أدرت في عفوية معتادة مفتاح قفل باب شقتي، وولجت في شرود مغرق فضاء سكينة عالمي الذاتي. ألقيت مفاتيحي فوق المنضدة الصغيرة عند الردهة، وبذلك منحتها استراحة بقية المساء وحتى إشعار آخر. وضعت الجريدة على الأريكة مهيأة للقراءة، ورحت كالممسوس بالخبل أقلب تراكمات أوراق قديمة، بحثا عن رسم كاريكاتوري للراحل ناجي العلي (صورة متحف الإلهة فينوس وأمامها يقف خليجي وقد حولها في مخيلته إلى حامل).
لم أعلم تماما الدواعي التي حركتني للبحث عن هذا الرسم الكاريكاتوري، الذي أحفظه بين أوراق تعود إلى سنوات بعيدة. خمنت، تدبرت وتأملت في أناة عن السبب الذي دفعني للبحث عن هذه الصورة، ثم قلت في نفسي، ربما سببه راجع إلى جارتي، التي تسكن شقة تعلو شقتي بطابق واحد. شابة في التاسعة والعشرين أو الثلاثين من العمر، على ما أعتقد؛ غير أنها تبدو من خلال هيئتها الخاملة ومشيتها الرتيبة أكبر بكثير من سنوات عمرها.. “مربوعة” القد، لا هي بالطويلة البائنة ولا بالقصيرة اللافتة للنظر، ذات عيون زعترية كعيون قطة برية، لها شعر أبلج ينساب على كتفيها، عابرة الابتسام بملامح مستعصية التكهن، ممتنعة عن الإفصاح.
غير أنها منذ أن حلت منذ أعوام بهذه العمارة فهي الساكنة الوحيدة التي تحييني كلما ألفيتها على أدراج العمارة أو عند مدخلها أو في بهوها، تسألني عن أحوالي إذا ما صادف والتقينا في السوق أو في المخبز المجاور لعمارتنا، بل إنها طرقت باب شقتي مرتين؛ كانت المرة الأولى وهي تبحث عن قطتها سارة، التي ليست من عادتها، كما تقول جارتي، أن تبرح الشقة قط. فقد خرجت سارة في غفلة من سيدتها، ولم تعد ثانية حتى ساعة طرقها بابي.. ورغم تسجيل جارتي تصريح ضياع بمركز الشرطة، لم تعثر لها على أثر، فظل اختفاء القطة سارة لغزا غامضا ومحيرا في العمارة. هنا لا يضيع أي شيء، حتى الحيوانات المنزلية تملك جواز السفر وبطاقة الهوية. كانت تلك المرة الأولى، أما المرة الثانية فحين سلمتني طردا مضمونا جاء به ساعي البريد أثناء غيابي عن البلد؛ فقد صادف حضور ساعي البريد وجود جارتي عند مدخل العمارة، فقبلته منه على أن تسلمني إياه عند عودتي.
إنني أعتبرها جارتي حقا؛ فهي على الأقل طرقت بابي مرتين ودون سابق إنذار، وهذا شيئا ليس بديهيا. أما الجيران الباقون، أو لنقل سكان العمارة الباقون، فلا أعرف عنهم لا صغيرة ولا كبيرة، كما أنني متأكد من أنهم كلهم يعلمون مسبقا بوجودي بين ظهرانيهم.
قبل بضعة أسابيع، وأنا أحمل جريدة عربية أواظب على قراءتها يوميا، التقيت بجارتي عند مدخل العمارة، بادرتها كعادتي بالتحية، فردت بتحية فاترة وعيونها الزعترية شاخصة في الجريدة التي أتأبط. بدأت تتلكأ في فتح صندوق بريد رسائلها وبصرها لا يزيغ عن الجريدة. لم تصب يدها، التي تحمل المفتاح عين قفل صندوق رسائلها، بل كانت تصيب طرفا من الصندوق المجاور لصندوقها. كانت تبدو كمن لا يود فتح الصندوق وفي الوقت ذاته لا يرغب في الابتعاد عنه. حين أيقنت من نظراتها المفترسة المتسائلة حول الجريدة، فكرت في لغة الشعوب التي تكتب بالحروف العربية، فكرت أيضا في جارتي، فهي تقريبا الإنسان الوحيد في هذا البلد من لم يسألني حتى الآن عن مسقط رأسي؛ عندها بادرت وقلت لها بنوع من الزهو الممزوج بفخر، أكيد تتساءلين عن مصدر الجريدة، إنها عربية، لربما حسبتني إيرانيا أو أفغانيا أو باكستانيا كلا، فأنا لست ذلك أو ذاك. سألتني من غير أن ترفع عينيها عن الأرض أو تنظر في وجهي عن البلد الذي أنتمي إليه، وكأنها تريد دحض شكوك راودتها اللحظة. وحين أجبتها قالت: “أنت عربي إذن؟” أومأت برأسي إيماءة زهو، ومضى كل منا إلى حال سبيله وكانت تلك آخر جملة سمعتها منها.
توالت الأيام عن آخر لقائنا، وعادت جارتي كلما التقيت بها على أدراج المدخل أو عند بهو العمارة تنظر إلى الأرض، لا تشخص ببصرها في عيني ولا تحييني. “خسارة”، حتى الساكنة التي أحسبها جارتي الوحيدة من بين سكان الطوابق الخمسة بشققها العشرة التي يصل قاطنوها إلى ثلاثين فردا على ما أعتقد، لم تعد جارتي، لم تعد تكلمني أو تحييني. الحق أقول لقد همني أمر هذه المرأة الشابة، شغلني تقلبها المفاجئ بين عشية وضحاها؛ غير أني طمأنت نفسي بمقولة: “الإنسان ابن طبيعته”، وطبيعة هذا البلد باردة ومتقلبة، قد تعود جارتي يوما إلى موسم ربيعها، وأعود أنا معها إلى الشعور من جديد بقرب جارتي.
كنت لا أوحش نفسي بوجودها في العمارة، أستأنس أحيانا حتى بخطواتها وهي تسير فوق سقف شقتي، رغم أنه لم يتم بيننا لقاء فعلي، ماعدا تلك الثواني الخاطفة على الأدراج عند المدخل أو في بهو العمارة أو الدقائق المعدودات لتلك الزيارتين العابرتين لباب شقتي. مرة فكرت في أن أجرؤ وأتطاول على طرق بابها بذريعة الاستفسار عن آخر تطورات قضية القطة سارة، لكنني عدلت عن المبادرة، لأنه كان قد مضى على اختفائها الغامض ردح من الزمن، ما من شأنه إحياء ذكرى مواجع فقدان قطتها.
مضت الأيام ومع مضيها كبر صدع الفرقة بيني وبين جارتي، أو بتعبير أدق، أحاطت جارتي نفسها بسياج من البعد عودت نفسي عليه قهرا أو صونا لكبريائي. لم أعد أنا الآخر أبادرها بالكلام، ما دامت هي زاهدة في تحيتي والنظر إلى وجهي. هكذا لم يعد يجمع بيني وبين جارتي غير ما يجمع بين الغرباء.
مع ذلك ما لبث سلوك جارتي المطلسم هذا أن استحوذ على مجامع فضولي، أو كاد يصبح نوعا من رياضة ذهنية أمارسها لشحذ ذاكرتي، بحثا عن علة تقلب جارتي الطارئ هذا؛ حتى إنني دخلت مرة بهو العمارة ومن اُثر شرودي لم ألحظ وجودها أمامي، كنت وكأني أدخل فضاء سكينة عالمي الذاتي، حيث لا آبه بثابت ولا أنتظرمتحولا، لكنني حين سمعت فجأة ارتطاما أفزعني وأعادني إلى وعيي، رفعت رأسي لأبصرها تلملم مبعثرات كيس مشترياتها الورقي، بعد أن خلع قعره وقع ما به على الأرض. دون تردد أو تفكير في كبريائي أو عزة النفس، وجدتني منحنيا إلى جانبها أنا الآخر نجمع محتويات الكيس الورقي المثقوب ونضمها إلى أخواتها في الكيس الآخر السليم من المزق. كانت وهي تلملم مشترياتها تجهد نفسها بكل ما أوتيت من قوة حتى لا تنظر في وجهي، وحتى بعد أن انتهينا من لم مقتنياتها شكرتني دون أن تنظر عينها إلى عيني. انتصبت واقفة، حملت في يد كيسها المكتنز وعلى اليد الشاغرة ما فضل من المشتريات، التي لم يتسع لها الكيس المكتنز، أدبرت عني وبدأت تصعد الأدراج؛ عندها وجدتها فرصة سانحة لأسألها عن سبب تحولها الفجائي، لأنني خمنت أنها الآن وقد غمرها شعور دائنة مساعدتي ستجيبني ولو على مضض. فأنا أعرف مسبقا كم هو قاس عند هؤلاء الناس الشعور بالحاجة إلى مساعدة الآخرين، رغم أنها كانت ستفلح في ضم حاجياتها دون عوز معونتي. ترددت برهة وهي تقف على العتبة الأولى من أدراج العمارة، وقد علت وجنتيها حمرة وردية، حين فاتحتها عن سبب جفائها المباغت. وبعد أن حاولت إقناعها-وطمأنتها- بأني لن أكون غاضبا إذا علمت السبب، قالت: “حدثتني صديقة لي أنه بمجرد أن تنظر امرأة في عيون رجل عربي حتى تصبح لفورها حاملا”. لم أعلق بأي شيء على مقولة جارتي، ودعتها وصعدت الأدراج وأنا أسخر مع نفسي من سخافة هذا المعتقد.
بعد بحث طويل، وجدت صورة رسم ناجي العلي. لكن من مفاجأتي وجدت فينوس حاملا فعلا، والخليجي مازال واقفا ينظر إليها في قميصه الأبيض وعقاله الأسود فوق الكوفية الحريرية الناصعة وقد ارتسمت في مخيلته عبارة: “إنشا الله يكون ولد”.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.