رسالة مفتوحة إلى بوكروح

رسالة مفتوحة إلى بوكروح
السبت 7 فبراير 2026 - 22:13

السيد نور الدين بوكروح،

في إحدى مداخلاتك، تطرقت إلى مسألة “مال قارون” الذي أنفقته الجزائر في دعم جبهة البوليساريو بصفتها – كما قلت – “مكة الثوار”. وهو توصيف لم يصدر عنك ابتداءً، بل سبق أن ورد في تصريحات رسمية على لسان الرئيس الجزائري نفسه، اعترافًا بحجم الأموال الطائلة التي أهدرت لدعم مرتزقة البوليساريو.

في هذا السياق، طرحت، سيد بوكروح، مسألتين متمايزتين:

الأولى، أنه في حال افتراض قيام دولة للبوليساريو، فإن تلك الأموال ستعتبر دينًا، ويجب استرجاعها منها.

والثانية، أنه إذا فُرض خيار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية بدفع من الولايات المتحدة، فإن مسألة استرجاع تلك الأموال ينبغي أن تُطرح على طاولة المفاوضات.

إن هذا الطرح الغريب، رغم تعدد فرضياته، لا يخرج عن الإطار نفسه، ولا يغير من جوهر الإشكال. فنحن هنا لا نكون أمام مجرد رأي نقدي، سواء أُبدِيَ منك أو أوحِيَ إليك، بل أمام مفارقة سياسية وقانونية تستحق التفكيك.

حين تتحول لغة التبرير الرسمي من سؤال: “كم أنفقنا ولماذا؟” إلى منطق مطالبة: “من يعوضنا؟”، يصبح السؤال مشروعًا: هل نحن أمام نقد لسياسة فاشلة، أم محاولة لإعادة تدوير نتائجها في شكل فاتورة موجهة للغير؟

“مال قارون”، الذي استُخدم بلاغيًا لوصف حجم الأموال المهدرة، يُراد له اليوم أن يتحول إلى سند مطالبة، وكأن الخطأ لم يكن في القرار، بل في رفض الآخرين دفع ثمنه.

وأنت، الوزير الأسبق والمعروف بحدتك في نقد الدولة الجزائرية، وبوصفك الشهير للجزائريين بأنهم “أيتام التاريخ” – في إشارة إلى دولة تعاني قطيعة في الشرعية التاريخية وتعويضًا مفرطًا بالشعارات والمواجهات الخارجية – كان يفترض أن يقودك هذا التشخيص إلى مساءلة منطق القرار نفسه، غير أن اقتراحك الأخير يفعل العكس: بدل تفكيك السياسة التي أنفقت “مال قارون”، يقترح البحث عن جهة خارجية تحمل كلفة فشلها.

في أبسط قواعد القانون، لا وجود لمبدأ يجيز تعويض طرف عن أموال أنفقها بإرادته الحرة في إطار سياسة اختارها وخدم بها مصالحه الاستراتيجية. الجزائر لم تُجبر على إنفاق هذا “المال القاروني”، ولم تُفرض عليها تلك السياسة قسرًا، بل تبنَّتها وراكمتها لعقود، ودافعت عنها في المحافل الدولية.

كيف تطالبون اليوم باسترجاع مالٍ صُرف طوعًا، وبقناعة كاملة، وبأهلية سياسية كاملة؟

قانونيًا، المسألة أوضح من أن يشوبها الالتباس.

في القانون الدولي، السيد بوكروح، النفقات الطوعية التي تقرر سياديًا لا تنشئ أي حق في التعويض تجاه الغير. الدولة التي تختار سياسة خارجية، وتنفق عليها بإرادتها، وتدافع عنها لعقود، تتحمل نتائجها كاملة. لا وجود لمبدأ يسمح بتحويل كلفة خيار سياسي فاشل إلى دين في ذمة دولة أخرى.

بل إن هذا الطرح يصطدم بمبدأ المنع من التناقض (Estoppel): فالجزائر تؤكد رسميًا ومنذ عقود أنها ليست طرفًا في النزاع، لكن المطالبة باسترجاع الأموال، سواء من كيان مفترض أو عبر مفاوضات مفروضة، تفترض العكس تمامًا: طرف مباشر، منخرط، أنفق وخسر ويطالب بالتعويض! لا يمكن الجمع بين إنكار الصفة السياسية والمطالبة بالحقوق المالية دون الوقوع في تناقض قانوني صريح.

هنا نصل إلى الأخطر، لا من زاوية القانون فقط، بل من زاوية المعنى. الجزائر، التي طالما تشدقت في خطابها الرسمي بأنها تدافع عن “حقوق الشعوب” و”المبادئ” و”تقرير المصير” بوصفه قيمة أخلاقية لا تخضع للمساومة، تظهر في هذا الطرح وكأنها تتخلى عن كل ذلك دفعة واحدة! وللعلم، حين يتحول حق الشعوب إلى بند قابل للتعويض، وحين يصبح النضال موضوع مطالبة مالية، لا نكون أمام مبدأ، بل أمام سلعة.

بهذا المنطق، لا تعود القضية دفاعًا عن شعب، بل تتحول إلى ما يشبه سوق نخاسة سياسي، تُعرض فيه الشعارات في مزاد علني مثير للشفقة: من يدفع أكثر؟ من يعوض “مال قارون” أولًا؟ عندها يسقط القناع، ويتبين أن الخطاب لم يكن دفاعًا عن حق، بل استثمارًا فيه، وأن القضية لم تكن مبدئية، بل قابلة للتصفية متى نضجت شروط البيع.

ثم إن تحويل قضية سيادة ونزاع قانوني دولي إلى مسألة محاسبة مالية هو في حد ذاته انحدار في مستوى التفكير السياسي. السيادة لا تُقايض، والتاريخ لا يُسوَى بتحويل بنكي، وحدود الدول لا تُرسم وفق منطق “ادفع ننسحب”. هذا منطق يصلح للعصابات أو لإدارة شركة خاسرة، لا لإدارة نزاع إقليمي عمره عقود.

إذا كان لا بد من الحديث عن التعويض، فالمسار لا يمر عبر الخارج، بل عبر الداخل.

الطرف الوحيد الذي يملك حق مساءلة حقيقي بخصوص “مال قارون” هو الشعب الجزائري نفسه. هذا المال مال عمومي، صُرف باسمه، ومن موارده، في سياسات لم تُعرض عليه ولم تُناقش علنًا، ولم يُحاسب على نتائجها.

من يعوض الجزائريين عن عقود من توجيه الثروة الوطنية نحو قضايا فاشلة لم تنتج لا استقرارًا ولا تنمية ولا تكاملًا مغاربيا؟

من يعوضهم عن تحويل السياسة الخارجية إلى أداة إدامة للنظام بدل أن تكون أداة خدمة للمجتمع؟

هنا تحديدًا تتجه المسؤولية إلى النظام الجزائري ذاته: هو من قرر، وهو من أنفق، وهو من دافع، وهو من يرفض إلى اليوم فتح نقاش شفاف حول الكلفة الحقيقية لتلك الخيارات. أما مطالبة الغير بتسديد الفاتورة، فليست سوى محاولة لتأجيل المساءلة، وتحويل فشل السياسة إلى نزاع محاسبي مع الخارج.

إن “مال قارون”، الذي صُرف عن وعي وبإصرار وفي سياسات ثبت فشلها، لا يُسترجع من الجيران، بل يبقى دينًا سياسيًا وأخلاقيًا في ذمة من أنفقه أمام شعبه، هذا ما يؤكده تاريخ الشعوب، والأيام بيننا.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • amaghrabi
    السبت 7 فبراير 2026 - 23:09

    شكرا سيدي محمد المحترم على هذا الرد الذي سيصل بكل تاكيد الى هذا الوزير الجزائري السابق الذي كنت اسمع بعضا من كلامه لان كلامه ممل ولم استطع شخصيا متابعته الى نهايته حتى جاء بتلك المهزلة التي يدعو فيها حكام الجزائر لمطالبة المغرب على التعويضات على ما خسرته العصابة على صانعتها المرتزقة الذين اغلبهم من الجزائر وموريطانيا ومالي والنيجر وليبيا ووو وقليل منهم من اقاليمنا الجنوبية بحيث حتى الممثل الرسمي للمرتزقة في اوروبا المسمى بشرايا موريطاني الاصل وبالتالي كان على بكروح ان يدعو العصابة لتتفاوض مع هذه الدول الافريقية التي جاء منها المرتزقة رغم انه كما اشرتم سيدي لا يحق للعصابة ان تطلب اموالا صرفتها في العتاد العسكري وتميل المرتزقة من اجل الحروب وذلك طوعا وليس كرها وبالتالي فبكروح من معدن الصابة وكان معهم وليس احسنهم وهو يعارض فقط لتسلية نفسه لا اقل واكثر ودغدغت الشعب الجزائري المقهور

  • إستثمار في المضمون .
    السبت 7 فبراير 2026 - 23:29

    لقد أنفق المغرب مبالغ هائلة تضاهي ثروة قارون من أجل إرساء دعائم اقتصادية في منطقة تركها الاستعمار الإسباني مجرد خيام تفتقر لأبسط مقومات العيش . ولفترة طويلة كان يوجه ربع ميزانية الدولة لتنمية الأقاليم الصحراوية المسترجعة ، إلى جانب تأمين نفقات آلاف الجنود المرابطين لحمايتها من الأعداء . ​هذه التكاليف الضخمة تفوق ما خسرته الجزائر في هذا الصراع . وحتى الآن لازالت فاتورة الصحراء تشكل عبئا على الإقتصاد . إلا أن الفرق الجوهري يكمن في الخواتيم ، فبينما ذهب مال قارون الذي أنفقته الجزائر أدراج الرياح كشجرة اجثتت من فوقها ، كان إنفاق المغرب بمثابة استثمار كان الهدف منه واضحا ، ترسيخ الوحدة الترابية ، وضمان العوائد الاستراتيجية للأجيال التي لم تولد بعد .

  • Lamya
    الأحد 8 فبراير 2026 - 10:32

    كل منا استثمر أموالا طائلة و لكن شتان بين من أنفق في إعمار أرضه و بناء مسستقبل شعبه بفعل عقلاني و رؤية ملكية رصينة, و بين من يبدد مال قارون في مطاردة الأوهام و معاكسة الجار,
    كل طرف اختار أين يضع رهانه, المغرب راهن على البناء و التنمية فربح الواقع و غيرنا اختار الهدم فخسر المال و المنطق, كل واحد يتحمل نتائج استثماراته
    من أغرب مضحكات هذا الزمان أن يطالب المقامر جاره بتعويضه عن الأموال التي خسرها في محاولة هدم بيته و معاكسته و مضايقته
    هذا الطرح ليس سياسة بل هو إعلان رسمي عن الإفلاس العقلي و المنطقي

  • Amin
    الأحد 8 فبراير 2026 - 10:54

    هل نرد أصلا على هذا إنه شيء مضحك يريدون أن نعوضهم على الأموال التي كانوا يعاكسوننا بها كما نقول لوضع حجر في حداء المغرب؟!

  • عاجل
    الثلاثاء 10 فبراير 2026 - 10:59

    على الدولة المغربية ان تستثمر في بناء العقول حتى نستطيع بناء صناعة عسكرية مغربية نؤدب من خلالها كل من تسول له نفسه الاعتداء على التراب المغربي.
    التحدث إلى العصابة الجزائرية مضيعة للوقت.

  • Abdo
    الثلاثاء 10 فبراير 2026 - 11:40

    الذي يجب ان يعوض هو المغرب، الذي فرضت عليه هذا النزاع المفتعل من طرف جار السوء، التعويض عن الحروب التي افتعلتها هذه الدويلة، و الأرواح، وسنيين السجناء التي دهبت هباءا منثورا ،المغرب هو من يجب ان يعوض ويجب أن لا نسامح في هذا

صوت وصورة
أزمة السكن تخنق طلبة أكادير
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 10:50 1

أزمة السكن تخنق طلبة أكادير

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | أحداث سبتة.. وماذا بعد؟
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 21:00

أبعاد استراتيجية | أحداث سبتة.. وماذا بعد؟

صوت وصورة
"الكتاب" يدرس المشاركة الحكومية
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 20:30 3

"الكتاب" يدرس المشاركة الحكومية

صوت وصورة
عاصفة قوية تضرب فاس
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 17:34 6

عاصفة قوية تضرب فاس

صوت وصورة
وجه آخر للبحر في البيضاء
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 16:28 2

وجه آخر للبحر في البيضاء

صوت وصورة
منتجات مغربية تتألق في أبوظبي
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 16:04 1

منتجات مغربية تتألق في أبوظبي