حقيقة الموت؟!

حقيقة الموت؟!
الأحد 21 ماي 2023 - 11:43

يسود الاعتقاد لدى الكثير من الناس أن للموت حقيقة واحدة يتم اختزالها في الانتقال من عالم دنيوي إلى عالم آخر. هذا ما نعرفه عن الموت، وهذا ما أطلعتنا عليه النصوص الدينية واجتهادات الفلاسفة والمفكرين عبر العصور. لكن الموت بالنسبة لمن فقد الحياة وأصبح في عداد من نذكر اسمه متبوعا بعبارة “الله ارحمو”، ليس هو الموت نفسه بالنسبة لمن فقد أخا أو حبيبا أو صديقا. كما أن الموت لا يحمل الحقيقة نفسها بالنسبة لمن سمع عن وفاة من لا يعرفه أو من هو بعيد عن معارفه ومحيطه.

من فقد الحياة وأصبح في عداد من ندعو لهم بالرحمة، هو من يعرف الحقيقة المطلقة للموت. لكننا لا نستطيع أن نعرف تلك الحقيقة، لأن الميت في عالمه ونحن في عالمنا، والتواصل معه أصبح عن طريق الدعاء فحسب وليس عن طريق الحواس من سمع ونطق وبصر، أو عن طريق الوسائل الحديثة للاتصال من هاتف ورسائل قصيرة و”واتساب” و”فيسبوك” و”تويتر”… فكل تلك الوسائل التواصلية أصبحت خارج التغطية وبالتالي يتعذر على من وافته المنية إخبار الأحياء بالحقيقة التي يعرفها عن الموت. من هذا المنطلق لا يمكن لأحد أن يدعي معرفة حقيقة الموت خارج ما تفيدنا به النصوص الدينية التي تشكل جوابا إيمانيا عن ما يعجز عن استيعابه العقل البشري.

عجْزُ العقل البشري عن معرفة حقيقة الموت، جعله يتعامل معه بمنطقين مختلفين: منطق يعتبر الموت جزءا من عالم الغيب الذي لا يمكن للعقل إدراكه، وبالتالي فهو ضد العقل، وكل ما هو ضد العقل لا وجود له. وهو منطق تبسيطي لا يقدم جوابا ولا يعرض تفسيرا ولا يحسم خلافا. ومنطق آخر يعتبر عدم قدرة العقل الإنساني على استيعاب حقيقة الموت ومعرفة خباياها، دليل على أن العالم الغيبي هو فوق إدراك العقل، وبالتالي فلا يمكن للعقل البشري أن يقدم جوابا عن حقيقة الموت لأن قدراته في الفهم لا تسمح بذلك. هذا المنطق العقلي في التعامل مع حقيقة الموت، فتح المجال للقناعات الدينية كملجأ وحيد لمعرفة حقيقة الموت وحقيقة العالم الغيبي. فالعقل المحض (أي العقل الذي يفكر دون استعانة بالتجربة والملاحظة لأن التجارب تقف عند حدود الموت) حسب تعبير كانط لا يمكنه أن يقدم جوابا شافيا في الموضوع.

قد يكون البعض متشبعا بالفكر المادي، ومصابا بهوس التحاليل والأفكار، وممجدا للعقل وللعقلانية، فيتعامل مع الموت كفكرة أو موضوع للنقاش. لكنه حين يقترب منه الموت وينهي حياة قريب أو حبيب عزيز على قلبه، فإنه يشعر آنذاك بحقيقة الموت ويدرك أن الموت ليس موضوعا للنقاش ولا فكرة للتحليل، وإنما هو حقيقة ينبغي الوقوف عندها. هذا ما عاشه فيلسوف الإلحاد المادي سبينوزا الذي أنكر في البداية شيئا اسمه الآخرة أو أن للكون خالق. لكنه حينما اطلع على كيف يشتغل الجسم البشري وكيف يسير العالم بكل تعقيداته، أدرك أن هذا العالم الذي نعيش فيه يستحيل أن يأتي من عدم وأن له إلها اختلفت حوله الآراء واهتدى الفيلسوف إلى تحديده في النظام الكلي الشامل للطبيعة، وهو النظام الذي يُسَيِّر هذا الكون حسب فهم الفيلسوف. سبينوزا لخص فلسفته في هذا المجال في مصطلحين “الجوهر” و”الله” (كتاب الأخلاق). المنطق نفسه في التعامل مع خلق العالم، نجده في فلسفة دافيد هيوم وجون جاك روسو وحتى نتشيه.

إذا كان العقل البشري عاجزا عن معرفة حقيقة الموت من الموتى أنفسهم، نظرا لانقطاع وسائل التواصل الدنيوية معهم، فإن من فقد عزيزا على قلبه أو قريبا لعائلته، يدرك حقيقة أخرى للموت يستوعبها جيدا ويعرف تفاصيلها بتدقيق. المكلوم في عزيزه لا يستطيع عقله استيعاب حقيقة أن من مازال حيا في ذاكرته أصبح في عداد الماضي. لا يستطيع فهم أن من كان يجلس معه بالأمس القريب ويتجاذب معه أطراف الحديث، وتفاصيل الحياة ومشاريع المستقبل… أصبح اسمه مقرونا بعبارات “الله ارحمو”، “الله اغفر ليه”، “الله ارزقو الجنة” “كان إنسانا طيبا ومن أحسن خلق الله”… وهو ما يعجز العقل البشري عن استيعابه ما دامت الذاكرة تذكره بأحداث قريبة وتفاصيل حياة كانت حديث المتوفى لأقربائه، وأصبح الآن في عالم منقطع عن عالمنا اللهم قنوات الدعاء والترحم.

يصعب النسيان إذا كان المتوفى من الأقرباء والأعزاء، ويصعب معه تحمل الموت بكل ما يحمله من انقطاع فجائي لكل مشاريع وأعمال المتوفى. فيدخل أقارب الفقيد في دوامة اللافهم وصعوبة الاستيعاب وتعقيدات التأقلم مع الواقع الجديد. أما إذا أصاب الموت شخصا لا نعرفه أو إنسانا بعيدا عن محيطنا، فتكون للموت حقيقة أخرى هي أنه بعيد عنا ولا يصيب إلا الآخر وبالتالي فيكون الاكتراث به قليلا والاهتمام به يكاد ينعدم.

ليس للموت حقيقة واحدة. فالمتوفى يعرف حقيقة الموت التي لا يمكننا الوصول إليها أو معرفتها إلا حين ندخل عداد الموتى، وموت عزيز أو قريب يجعل للموت حقيقة أخرى تختلف كثيرا عن حقيقة الموت إذا أصاب شخصا بعيدا أو لا نعرفه.

فقدتُ منذ أيام أخي حسن الغماز، وفقدتُ فيه ليس الأخ فقط بل فقدتُ فيه الأخ والصديق ومن أُسِرُّ له ويُسِرُّ لي بكل الأسرار…. فكانت هذه الخواطر حول حقيقة الموت لعلها تفيد من هو حائر في استيعاب هذه الحقيقة… فـ”كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ”ِ سورة آل عمران آية 185.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • KITAB
    الأحد 21 ماي 2023 - 20:12

    حتى ولو افترضنا أن مفهوم الموت عصي عن العقل والعقلانية كما جاء في ثنايا موضوع الكاتب ، فقد أصبح من اليسر تصور هذا المفهوم الذي ينسحب على جميع الكائنات ، النباتية والعضوية… وتختزل القضية في الخلايا التي تتهالك وتصاب بالخرف والضمور كلما تقدمت السن بكائنها ، حيوانا كان أو نباتا أو إنسانا… وأحيانا يعني الموت ؛ من المنظور البيولوجي؛ ضعف المقاومة أو بالأحرى القدرة على التآلف والتوافق مع البيئة ، فكثيرة هي الحيوانات والكائنات التي أصابها الانقراض بمجرد ضمور قوتها على المقاومة والتكيف مع البيئة الجديدة ، كالديناصورات وبعض أنواع الطيور والنباتات ، لكن من الوجهة الدينية فإن الموت لا يقف عند توقف وظائف الأعضاء بل تتجاوزه إلى عالم آخر… فكم من أحياء يناجون ويتواصلون مع الأموات لكن من خلال الأرواح ، وعموما يمكن القول؛ وحتى إذا وضفنا مقولة “معرفة الشيء بضده” فالحياة ومهما حاولنا الغوص في معانيها فنجدها بألوان قد لا تدخل تحت الحصر ، حياة رغد ، حياة البؤس ، حياة الفقراء؛ حياة البذخ ؛ حياة… بيد أن جميعها ومهما تنوعت فإنها تندرج ضمن المعادلة الإلهية {كل نفس ذائقة الموت } ، سلمات

  • Amaghrabi
    الأحد 21 ماي 2023 - 21:08

    اولا استاذي سعيد المحترم ,رحم الله صديقك واخاك برحمته وغفر له واسكن ان شاء الله فسيح جنانه,الموت سيدي واقع نراه بام اعيننا فلا مجال للشك فيه وانما ما يريبنا ماذا بعد الموت؟وهذا السؤوال هو مربط الفرس وهو الذي يختلف فيه المتدين والمتفلسف او بين الذي يؤمن بالرسالة السماوية وانها الحقيقة المطلقة وبين الذي يؤمن بالعقل والتجارب البشرية ووضع جميع الافكار في محتبر العقل وهو المقرر وهو المرجع الذي يحكم بالحق والصدق ولكن استاذي المحترم حتى هؤلاء القلاء والفلاسفة يدخلوننا في بحر عميق لا نصل الى منتهاه لانه مثلا يقولون اليوم ان هذه المجموعة الشمسية التي نعيش فيها نحن ولم نتوصل الى حدودها ان هناك مئات من المجموعات الشمسية مثلها وبالتالي فهذا عجز واستحالة الى الوصل الى تحديد العالم المحيط بنا فكيف نصل الى خالق هذا الكون .فما دمنا عاجزين للوصول الى حقيقة الكون فمنطقيا نعجز عقليا الى الوصل الى خالق الكون وبالتالي فالاعتقاد يكون بالعاطفة ولا يمكن ان يكون بالبحث والفكر العلمي البشري .وبالتالي فالاسلام معناه الاستسلام والخضوع ولا مجال لاي بشر ان يفصل في بداية كوننا ولا في نهايته ولا في حدوده والموت واقع

  • a maghra...
    الأحد 21 ماي 2023 - 22:23

    الأصح أن نقول إن جميع الشرائع السماوية تجمع على وجود نهاية نهاية حتمية لكل مخلوق أو كائن ولا وجود لشيء كتب له الخلود ، وصحيح أن العلم حالياً ما زال عاجزا عن تصور خالق الكون والكون بالمفهوم الفيزيائي الذي يتجاوز المليارات من المجرات ، وهي فقط تمثل سماء الدنيا أو الأصح السماء الأولى فكيف بالسموات السبع… فإدراك المخلوق للخالق بهذه القوة والجبروت مستحيل فيزيائيا ، لكن يمكن إدراكه من خلال بعض وجوه عظمته ، منها هذا التنسيق البديع بين الأجرام السماوية والتي حار فيها علماء الفيزياء والفلك ، نحن ضعاف عن إدراك الخالق سبحانه وتعالى نعم هو الله الذي يتحكم في كل شيء ، وقد أمكن لآنشتاين في آخر حياته التوصل إلى هذه الحقيقة واعتبرها شرطا للألوهية… والموضوع جد مثير نبش فيه الأقدمون والمحدثون ، لكنهم كانوا دوما ينتهون إلى وجود قدرة خارقة لامتناهية تدير هذا الكون ، والإنسان لا يمثل سوى نسبة 1/مليارات المليارات من الحجم الفيزيائي للكون ، أمر في منتهى الإستحالة تصوره من قبل كائن له عقل جد محدود…. شكراً

صوت وصورة
بوتين يستقبل المنصوري
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:36 2

بوتين يستقبل المنصوري

صوت وصورة
مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:00

مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟

صوت وصورة
الأمازيغية ورهان الاستمرارية الثقافية
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 18:01 4

الأمازيغية ورهان الاستمرارية الثقافية

صوت وصورة
متقاعدو "ليديك" ينتظرون الإنصاف
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 17:51 1

متقاعدو "ليديك" ينتظرون الإنصاف

صوت وصورة
افتتاح السنة الدراسية بالمعهد البحري
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 17:30 1

افتتاح السنة الدراسية بالمعهد البحري

صوت وصورة
المنصوري تصل إلى موسكو
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 15:21 15

المنصوري تصل إلى موسكو