تشكل الكتابة والقراءة فعلين ثقافيين يميزان الإنسان عن غيره من الكائنات، بهما استطاع أن يحقق الانعتاق من ربقة الطبيعة والتدرج في مراقي الحضارة. وباختراع الكتابة، يكون الإنسان قد فتح أبواب التنمية الشاملة، وسلك مسلك التطوير الذاتي اقتصاديا واجتماعيا و… فلأهميتهما كان القسم الإلهي بالقلم وبكثير من حروف التدوين، وسيمت سورة في القرآن الكريم بالقلم. كما كان الأمر بالقراءة ولما يخطه القلم، أول أمر إلهي للرسول (ص) ومعه الأمة من بعده.
الكتابة تنمية ثقافية ومتعة ذاتية:
وقد كانت الحاجة للتواصل والتعبير عن مكنون الذات دافعا لاختراع الكتابة كما يذكر التاريخ، لكن ظهورها سينعكس إيجابا على نمط حياة الإنسان وأنشطته. حيث ستظهر الزراعة وتتطور، وستظهر المدن، وسيستقر الإنسان بعد طول ترحال، وستتوالى الفتوحات التنموية تترى مع تقدمه في إبداع وسائل الكتابة وأشكالها. ومازال الأمر كذلك، بل ازدادت الحاجة إليها، كما ازداد مفعول الحبر والرقن في تطوير الفرد والمجتمعات.
فلا تخلو حضارة من بصمة القلم، بل هو فاعل أساسي في التخطيط وتشييد بنيانها. فهي إحدى الوسائل المهمة لإنتاج الأفكار والقيم، ومتى عرفت طريقها إلى التحقق وتجسدت في معيش الناس، ارتفعت بذوقهم، وأنارت عقولهم وهذبت سلوكهم. ولتجاوز التحديات التي تواجه الإنسان في سعيه نحو البناء والتشييد، لا مناص من الإبداع والابتكار التي تعد الكتابة محفزا عليه، وباعثة الأمل لبلوغ الطموح وكسب الرهانات. فبها تصاغ “الرؤية” التي تحدث عنها المرحوم المهدي المنجرة، والتي هي خارطة طريق نحو التقدم والازدهار. الهادية لمستقبل واضح المعالم، بعد قراءة الواقع وكشف نقائصه وعوامل ترديه، لإمكانية تغييره.
وهي بالإضافة إلى هذا وذاك، “وسيلة لازدهار العلم والأدب”. فكما قيل: “العلم صيد والكتابة قيده”، فلولا الكتابة لاندرست كثير من المعارف كما يُحكى في قصص الأطفال عن كتاب المعرفة، الذي يُدون فيه الحرف والصنائع، وبإحراقه من طرف الحاكم الجاهل، أحرقت معه الوصفة الطبية التي في غيابها لم يعرف الأطباء كيفية معالجة ابنته بفقدانها. وهي قصة تكتسي الكثير من الواقعية، وتختزل أهمية الكتابة والتدوين في حفظ الذاكرة الجماعية والفردية، كما هو جار به العمل في المذكرات اليومية والسير الذاتية وغيرها، ودور كل ذلك في إغناء وإثراء المعرفة والخبرات الإنسانية. وبراغماتية النظرة إلى الكتابة، لا تلغي وظيفتها المعنوية والتربوية، المتمثلة أساسا في تسريع النضج العاطفي والاجتماعي للفرد. بالإضافة إلى ما تضفيه من أنس وتسلية حين فراغنا، أو عندما تطوقنا الوحشة حين ابتعاد الناس عنا. فالكاتب أول من يعيش زمن “الامتاع والمؤانسة” بما يشيد من عوالم فكرية أو خيالية تضفي على الواقعية مسحة إبداعية، لا تخلو من جمالية ودهشة.
كل كاتب ينشد ضالته من الكتابة:
إن عمل الكاتب يضفي على حياته من المعاني ما يجعلها “تستحق الحياة”، والتي قد تتحول في غياب الكتابة إلى سلسلة من عمل الأغبياء كما تحكي أكثر من روائية خصوصا، حيث يلتصق بهن العمل المنزلي الرتيب. ومنهن أغاثا كريستي، التي أقرت بأن رواياتها البوليسية تهتدي إليها وهي تغسل الصحون. وبالنسبة لأخرى لعبة تسلي بها نفسها حين تتعب من أعمال البيت المملة، تضيف ما تشاء من الأحداث، لمن تشاء من الشخصيات، وتغير من الأدوار بين الحين والآخر، غير عابئة بنشر وقراءة ما كُتب، بقدر استمتاعها بما تكتب. كما استمتع بعضنا في مرحلة زمنية بتدوين مذكراته، أو بث همومه وهواجسه نترا أو شعرا على البساط الأبيض حبرا منسابا، “يخلصه من الألم والقلق” (حاتم الصكر) الذي يشعر به جراءها. حيث يشبه البعض الكتابة بفتح غطاء الإبريق للتخلص من بخار الماء المغلى المتجمع فيه، وحين فتحه ينطلق متحررا في الهواء، مستريحا من ضغطه.
لكن الكتابة بالنسبة لآخرين رسالة، عثر عليها بعد أن تمرس عليها واتخذها هواية لفترة من الزمن، فيكرس لها مجهوده التأليفي، وفق رؤية كونها بكل استقلالية، فيتميز بأسلوبه الخاص، وأفكاره التي قد تقترب أو تبتعد عن المتداول من المنشورات، لكن حتما فيها قدرا من الأصالة والتفرد. يتم إغناؤها وإثراؤها بالقراءة، وتلقي ما يرسله الآخرون، فيتم تفسيره بعد فهمه، أو “استكمال بنيته اعتقادا بوجود ثغرات وفجوات” في النص لتجاوزه. وبمثل هذا التفاعل من طرف القارئ مع المقروء، فيهب لإنتاج نص آخر تفسيري أو استدراكي أو… ولهذا يتردد على الألسن: “كثرة القراءة تذكي الرغبة في الكتابة”، فالأولى شرط للثانية، وتسندها بالشواهد والأدلة.
القراءة أساس معمار المكتوب:
إن عبارة “احفظ ألف بيت تصبح شاعرا”، التي ألفنا تزيين جدران المدارس بها، تدفع إلى تملك المقروء وتخزينه كي لا يندثر، واستحضاره في كل وقت وحين، وهو ما يسمح للحافظ بامتلاك رصيد لغوي ثري، وأساليب تعبيرية متنوعة، بالإضافة إلى تكوين الذائقة الفنية والصنعة الأدبية، القمينة بترويض ربة الشعر اللازمة للمقول الشعري، رغم ما يسلط من سهام النقد لمثل هذه الممارسات التي تهتم بشحن الذاكرة. لكن الانطلاق في عالم الإبداع والتأليف لا يكتب له النجاح، ما لم تغدو القراءة طقسا يوميا، حفاظا على حيوية الفكر، وتنميته بما يحفظ شبابه، وقدرته على الإنتاج، والمساهمة الثقافية بتقديم المقروء من الأفكار والربط بينها، تمهيدا لاستيعابها وتداولها على نطاق أوسع.
تركز نظريات القراءة الحديثة على المتلقي المشارك، فقد مضى زمن المستهلك الذي لا يبدي تفاعلا ما، استحسانا وتثمينا أو تدقيقا وانتقادا. فالمطلوب من القارئ أن تكون له ردة فعل لما يلقى إليه من مكتوب، غير مطمئن لما يقرأ ومستسلما له، أو استدراكا عليها وتفسير ما استشكل منها. فالبصمة الذاتية وخصوصا في الزمن الرقمي، هي غاية ومطمح من كل عمليات التواصل. التي يريدها الجميع أن تكون قيمة مضافة، على المستويات الفكرية واللغوية والأخلاقية والجمالية.
من هنا تأتي أهمية المشروع الوطني للقراءة، وغيرها من المشاريع ذات الصلة، رسمية ومجتمعية، للنهوض بهذا الفعل الحضاري الخلاق، وتحفيز الراشد وتربية الطفل على تعاطيه. بعد النكسة التي لحقت به، والإهمال الذي طال المكتوب، وتدني مستويات القراءة. وانعكاس ذلك على تنشئة المواطن الاجتماعية، وتكوينه الأدبي والعلمي، ونتيجة كل ذلك على المسلسل التنموي للبلاد. فإذا كان التعليم مدخلا لكل تنمية، فالقراءة والكتابة بوابتاه، وتدهورهما نسف لكل مجهود تنموي.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.