ثلاث مقولات في الثقافة المغربية

ثلاث مقولات في الثقافة المغربية
الخميس 3 يوليوز 2025 - 16:44

هل الثقافة حريّة أم هي شكل عبودية؟

التباس الجواب، إذن لنغيّر السؤال أو وضع السؤال على السؤال لفهم السؤال الأوّل، بمعنى:

ماذا تعني الحريّة؟ إن لم تكن تؤسس لحرية العقل والقلب واليد.

ها هو القلب يتخذ شكل الإيثار، والعقل شكل اعتزاز بالجذور كمعرفة واليد شكل التضحية إنها أداة الفعل والإنجاز.

من خلال هذه العتبة القول في الثقافة، ها نحن نتدرج في اتجاه شكل جواب عن سؤال هل الثقافة حريّة أم هي شكل عبودية جديدة.

كثيرا ما نسعى إلى مقاربة كلمة “ثقافة”، مجتمع يتمتع بثقافة، شخص ما مثقف، فضاءات ومؤسسات ثقافة، ماذا يعني ذلك؟

من منظور خارج اللغة الطبيعية نقول، إن الثقافة هي شكل احتكاك إنساني داخل مجتمع كيفما كانت طبقاته الاجتماعية وفي اختلاف مكوناته جميعها، في المقام الأوّل شكل تفاعل دافئ، هنا الثقافة يمكننا تحديدها كرغبات لا-اعتيادية في كشف مشكلاتنا معا لتغيير وتجديد حيواتنا، إنها الاحتكاك الذي ينقلنا من حالة نقص وحرمان وتمزق مجتمعي إلى حالات دفء المركز والهامش، هذا الدفء هو حالة حب مكونات المجتمع بدون تمييز ولا تصنيف ولا إقصاء، ها هي الثقافة تتدرج في هزم أبشع أشكال التمزق الاجتماعي وتتزيّن بقيم سياسية اقتصادية، ويسهل معها تحديد كلمة “المثقف التشاركي”، صانع الدفء الطبقي داخل المجتمع، أي فضاء فِعله واشتغاله، إنها غريزة الإنسان أن يهزم برودة وجوده، لكن هذا لا يُستحب أن يتحقق من خلال احتراق فئة أخرى، الدفء غالبا لا يحمل سؤال التسوّل من المتسوَّل إليه، الحالة هنا تكون فيها الثقافة كاذِبة، وأنها ثقافة تروم السعادة بالعبودية، إنها علاقة تعذيب عاطفي يتخذ من اللغة المُزيّفة شكل ثقة ضيقة في المكان والزمان وتنفلت من العقاب والمحاسبة، إنها لحظة مثقف الموضة السياسية الفاسدة، ثقافة جرثومة المعرفة.

وَفرَة الثقافة المُزيّفة تقتُل الثقافة الحقيقية.

هنا المثقف المزيّف يتخذ شكل الحبيب القاتِل، وأما الجمهور يعيد الهتاف والتصفيق بعد كل عملية تصفية للثقة، يقول: استعبِدنا واقتُلنا على أمل رغابتك الشخصية فأنت المثقف-الثقة الضيقة؛ إنّك تمتلك فنّ الكذب ومن حقك التمتع به ونحن أيضا نتمتع معك بأشياء لا نمتلِكها وأنت أيضا لا تمتلِكها فقط تتوهم ذلك باسم الثقافة، انظُر للبحر للطبيعة للأسرة للمؤسسات التي تسِمُها ب “فضاءات الثقافة”، إنها أكثر من أن توضع بين جدران وتزيّن بأصوات لأشخاص يعتبرون أنفسهم شعراء، ليست هذه ثقافة، إنها تسكن القلب والعقل وتبلور من خلال الأيادي هنا الفعل يشرع في إنجاز مواضيع القيمة، قيمة الحياة طبعا في شموليتها وفق الإنسان ومجاله. إن الثقافة المُزيّفة هي رخصة الحق في إقصاء الشخص أي شخص كان من وجوده داخل وجوده وهذا شكل تعذيب فاسد وتدمير الحياة الاجتماعية.

الثقافة اللا-مُزيّفة: خطاب القلب.

في وُسع المرء العاقِل وبدون تمييز طبقي أو مهني أو وظيفي أن يُفكر في الثقافة بقلبه باعتبارها حالة إنسانية مُرّكبة من رغبات تعدُّ مدخلا لأنواع التحليل الذي يبحث عنه كل واحِد مشارِك وفعّال داخل وجوده/ مجتمعِه، تفكير بصيغة أبسط الأسئلة، وهو: هل أنا مثقف؟ بدون مبالغة تصنيفية، الجواب يحضُر وبسرعة بديهية مثل الغريزة: نعم، لكن يرتبط بالاحتراس من “التباس الرغبة” كل عاقل يميز بين الجيّد والفاسد لكن الحرمان يفسد التفكير في المستقبل الجيّد، كل واحد له رغبة حياة جيّدة إنها هبة الله للإنسان. أن أرغب يعني إني في حالة احتياج وهو احتياج مُحفِز لغدٍ جَيّد، هي طريقة تفكير وتحليل مستقبلي لازَم الإنسان منذ القديم، لكنها طريقة تفكير تقطع مع الماضي، أن نقاوِم بمعنى أننا نتطلّع إلى ما بعد الآن واليوم، بمعنى آخر هي حالة فعل في المستقبل، الثقافة هي كلام الغريزة المُعقلنَة وقاعدة رئيسة لتحقيق مجتمع منسجم ومتفاعل ليُنتِج طاقة دفء إنساني، لكن ما إن تصابُ الثقافة بعدوى تخمة الثقافة هنا نكون أمام إفراط في غريزة المثقف، إفراط يُخرج الثقافة من حالة الإنسانية إلى حالات العُدوانية، عُدوانية رمزية لا تُرى ومن ثمّ تتطوّر إلى عُدوانية مادية تُرى وتستضيح مخاطرها وآفاتها على الفرد والمجتمع.

مثلث الثقافة: الثقافة أحلام دفء.

ماذا يعني الدفء؟ إن لم يكن يعني أشدّ حالات التحام وانسجام العقل والقلب واليد، هذا مثلث الثقافة، مثلث مقولات ما إن يشتغل يُوَّلد احتكاكا يترَّتب عنه طاقة مجتمع يحقق الدفء الإنساني ويتدرّج في تحقيق رغبات مُستقبيلية جيّدة من خلال عمل كيفما كان؛ فنّا أو صناعة، أو تعليما بمعنى كل منتجات الإنسان، هذا الدفء المجتمعي هو أسمى حلات أفقية الرغبات، هنا تنتفي كل أشكال التمييز والتصنيف والتمزُّق الاجتماعي.

كل فعل ثقافي يرتكز على “مثلث الثقافة” هو وقاية استباقية من الوحشية والعدوانية، وخارج هذا المثلث لا يمكننا الكلام إلا في الثقافة-الجريمة، وفي المثقف المُجرِم المنحرِف عن المثلث الفاقِد لأحد مقولاته الأكسيولوجية المؤسِسة له، وهنا تتكاثر الانحرافات ويختل نسق المجتمع.

هل يمكن إعادة بناء المجتمع؟ سؤال صعب الجواب عنه، لكن لنغيّر طبيعة السؤال، ونقول: هل يمكن إعادة تقويم الثقافة والمثقف؟ نعم وبكل الضمانات، فقط هي تركيز فنّ نظرتنا في مجتمعنا وفي إعادة صياغة إنتاجية جيدة لقانون الحريات العامّة في شموليته، بمعنى أن نجعل من الثقافة طبيعة مجتمع في التضحية والإيتار والاعتزاز بالهوية والجذور والقطع مع شكل ثقافات الإيديولوجية ومثقف اللا-حب والا-دفء واللا-رغبات مستقبلية، وجب القطع مع مثقف الرغبة الضيقة، حب الحالات المُزيّفة.

أخيرا الطفل هو المثقف الجيّد فلنكن أطفالا في براءة وطيبة عقولنا وقلوبنا أيادينا، في المقام الأوّل يمكننا أن نروم ملائكية مثلي الثقافة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • MC
    السبت 5 يوليوز 2025 - 07:18

    “الثقافة ليست ما تحفظه من كتب، بل ما يُنقذك عندما تنساها و المثقف هو من يرى في الظلام بوادر نهار، بينما يصرّ الجاهل على أن الليل أبديّ.”

    أستاذ فؤاد، إن مقالك يعكس رؤية عميقة وحساسة تجاه الثقافة المغربية، حيث تبرز الثقافة كحالة إنسانية متكاملة تجمع بين العقل والقلب واليد، وتُظهر أن الثقافة ليست مجرد كلمات أو شعارات، بل هي فعل حي ينبع من الإيثار والاعتزاز بالجذور والعمل من أجل المجتمع. إن تحذيرك من الثقافة المزيفة التي تقتل الحقيقية ويغذيها المثقف الذي يستغل المعرفة للكذب والتزييف، هو دعوة صادقة لإعادة النظر في دور المثقف ومسؤولياته.

    أشاركك الرأي بأن الثقافة الحقيقية هي التي تصنع الدفء الاجتماعي وتبني جسور المحبة والتضامن، وأن المثقف الحقيقي هو من يزرع الأمل ويقاوم كل أشكال التمزق والعدوانية، ويعيد بناء المجتمع عبر تعزيز قيم التضحية والاعتزاز بالهوية.

    وأقتبس من نفسي:
    “الثقافة التي لا تزرع فينا شجاعة الحب والصدق، تتركنا عراة أمام رياح الزيف، مهما ارتدينا من أقنعة المعرفة.
    الحب هو جوهر الثقافة، ومن دونه تصبح الكلمات جدرانًا، والقلوب أقفاصًا، فلا ثقافة بلا حب، ولا حب بلا حرية”

    ALHOCEIMA

صوت وصورة
ملعب هسبريس | درس الرجاء يوجع
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 21:30

ملعب هسبريس | درس الرجاء يوجع

صوت وصورة
أول الفهم | نهاية الهيمنة الأمريكية؟
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 21:00 1

أول الفهم | نهاية الهيمنة الأمريكية؟

صوت وصورة
أساتذة التعليم الأولي يحتجون
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 19:15 3

أساتذة التعليم الأولي يحتجون

صوت وصورة
مضامين التزامات حكومة المنصوري
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 18:38 7

مضامين التزامات حكومة المنصوري

صوت وصورة
المنصوري تمد يدها للأغلبية والمعارضة
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 16:44 5

المنصوري تمد يدها للأغلبية والمعارضة

صوت وصورة
المنصوري تعلن إجراءات اجتماعية جديدة
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 15:55 11

المنصوري تعلن إجراءات اجتماعية جديدة