حتى لا يتحول الحلم إلى أزمة

حتى لا يتحول الحلم إلى أزمة
الخميس 2 أكتوبر 2025 - 19:25

المغرب يعيش اليوم لحظة دقيقة يختلط فيها الأمل بالخوف، والطموح بالهشاشة. فمن جهة، هناك مسار تنموي كبير جعل البلاد على موعد مع العالم: تنظيم كأس إفريقيا 2025، المشاركة في استضافة مونديال 2030، استثمارات ضخمة في مجال الطاقات المتجددة والماء، وبنية تحتية تتطور بوتيرة سريعة. هذه الإنجازات وضعت المغرب في واجهة الإقليم باعتباره بلداً قادراً على إدارة مشاريع كبرى في سياق إقليمي ودولي مضطرب.

لكن في المقابل، هناك صورة أخرى لا يمكن تجاهلها: احتجاجات شبابية في مدن وأحياء هامشية، أصوات تتعالى مطالبة بتعليم جيد، بخدمات صحية لائقة، وبفرص عمل تحفظ الكرامة. هذه الأصوات تعبّر عن خلل هيكلي في توزيع ثمار التنمية. فالمغرب الذي يقدّم للعالم صورة القوة الصاعدة، يجد نفسه داخلياً أمام تحدي تحقيق العدالة الاجتماعية وردم الفجوة بين من استفادوا من ركب التنمية وبين من بقوا على الهامش.

الاحتجاج في ذاته ليس مشكلاً، بل قد يكون فرصة صحية للتعبير والمساءلة. لكن الخطر يكمن في غياب القدرة على إدارة هذا النقاش بشكل عقلاني وسلمي. المنطقة العربية مليئة بدروس مؤلمة: سوريا وليبيا واليمن كانت كلها دولاً تحمل مشاريع تحديث وتنمية، لكنها سقطت في فخ الفوضى حين غاب الحوار الداخلي وتدخلت أطراف خارجية لتحويل الغضب الشعبي إلى حرب مفتوحة. هذه التجارب يجب أن تكون ماثلة أمام أعين المغاربة، لأنها تبيّن بوضوح أن غياب الوعي الجماعي هو أسرع طريق نحو الانهيار.

هنا يبرز سؤال جوهري: كيف نحصّن المغرب من الانزلاق إلى هذا المصير؟ الجواب يبدأ من الاعتراف بأن جزءاً من المسؤولية يقع على عاتق النخب السياسية والاقتصادية. حين تتداخل المصالح الخاصة مع مصالح الدولة، وعندما يختلط موقع القرار مع امتيازات تجارية أو مالية، يصبح الخلل خطيراً. النقاش الذي رافق بعض الصفقات العمومية الأخيرة كشف أن الرأي العام بات أكثر حساسية لهذه المسائل وأكثر إدراكاً لخطورتها. لذلك لا يكفي اليوم الاكتفاء بالوعود، بل لا بد من سياسات واضحة للفصل بين السلطة والمصلحة، ومن آليات صارمة للمحاسبة والشفافية.

في المقابل، تقع مسؤولية موازية على المجتمع، وخاصة الشباب. فالمطالبة بالحقوق أمر مشروع، لكن الحفاظ على السلم الأهلي والوعي بمخاطر الانزلاق إلى العنف أمر أكثر إلحاحاً. هناك أطراف، داخلية وخارجية، لا تتمنى الخير للمغرب، وتسعى لاستغلال أي توتر اجتماعي لإغراق البلاد في دوامة الفوضى. الطريق الوحيد لإفشال هذه المخططات هو وعي شعبي متين، وتعليم يسلح الشباب بالقدرة على التمييز بين المطالب المشروعة وبين من يحاولون ركوب الموجة لمآرب مدمرة.

المغرب يمتلك تجربة فريدة في تجاوز العواصف: فقد استطاع أن يعبر مرحلة “الربيع العربي” بأقل الخسائر بفضل الإصلاحات والحوار والتدرج. واليوم، وهو على أعتاب تحديات أكبر، يحتاج إلى قدر مضاعف من الحكمة وإلى تعاقد جديد بين السلطة والمجتمع. هذا التعاقد يجب أن يضمن مشاركة أوسع في صنع القرار، ويُعيد الاعتبار للمؤسسات الرقابية، ويعطي الأولوية للاستثمار في الإنسان عبر التعليم والصحة والعدالة الاجتماعية.

لا يمكن لأي بلد أن يبني استقراراً طويل المدى بالاعتماد فقط على البنية التحتية والمشاريع الكبرى. فالقوة الحقيقية لأي دولة تُقاس بقدرتها على بناء مواطنة فاعلة، وبثقة مواطنيها في أن السلطة تخدم المصلحة العامة لا المصالح الضيقة. المغرب يتطور بسرعة، وهذا أمر يدعو للفخر، لكن سرعة التطور تتطلب أيضاً قدراً كبيراً من الحذر حتى لا يتحول الحلم إلى أزمة.

المطلوب اليوم وعي جماعي يُدرك أن البلاد تقف على مفترق طرق: إما أن يكون المستقبل امتداداً لمسار الحكمة والاعتدال الذي طبع السنوات الماضية، أو أن يُفتح الباب أمام تكرار سيناريوهات عربية مأساوية. التاريخ لا يرحم، والدروس القريبة أمامنا. فإما أن نكون أذكى من الوقوع في الفخ الذي وقعت فيه شعوب شقيقة، أو أن ندفع الثمن ذاته. والرهان الحقيقي اليوم ليس فقط على المشاريع الكبرى، بل على الوعي الشعبي والسياسي الذي يصون البلاد من الفوضى، ويجعل من التنمية مشروعاً جماعياً لا امتيازاً لفئة دون أخرى.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • غاضب
    الجمعة 3 أكتوبر 2025 - 00:07

    المدرسة هي السبب في ما نحن فيه من هم و بالتحديد المدرسون المغاربة الغير أكفاء تربويا و ما أكثرهم في هذا البلد . بسببهم لدينا اليوم عدد كبير من الراسبين و المنقطعين و عوض أن يحولوا المدرسة لمكان جذاب للمراهقين قاموا بالعكس و لذلك يجب تحميلهم كامل و كل المسؤولية لما وصلنا إليه و إذا كان هناك شخص يستحق المحاسبة فإنهم هم .

  • MC
    الجمعة 3 أكتوبر 2025 - 08:02

    “.The price of greatness is responsibility”

    “ثمن العظمة هو المسؤولية.”

    Winston Churchill

    “لا يمكن لأي أمة أن تبني مستقبلها على حلمٍ دون أن تُعطِي لحاضِرها فرصة الحُلم أيضاً.”

    أستاذ زهير،
    مقالتك تؤكد بشكل واضح أن المغرب يقف اليوم عند مفترق حاسم بين الحلم والتنفيذ، وبين الارتقاء والتمزق الاجتماعي. الإنجازات الكبيرة التي نراها على أرض الواقع هي برهان على قدرة البلاد على قيادة مشروعات قومية وعربية وعالمية، لكنها في المقابل تبرز الحاجة الملحة إلى أن يتمتع كل مواطن بفرصة حقيقية للتمتع بالحقوق الأساسية كالتعليم والعمل والكرامة الصحية. فغياب العدالة الاجتماعية يخلق هشاشة داخلية تهدد هذه الإنجازات.
    المسؤولية إذن مشتركة بين الدولة التي عليها أن تضع قواعد واضحة لفصل الاعتبارات الشخصية عن المصلحة العامة، وبين المجتمع الذي يجب عليه أن ينقل مطالبه بالقوة الحضارية وليس بالعنف، حتى لا تفقد هذه المطالب مصداقيتها وتضيع الفرص.الوعي الشعبي والتعليم هما الحصن المنيع في وجه أي محاولات لتقويض الاستقرار وتحويل الحلم إلى أزمة.

    “الحلم الكبير لا يُبنى إلا على أكتاف حلم صغير لن تُهدر كرامته.”

    ALHOCEIMA

  • فريد
    الأحد 5 أكتوبر 2025 - 11:36

    أستاذي الكبير،فعلا بلادنا تعرف أوراشا كبيرة لكنها أوراش هدفها كأس إفريقيا والمونديال ولن تستطيع رفع ناتجنا الداخلي الخام(PIB) إلى نسبة 7% المطلوبة للقضاء على البطالة.أين الخلل؟ربما كلنا نعرف أن الخلل هو أن إقتصاد بلادنا مبني على الريع والفساد وكل المؤسسات الدولية تُقر بهذا.ليس عيبا أن يكون هناك تعليم خاص أو مصحات خاصة،لكن ليس مقبولا أن يضطر المغاربة للجوء إلى “هؤلاء” لأن المملكة بإسم الإستمرارية(كما كان الأمر قبل الحماية) قررت بفعل مديونيتها التخلي عن كل ما هو إجتماعي.ليس من المقبول أن يعيش المغاربة على سياسة التقشف إرث الحسن الثاني،كل موارد الدولة يجب أن تُوجه إلى التعليم والصحة السكن والأمن…كل المغرب تحول إلى مساكن غير مسكونة لأنها أصبحت وسيلة تبيض لكل ما هو خارج القانون،التعليم الخصوصي مرحب به إذا كان يعتمد على أطره الخاصة ولكن أن تمده الدولة بأطرها فهذا غير مقبول ونفس الشيء ينطبق على قطاع الصحة ليبقى الخيار هو أن كل من يتقاضى راتبه من الدولة لا يحق له الإشتغال في القطاع الخاص بما فيه التجارة.مسؤولية الأوضاع هي على الملك الحاكم الفعلي للبلاد بفعل إستحواده على جميع السلط والصلاحيا

صوت وصورة
"بنك أوف أفريكا" يحقق حلم سلمى
الخميس 24 شتنبر 2026 - 09:00

"بنك أوف أفريكا" يحقق حلم سلمى

صوت وصورة
وزير الداخلية يعلن نتائج الانتخابات
الخميس 24 شتنبر 2026 - 03:31 4

وزير الداخلية يعلن نتائج الانتخابات

صوت وصورة
النتائج  في دائرتي فاس
الخميس 24 شتنبر 2026 - 03:25

النتائج في دائرتي فاس

صوت وصورة
الفرز الانتخابي في الجديدة
الخميس 24 شتنبر 2026 - 02:27

الفرز الانتخابي في الجديدة

صوت وصورة
شوكي: النتائج تخلف الارتياح
الخميس 24 شتنبر 2026 - 00:24 2

شوكي: النتائج تخلف الارتياح

صوت وصورة
النتائج المؤقتة في بني ملال
الخميس 24 شتنبر 2026 - 00:02

النتائج المؤقتة في بني ملال