حرية التعبير والجرائم الإلكترونية

حرية التعبير والجرائم الإلكترونية
الأربعاء 25 مارس 2026 - 20:57

يعرف المغرب نقاشا حادا حول استعمال شبكات التواصل الاجتماعي ودور المؤثرين وآثار عملهم على الرأي العام وعلى الأخلاق العامة وحقوق المواطنين وخاصة الشخصيات العمومية التي تتعرض للكثير من التشهير والعنف والإساءة، وذلك في إطار الحديث عما أصبح يعرف اليوم بالجرائم الإلكترونية، التي نجم عنها رفع شكايات أمام القضاء، وتظلم الكثير من الشخصيات العمومية والمسؤولين من الغلو في استغلال حرية التعبير بدون أي وازع أخلاقي، مما أدى إلى حملة واسعة ضد الشطط في التعبير على شبكات التواصل، وضدّ ما بات يُعرف بـ”صناع محتوى التشهير” وبعض المؤثرين الذين تجاوزوا الخطوط الحمراء أخلاقياً وقانونياً، مما طرح بجدية فكرة ضرورة “تقنين الفضاء الرقمي”، الذي أدى الإفراط في استغلاله بدون قواعد واضحة إلى ما سماه البعض “نزيفا أخلاقيا”، خاصة بعد أن انتقل بعض الإعلاميين إلى العمل ك “يوتوبرز” متحللين من ضوابط مهنة الصحافة التي كانت تؤطر مهنتهم.

ولعل السؤال العريض الذي يُطرح بهذا الصدد هو ما إذا كان من الممكن تقنين التعبير على الانترنيت ووضع ضوابط تحد من العنف وإشاعة الكراهية، دون المس بالحق المبدئي في التعبير عن الرأي وممارسة النقد السياسي او الفكري او الاجتماعي، والذي هو من الحقوق الأساسية للمواطنة، التي على الدولة حمايتها.

وفيما يعطي البعض الأولوية للوسائل الزجرية ولضرورة المحاسبة، يعتبر البعض الآخر بأن الحرية حق مقدس ومكتسب كبير بالمغرب بعد عقود من التفاعل والصراع والتطور البطيء. فيما يرى الموقف الوسط بان الحرية لا تنفصل عن المسؤولية وأن من الممكن الوصول إلى قانون متوازن يجمع بين حماية حرية التعبير وضمان المسؤولية على شبكات التواصل عبر مقاربة مزدوجة: تشريعية ـ مؤسساتية، تتناول أولا قبل كل شيء تحديد الأهداف باعتبارها لا تطال حرية التعبير بل تسعى إلى جعل الحرية تمارَس في حدود احترام حريات الآخرين وحقوقهم الأساسية، ولهذا يطالب هذا الموقف المتوازن بألا يتم تجريم إلا ما يشكّل ضررًا واضحًا مثلا لتحريض الصريح على العنف، أو الخطاب الهادف إلى نشر الكراهية، أو التشهير ونشر الإشاعة الكاذبة، أو الابتزاز بهدف ربحي على حساب كرامة الغير. ويرى بعض رجال ونساء القانون بأن من الضروري في وضع قانون لهذا الهدف استبعاد العبارات الفضفاضة مثل “الإساءة” أو “المسّ بهيبة المؤسسات” التي غالبًا ما تُستخدم بشكل واسع وغير منضبط.

ويرى المدافعون عن الحريات بأن النص القانوني يجب أن يتضمن بصريح العبارة حق الانتقاد الحاد للأشخاص العموميين والسياسات العمومية والبحث والتحقيق الصحفي الميداني واعتماد الوثائق والولوج إلى المعلومات دون متابعة، ما دام النقد لا يتضمن ادعاءات زائفة أو تجريحًا شخصيًا متعمّدًا. أو مسا بالحياة الخاصة للأشخاص.

وتجدر الإشارة إلى أن هذا النقاش يجري في غياب قضاء مختص وشفاف في قضايا التعبير الرقمي، مما يستلزم لدى البعض إحداث دوائر قضائية أو غرف خاصة بجرائم “المجال الرقمي”، مع نشر الأحكام وتعليلها لخلق اجتهادات واضحة تمنع التأويلات التقديرية العامة.

ونظرا لأن الكثير من التجاوزات تتم على منصات تواصل اجتماعي مختلفة، فإن مساءلة منصات التواصل نفسها بدل الاقتصار على الأفراد أمر ضروري، وذلك بإلزام تلك المنصات بإجراءات واضحة ضد المحتوى غير القانوني دون المساس بالمحتوى المشروع، وبآجال للطعن والاعتراض، مما يقلل من الاعتقالات والمتابعات الفردية.

ويبدو الأمر ملحا عندما يثير بعض المتدخلين في النقاش العمومي أهمية اعتماد مدونة سلوك وطنية يتم إعدادها بالشراكة بين الدولة والقضاة والمجتمع المدني والصحافيين والفاعلين الرقميين. تحدد بوضوح وبمعايير دقيقة ما يعتبر ممارسة مسؤولة للتعبير الحرّ عن الرأي وما يعتبر إساءة ومسا بكرامة الأشخاص وسلامتهم.

ولأن أصحاب التوجه الزجري العقابي يلحون على ضرورة وجود نصوص زجرية إلا ان تيار الدفاع عن الحريات يعتبر أن قانون العقوبات على الجرائم الإلكترونية لا ينبغي أن يشمل عقوبات حبسية بل ينبغي أن يكتفي بآليات بديلة للعقوبات السالبة للحرية مثل الغرامات المتناسبة، أو الوساطة، أو تصحيح المعلومات والاعتراف بالخطأ والاعتذار، مع حصر السجن في الحالات القصوى التي تتعلق بالإرهاب والعنف والابتزاز والاتجار بالسمعة.

ونظرا لأن أي قانون يكون معرضا لاستعمالات تتجاوز الحدود التي من أجلها وُضع، فقد طالب البعض بضمانات لحماية الحقوق الرقمية والحق في الحصول على المعلومات، والحق في حماية البيانات الشخصية، وكذا آليات الطعن في القرارات الإدارية أو القضائية المرتبطة بالمحتوى.

ولعل القانون وفق هذه العناصر يصبح قادرًا على حماية حرية التعبير باعتبارها مبدأً، وفي الوقت نفسه مكافحة الأذى الرقمي باعتباره استثناءً محددًا بدقة.

وقد عرف المغرب قبل سنوات ما أطلق عليه “قانون تكميم الأفواه” وهو المصطلح الذي يشير إلى مشروع قانون مغربي سابق يحمل رقم (22.20) ، والذي كان القصد منه تنظيم استعمال وسائل التواصل الاجتماعي، غير أن بنوده التي تسربت إلى الصحافة سرعان ما أثارت ضجة كبيرة أدت إلى تجميده وسحبه بعد ذلك بسبب ما أثارته من جدل واسعً أذكته مخاوف من تقييد حريات الرأي والتعبير، ما حذا بالمنظمات الحقوقية إلى المطالبة بإلغائه الفوري وتضمين بنود تحمي حرية التعبير بدلاً من تقييدها، وقد أثار هذا المشروع آنذاك ما يمكن تسميته ب “مأزق ثقة” حيث توجس الكثيرون من تفاصيل أي تقنين للتعبير في الفضاء الأزرق، والتي لا تعرف المعايير التي ستصاغ على أساسها النصوص والفقرات.

ويعني هذا أهمية فتح حوار وطني في الموضوع، وتوسيع دائرة التواصل مع جميع الفرقاء السياسيين والمدنيين، من أجل توفير الضمانات المطلوبة. ذلك أن أي نقص أو غياب للتواصل والشرح المسبق قد يترك الساحة للشائعات ويؤدي إلى جعل أي مشروع قانون من هذا النوع يبدو وكأنه مؤامرة على حرية التعبير والنقد، مما يجعل التحدي الأكبر ممثلا في كيفية الموازنة بين حماية “المجتمع” والحفاظ على مكتسبات الحرية.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • MC
    الأربعاء 25 مارس 2026 - 22:11

    “The freedom of others extends mine to infinity”
    “La liberté des autres étend la mienne à l’infini”
    “حرية الآخرين تمتد حريتي إلى ما لا نهاية له.”
    (Mikhail Bakunin)
    (1814-1876)
    (Anarchist and political philosopher)

    “I disapprove of what you say, but I will defend to the death your right to say it”
    “لا أوافق على ما تقوله، لكنني سأدافع حتى الموت عن حقك في قوله.”
    (Evelyn Beatrice Hall)
    (1868-1956)

    “الحرية كالنهر الجاري، تحتاج ضفافاً تحمي مجراه دون أن تُخنقه”

    أستاذ أحمد،
    أشكرك على هذا النقاش الغني، وأقترح كحل متوازن: إنشاء غرف قضائية متخصصة في الجرائم الرقمية بنشر أحكامها المتعللة لتعزيز الشفافية، مع إلزام المنصات التواصلية بآليات استجابة سريعة للمحتوى الضار كالتحريض أو التشهير، مقابل حق الطعن الفوري للمستخدمين. كما يُفضل اعتماد مدونة سلوك وطنية مشتركة بين الدولة والمجتمع المدني تحدد بوضوح “الضرر الفعلي” دون عبارات فضفاضة، مع عقوبات بديلة كالغرامات والاعتذار العلني بدلاً من السجن إلا في القضايا الخطيرة. هذا يعيد الثقة ويمنع تكرار “تكميم الأفواه” عبر حوار وطني موسّع.

    ALHOCEIMA

  • المنتطلقات الخاطئة
    الأربعاء 25 مارس 2026 - 22:45

    يدعوا الأستاذ إلى توسيع دائرة التواصل مع كافة الفرقاء السياسيين والمدنيين بغية توضيح الضمانات المطلوبة لقبول النقد وحتى لايتورط المواطن في تهمة التشهير ولكن هذا يطرح تساؤلا جوهريا : هل يثق الشارع فعليا فيمن يتم ترشيحهم لهذه المهمة ؟ وهل يعي هؤلاء حدود حرية التعبير والخط الفاصل بين نقد العمل الحكومي وبين الإساءة الشخصية ؟ هل تم تنصبهم على مبدإ الكفاءة أو عبر طرق يعلمها الخاص والعام ؟ . ​سيدي نحن مجتمع يعكس صورة مسؤوليه وحكومته وما نعيشه من تهميش هو نتاج منظومة تربوية لازالت تعاني من خلل الأساسات . أنا حين أقدم الرشوة لا أفعل ذلك لرغبة في الرشوة نفسها ، لأنني مدرك تماما حرمتها نصا ، وقبحها في منظور اخلاقي ، لكنني أجد نفسي أمام خيار مرير لضمان وظيفة ودخل لابني تمكنه من فتح بيت بناء أسرة .
    ​ومع أنني أدرك تماما أن المنطلقات خاطئة وان دفع الرشوة يكرس وجود أشخاص غير أكفاء في مناصب لا يستحقونها ، في المقابل مستحقين في طابور البطالة لأنهم لا يملكون ثمن هذا الزواج العفن بين الغاية وتبرير الوسيلة ، إلا أن غلبة الأنا ، تجعل لا أبصر ، ولا أرى .

  • amaghrabi
    الخميس 26 مارس 2026 - 10:19

    أعتقد لا يمكن اصلاح ما أفسده الدهر وادارتنا المريضة بالمرض المزمن الذي أصابها منذ استقلال وطننا والتي تعايشت مع رضاعة الفساذ واستغلال مصالح المواطنين بالرشاوي وتستمر هذه العقلية وهذه الانانية وهذه التربية الفاسدة من جيل الى جيل حتى اصبح موظفي ادارتنا خبراء في ايجاد عراقيل في ملفات المواطنين الذين يريدون الحصول على وثائق ادارية.وأعتقد أن اصلاح الادارة المغربية لتصل الى مستوى الذي وصلت اليه الادارات في الغرب ما زال صعب جدا ويحتاج الى سنوات كثيرة لان العملية تبدأ من اسرنا ومن مدارسنا ومن مجتمعنا وبالتالي لا يمكن كما يقال اصلاح واستقامة بطيخة كبرت معوجة.صراحة نحن نشتكي وفي نفس الوقت نربي اولادنا تربية فاسدة او تربية خاطئة

  • Hassan
    الجمعة 27 مارس 2026 - 23:07

    حماية المجتمع و دعم المكتسبات تتحقق بتخليق الحياة العامة و سيادة القانون. مسؤولون حكوميون برلمانيون امناء أحزاب يستفزون بتصريحات غير مسؤولة . للأسف ليست لنا مؤسسات مواطنة فقط هيآت تصريف أعمال. . أستاذ أحمد تحدث في اليوم الوطني للمدرس عن ساعات العمل و قدم مقارنة مع نظرائهم في اليابان و الامارات و لم يشر إلى الفارق الشاسع بين ظروف و وسائل العمل و و و المصلحة الفضلى للطفل .

صوت وصورة
المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:30 3

المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية

صوت وصورة
إشادات بمضامين الخطاب الملكي
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:02 6

إشادات بمضامين الخطاب الملكي

صوت وصورة
الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 16:00 8

الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان

صوت وصورة
مغاربة ينتظرون الأفضل من الحكومة
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 15:34 8

مغاربة ينتظرون الأفضل من الحكومة

صوت وصورة
براعة فرسان الإمارات في سماء مراكش
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 12:14 4

براعة فرسان الإمارات في سماء مراكش

صوت وصورة
المازوط وغلاء التنقل في البيضاء
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 08:57 3

المازوط وغلاء التنقل في البيضاء