حِزْبُ "يجِبُ أنْ"

حِزْبُ "يجِبُ أنْ"
كاريكاتير: مبارك بوعلي
الإثنين 31 غشت 2026 - 17:04

استمعتُ إلى خُطب كثيرة نهاية الأسبوع في لقاءات مرشحين ومرشحات، وتكاثرت أمامي الوُعود حتى تشابهت الوجوه، واختلطت الأسماء، وضاعت البرامج بين التصفيق والابتسام والكلمات الكبيرة.

ومع ذلك، خرجتُ من كل ذلك الزحام بعبارة واحدة فقط بقيت عالقة في ذاكرتي: “يجبُ أن…”. عبارة قصيرة، رشيقة، صالحة لكل زمان ومكان، تكفي وحدها لافتتاح خطاب، وملء برنامج، وربما لخوض حملة انتخابية كاملة.

في كل موسم انتخابي يظهر حزب ” يجبُ أنْ” وإن تغيّرت الأسماء والرموز والألوان.

حزب عجيبٌ لا يحتاج إلى مقرّ، ولا إلى أعضاء، ولا إلى برنامج مفصّل، ومع ذلك يشارك في كل حملة، ويحضر كل تجمُّع، ويجلس في الصفّ الأول من كل خطاب.

ما أكرمَ هذه العبارة على المرشح! لا تحتاج إلى ميزانية، ولا إلى دراسة جدوى، ولا إلى جدول زمني، ولا إلى رقم واحد يمكن للناخب أن يعود إليه بعد سنة ويسأل عنه.

يكفي أن يرفع المرشح صوته قليلًا، ويشدّ ملامحه بما يناسب خطورة المرحلة، وينظر إلى الأفق نظرة من يحمل الوطن كله فوق كتفيه، ثم يقول: يجب أن نصلح التعليم، يجب أن نحارب البطالة، يجب أن ننهض بالصحة، يجب أن نهتم بالشباب، يجب أن نحفظ كرامة المواطن.

وأنا أسمع فأقول في نفسي: نعم، يجبُ، لا خلاف على ذلك. المشكلة أن هذا “يجب” طال عمره أكثر من بعض المشاريع التي يتحدث عنها هذا المرشح أو ذاك.

البرنامج الانتخابي في كلمتين

لذلك، يكفي أن يبدأ المرشح حديثه حتى يتقدم الحزب إلى المنصة: يجب أن نوفر فرص الشغل، يجب أن نعيد الثقة إلى المواطن، يجب أن نحارب الفقر… تتعالى التصفيقات، وتبدو الجمل قوية ومطمئنة.

تبدو الأمور ممتازة إلى أن يظهر شخص ثقيل الظل، قليل المجاملة، ويطرح السؤال الذي يُفسد جمال الأمسية:

كيف؟ عندها تبدأ لحظة الارتباك الهادئ.

يبتسم المرشح، يشرب قليلًا من الماء، يشكر صاحب السؤال على “أهميته”، ثم يأخذنا في جولة طويلة بين التحديات، والرهانات، والمقاربة الشمولية، والرؤية الاستراتيجية، والمرحلة الحساسة، والإرادة الجماعية.

وبعد أن نظن أنه سيصل أخيرًا إلى الجواب، يعود في أمان إلى النقطة التي بدأ منها: يجبُ أنْ…

هنا تكمن عبقرية العبارة.

فهي تقول كل شيء من دون أن تُلزم قائلها بشيء تقريبًا.

من يستطيع أن يعترض على ضرورة إصلاح المدرسة؟

ومن سيقف في تجمع انتخابي ليعلن أن المستشفيات لا تحتاج إلى تحسين؟

ومن يجرؤ على القول إن تشغيل الشباب فكرة سيئة؟

لذلك أعتبرُ عبارة “يجب أن” التُّحفة الأجمل في قاموس الخطاب الانتخابي؛ تمنح قائلها ملامحَ صاحب رؤية، من غير أن تُلزمه برؤيةٍ واضحة، وتُوحي بوجود مشروع، من غير أن تطالبه بتفاصيله.

يعرفُ المرشح المتمرس جيدًا كيف يستعملها.

لا يقول لك كم طريقًا سيُنجز، يقول: يجب أن نفك العزلة عن المناطق النائية؛ لا يحدد عدد الوظائف، يعلن: يجب أن نوفر فرص الشغل للشباب.

لا يخبرك متى يبدأ التّنفيذ، ولا كَمْ سيُكلِّف، ولا من سيتحمَّل المسؤولية، لأن الدخول في هذه التفاصيل قد يفسد على الخطاب أناقته.

أما “يجبُ أن” فتبقى خفيفة، نظيفة، بلا فواتير ولا تواريخ انتهاء.

“يجب أن”… والباقي على الله

بعد كل ما استمعتُ إلى كل تلك الخطب، بدأتُ أظنُّ أنَّ “يجبُ أنْ” هي المرشحة الحقيقية في كُلِّ انتخابات؛ هي التي تحضر جميع اللّقاءات، وتتحدّث في كُلّ الملفات، وتَعِد الجميع بكلِّ شيء، ولا يسألها أحد عن الحصيلة، وهي التي تفوزُ في كل مرَّة.

لهذا لا أخشى على حزب “يجب أن” من الهزيمة؛ فهو لا يحتاج إلى إنجاز كي ينجح، ولا إلى التزام كي يَعِد، ويُكثر من الحديث عن المستقبل كلما تهرّب من مواجهة الحاضر.

ستمر الانتخابات، وتتغير الوجوه، وتختفي الملصقات، وتبقى ” يجبُ أنْ” في مكانها، قويَّةً، متماسكةً، مستعدةً للاستحقاق المقبل.

أمّا “حزب التنفيذ”، فيبدو أنه لم يضع ترشيحَهُ بعد.

لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

12
  • سالم
    الإثنين 31 غشت 2026 - 17:13

    على المواطن فقط مقاطعة الزرقلاف التي بدأت في احياءنا و ازقتنا الشعبية ، و الأمور ستكون أفضل و الباقي روايات

  • محمد
    الإثنين 31 غشت 2026 - 17:21

    الشعب يريد ملكية مطلقة و حكومة تيكنوقراط مجتهذة متمكنة

  • مغربي
    الإثنين 31 غشت 2026 - 17:29

    احزاب”يجب أن…”: احزاب الوعود الكاذبة لا غير،احزاب الجري وراء الكراسي والمصالح الشخصية،اصحاب النفاق واستحمار المغاربة.
    سئمنا خطاباتكم الرديئة والمتكررة.ارحلوا عنا.

  • عبد الخالق السراج من تطوان
    الإثنين 31 غشت 2026 - 17:47

    بدون تعليق
    أحسنتَ أستاذنا عبد الفتاح لحجمري ، مواضيعك في هذه الزاوية الحادة جديرة بالقراءة والاعتبار .
    شكرا هسبريس برااااافو

  • بوعبيد
    الإثنين 31 غشت 2026 - 17:52

    يجب ان نصوت لكن .لمن؟ ومن؟ يجب ان الكل نفس البرنامج؟

  • ابوسالم
    الإثنين 31 غشت 2026 - 18:01

    عندما أرى هذا التنافس الشديد والذي يصل إلى درجة السب والشتم والاتهامات،اتساءل عن الدافع الذي يجعل الاحزاب تتهافت وكأنها في حرب على الترشيحات والاستقطابات و قطع المسافات الى المداشر والمناطق الجبلية الوعرة المسالك والتي لم تكن تعرفها من قبل،وتقيم الولائم و المهرجانات والمواسم.هل كل هذا حبا في خدمة المواطن ام حبا في تحقيق المكاسب؟ولكن من خلال ملاحظاتي طوال خمسين سنة ،فإن هاجس خدمة المواطن لا مكان له في أجندة غالبية الاحزاب.

  • لقمان
    الإثنين 31 غشت 2026 - 19:51

    مقال جميل. الإعلام المستقل يعتبر سلطة رابعة .

  • Jawad
    الإثنين 31 غشت 2026 - 22:15

    Très juste si Abdelfettah
    . Le « il faut » est souvent la formule la plus confortable du discours politique : elle permet d’énoncer une évidence, de susciter l’adhésion et d’éviter soigneusement la question essentielle — comment, avec quels moyens, dans quels délais et avec quels résultats mesurables ?
    Le vrai courage politique commence précisément là où le « il faut » s’arrête

  • الزبير
    الثلاثاء 1 شتنبر 2026 - 00:50

    يجب على المصفقين أن يكفوا عن التصفيق ، كما يجب على الحاضرين لحزب ” يجب ان ‘ أن يغيبوا عن كل مهرجان فولكلوري إذا أرادوا أن يعاقبوا حزب يجب أن .

  • الخارج من الكهف
    الثلاثاء 1 شتنبر 2026 - 08:10

    عندي اقتراح بسيط: بما أن الأحزاب وما تنجبه من وزراء وكتاب عامين وموظفين سامين، فضلا عن البرلمانيين والمستشارين غير مؤهلين وليسوا أكفاء لتحقيق التغيير المنشود، لماذا لا ننتخب في كل فترة شبابا متعلمين فقراء عاطلين عن العمل، فيتلقون أجرا سمينا ويعيلون أسرهم وبعد فترة ننتخب آخرين، وهكذا دواليك. وبالتالي نتمكن من إخراج عدد كبير من البطالة بدلا من انتخاب أرباب شركات وأغنياء زادتهم السلطة غنى فاحشا حتى أصبحت تنتفخ أوداجهم وتحمر عيونهم كلما خاطبناهم، بل لا يكترثون لنا البتة ويكيلون لنا السباب أحيانا ويسلطون علينا أصدقاءهم الفراقشية، ويسمنون أقرباءهم الأغنياء أصلا. أليس ذاك أفضل؟ وفي انتظار اختياراتكم سأعود إلى الكهف

  • ملدا المهراد
    الثلاثاء 1 شتنبر 2026 - 15:45

    شيء. واحد يمكن أن يطوق *يجب أن ” ويجعلها دات مدلولية وأن لا يقولها إلا من يستطيع و يرغب حقا في فعل ما يجب فعله لصالح قضايا المواطن و الوطن وهي ربط المسؤولية بالمحاسبة في ضل قانون قوي بلا ثغرات

  • صالح
    الثلاثاء 1 شتنبر 2026 - 15:55

    هناك شيئ واحد يمكنه تطويق والحد من “يجب أن* وأن لا يستطيع قولها إلا من يرغب حقا وله القدرة على الإصلاح و التغيير لما فيه خير المواطن و الوطن و هو ربط المسؤولية بالمحاسبة في ضل قانون قوي ليس فيه ثغرات

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع

صوت وصورة
إصلاح الضريبة على الدخل
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 17:47

إصلاح الضريبة على الدخل

صوت وصورة
لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 16:02

لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة