافية، وفي مجتمعات مثل المجتمع المغربي نلاحظ أن كثيرا من الأسر لا يزالون يقضون عطلتهم لدى أفراد العائلة، رغبة في توفير بعض المصاريف وغيرها، وإن كانت النزعة الحالية تتجه بشكل متزايد نحو الابتعاد عن هذا النمط، من خلال قضاء العطلة في الفنادق أو الشقق المفروشة وغيرها”.

وختم حسن قرنفل تصريحه بالقول إن “هذا التحول يعكس التحولات الكبرى التي أصبح يعرفها المجتمع المغربي، الذي أصبحت الأسر فيه تتمسك أكثر بحقها في قضاء عطلة سنوية خارج المدينة التي تقطن بها؛ وهو ما جعل العطلة الصيفية تتحول من ممارسة كانت في السابق مرتبطة بفئات محدودة إلى سلوك أصبح حاضرا بشكل أوسع في المجتمع”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • عمر
    السبت 22 غشت 2026 - 09:21

    المغرب تغير كثيرا…وعلامات الرفاهية تظهر على المغاربة…فالاشياء التي كانت مستحيلة في سنوات التسعينات حيث عشنا الفقر المدقع و الحرمان من كل شئ، أصبحت الان من البديهيات..فالمغاربة يشترون الان ” الماء” رغم أنه موجود في ” الروبيني” …المغاربة اصبحوا يفطرون بما لذ من الفرماج و الكاشير وغيره…وجبة الافطار كانت في زمننا حلما صعب المنال…اما عن العطلة الصيفية فقد كنا نقضيها في ” جحافل الصهد” و اليوم كان بمقدار شهر لدرجة ان شكلنا كان يتغير بعد ثلاثة اشهر و منا من يظهر الشيب على رأسه. اما الان، فالعطلة الصيفية في مارتيل و ملقا والمالديف اصبحت من أركان” الاسلام”..انها علامات الرفاهية.

  • ذاكرة وجدي
    السبت 22 غشت 2026 - 11:11

    في طفولتي …كانت ايام الصيف تبدو جد طويلة …كنت اشعر بالملل و لسد الفراغ كنت ابيع قرب المنزل الحلوى و رأسمال تجارتي لا يتعدى 5 دراهم ….كان صوت …الورزيز ..لا بنقطع مع حرارة مرتفعة …كنت في فترات اذهب الى المسبح البلدي الدي كانت التذكرة ب 1 درهم في تليوم الاول يكون الماء ازرق ثم بعد مرور ايام يصبح لونه اخضر لا يصلح حتى للضفادع و رغم ذلك يبقى مفتوحا للسباحة …اما بعد الغداء فالويل لمن يثير الضجيج في المنزل لان الوالد رحمه الله كان في قيلولة

  • مواطن عادي
    السبت 22 غشت 2026 - 11:15

    اصل العطلة الصيفية و المواسم هي الراحة والاستمتاع بالمحصول بعد عام كامل من الجد والعمل. لكن أصبحت العطلة مكتسبا من الغش بعد عام من الفساد والخداع.

  • Mostafa
    السبت 22 غشت 2026 - 13:19

    العطلة الصيفية مناسبة كذالك لتعليم الاطفال بعض المهارات والشباب بعض الحرف او العمل في جزء من عطلتهم، أو مساعدة والديهم او اقاريبهم إذا كانت لديهم تجارة او مشاريع خاصة الشيء الذي يعود بالمنفعة لديهم مستقبلا، وعلى الطلبة كذالك القيام بطلب تداريب مهنية ولو بدون مقابل كذالك، ويبقى اسبو او اسبوعين كافي للسفر والعائلة والاستجمام

صوت وصورة
سيارات الأجرة والزيادة في التعريفة
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 09:15

سيارات الأجرة والزيادة في التعريفة

صوت وصورة
عروض فرقة المسيرة الخضراء
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 19:35

عروض فرقة المسيرة الخضراء

صوت وصورة
محافظتي تتيح تتبع العقارات عن بعد
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 18:00 1

محافظتي تتيح تتبع العقارات عن بعد

صوت وصورة
إعادة هيكلة جوطية درب غلف
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 17:12 4

إعادة هيكلة جوطية درب غلف

صوت وصورة
"صاك طنجة" يشعل مجلس البيضاء
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 14:37 14

"صاك طنجة" يشعل مجلس البيضاء

صوت وصورة
محامو المغرب يعودون إلى المحاكم
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 13:18 4

محامو المغرب يعودون إلى المحاكم