تستعد مدينة خريبكة لاستقبال الدورة الخامسة من المهرجان الدولي حديقة الفنانين الذي تنظمه جمعية “بلادي آرت للفنون التشكيلية” ما بين 22 و25 أكتوبر 2026، بمشاركة فنانين مغاربة ودوليين، في مبادرة ثقافية تسعى إلى توسيع حضور الفن التشكيلي داخل الفضاء الحضري، وجعل الإبداع جزءاً من الحياة اليومية للمدينة وساكنتها.
وتحمل هذه الدورة أهمية خاصة، باعتبارها محطة لاستئناف مسار فني انطلق سنة 2015، قبل أن يتوقف لعدة سنوات. ويأتي استئناف هذا الموعد ليعيد طرح سؤال العلاقة بين الفن والمدينة، وكيف يمكن للتعبير التشكيلي أن يتجاوز حدود العرض التقليدي، ليصبح وسيلة لإعادة اكتشاف الأمكنة وإغنائها جمالياً وثقافياً.
منذ انطلاقته، اختار المهرجان الاشتغال على فكرة تحويل الفضاءات الحضرية المهملة إلى مجالات للإبداع والتلاقي، من خلال توظيف الفن التشكيلي في إضفاء قيمة جديدة على المحيط العمراني. وتترجم هذه الرؤية عبر إنجاز لوحات تشكيلية ضخمة، يبلغ قياس الواحدة منها ثلاثة أمتار طولاً ومترًا وثمانين سنتيمتراً عرضاً، يتولى كل فنان الاشتغال على إحداها، فضلاً عن تنظيم معرض جماعي وأنشطة فنية موجهة إلى العموم.
وتكمن أهمية هذه التجربة في كونها تمنح الفن إمكانية الانفتاح على جمهور أوسع، لا ينتظر بالضرورة زيارة معرض أو ارتياد مؤسسة ثقافية لاكتشاف الأعمال الفنية، بل يصادفها في الفضاء الذي يتحرك داخله يومياً. وبهذا المعنى، يصبح العمل التشكيلي جزءاً من المشهد الحضري، وعنصراً مساهماً في تشكيل الذائقة البصرية، وإثارة الفضول، وفتح المجال أمام قراءات وتأويلات متعددة.
ولا تنحصر أبعاد المهرجان في الجانب الجمالي، بل تمتد إلى البعد الثقافي والاجتماعي، من خلال تشجيع اللقاء المباشر بين الفنانين والجمهور، وإتاحة الفرصة أمام الساكنة للتفاعل مع تجارب وأساليب فنية متنوعة. فالفن، حين يخرج إلى الفضاء العام، يكتسب إمكانات جديدة للتواصل، ويغدو مجالاً مشتركاً تتقاطع فيه الرؤى والتجارب، بعيداً عن الحواجز التي قد تفرضها فضاءات العرض المغلقة.
كما تتيح المشاركة المرتقبة لفنانين من المغرب وخارجه فرصة لتبادل الخبرات والتعرف على مقاربات مختلفة في الممارسة التشكيلية، بما يعزز البعد الدولي للتظاهرة، ويجعلها مناسبة للحوار حول قضايا الإبداع المعاصر وعلاقته بالتحولات التي تعرفها المدن والمجتمعات. ويمنح هذا التنوع للمهرجان إمكانات إضافية لإغناء التجربة الفنية المحلية وربطها بآفاق أوسع من التواصل الثقافي.
وتبرز هذه المبادرة، في الآن ذاته، أهمية العمل الجمعوي في تحريك الحياة الثقافية وإطلاق مشاريع تجعل من الإبداع رافعة للتنمية الثقافية المحلية. فالمهرجانات الفنية لا تقاس فقط بعدد الأعمال المعروضة أو المشاركين فيها، بل أيضاً بقدرتها على خلق أثر داخل محيطها، وتحفيز الاهتمام بالفنون، وإرساء تقاليد جديدة للتفاعل مع الثقافة والإبداع.
وبالنسبة إلى خريبكة، يشكل هذا الموعد فرصة لتعزيز حضورها في المشهد الفني، وإبراز قدرتها على احتضان مبادرات تجمع بين الإنتاج التشكيلي والانفتاح على التجارب الدولية. كما أن استعادة المهرجان بعد سنوات من التوقف تضع أمام المنظمين تحدي ضمان استمراريته وتطويره، حتى يتحول إلى موعد قار يسهم في تنشيط الحياة الثقافية بالمدينة.
وليست “حديقة الفنانين” مجرد تظاهرة لعرض اللوحات، بل تجربة تقوم على فكرة أن المدينة يمكن أن تكون فضاءً للإبداع، وأن الجمال لا ينبغي أن يظل محصوراً داخل قاعات العرض. ومن هنا، تستمد هذه المبادرة قيمتها من سعيها إلى جعل الفن أقرب إلى الناس، وأكثر التصاقاً بمحيطهم، وقدرة على منح الأمكنة اليومية دلالات جديدة.
وبين اللون والفضاء، وبين الفنان والمتلقي، تراهن الدورة الخامسة على تجديد هذا الحوار المفتوح، واضعة الفن التشكيلي في قلب الحياة الحضرية، باعتباره ممارسة ثقافية قادرة على إثراء الذاكرة البصرية للمدينة، وتعزيز التواصل الإنساني، وإعادة الاعتبار للجمال بوصفه حقاً مشتركاً.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.