خطاب العرش والأسئلة المعلقة

خطاب العرش والأسئلة المعلقة
الخميس 3 غشت 2017 - 21:37

تتلاحق الأحداث والوقائع بشكل متسارع في موضوع الأزمة السياسية والتنموية بالمغرب؛ حيث أصبحت تشكل البؤرة التي تستقطب الرأي العام المحلي والدولي. ومع مرور الوقت، يظهر أن هذا الموضوع بدأ يسائل كل الفاعليين المؤثرين في صنع القرار السياسي بالمغرب. ولهذا الغرض، فإن خطاب العرش لـ29 من يوليوز الأخير، شكل انعطافة هامة في الموضوع.

ولا شك أن مضمون الخطاب ونبرته “الغاضبة” يثيران العديد من التساؤلات والاشكالات، من قبيل: من المسؤول عن تأزم الأوضاع السياسية والتنموية بالمغرب؟ وكيف يمكن قراءة هذا الوضع الذي تختلط فيه المسؤوليات بحيث لا تدري من هي الجهة التي يمكن مساءلتها: هل هي الحكومة؟ أم الجماعات الترابية المنتخبة؟ أم السلطات المحلية والإقليمية؟

بيد أن هناك أسئلة أخرى مسكوت عنها، وهي المتعلقة بعلاقة التنمية بالسياسية، ومدى التداخل بين المستويين، وهل المسألة تتعلق بملف تقني يرتبط بالمسألة التدبيرية، أم إن الأمر أعمق من ذلك، ويتعلق بمساءلة التدبير السياسي والمشروع التنموي بالمنطقة وببقية المناطق الهشة بالمغرب؟

إن هذه الأسئلة وغيرها تفتحنا على مقاربتين في التعاطي مع هذا الموضوع؛ الأولى تمثلها الدولة/ المخزن، وتقول بأن مسألة تعثر المشاريع التنموية تتعلق فقط بسوء التدبير، وأن الملف لا يعدو أن يكون تقنيا. والثانية يمثلها جزء من المجتمع، ممثلة في الحركة الاحتجاجية، سواء في الريف أو غيره من المناطق، وعدد كبير من النخب والمثقفين والاعلاميين وصناع الرأي الذين يعتبرون أن الأزمة الاخيرة مؤشر على فشل المشروع التنموي الذي تديره الدولة بمنطق الاحتكار والتحكم في تدبير الشأن السياسي، ومن ثم المسألة التنموية في أبعادها وتجلياتها ونتائجها. فكيف يمكن تفسير كلا المقاربتين؟

أولا: التنمية من منظور الدولة/ المخزن والمقاربة الأحادية في التدبير

رغم أن المغرب أنتج وثيقة دستورية تعد حسب العديد من المراقبين والمتتبعين من أجود الوثائق الدستورية التي بلورها الذكاء المغربي الجماعي في مرحلة الحراك المغربي، وكما بيّن بعض السياسيين المغاربة أن “هذه الوثيقة متقدمة على الوثيقة الدستورية لدولة مثل الدنمارك، والتي نجد فيها دستورا يمنح لرئيس الدولة (الملك أو ملكة الدانمارك) سلطة مطلقة في الميدان التنفيذي، وتمنح لرئيس الدولة حق مشاركة مجلس الشعب في وضع القوانين والتشريعات، وينفرد بشكل مطلق بالسلطة التنفيذية” (إسماعيل العلوي، “الحوار الوطني: صعوبات وآفاق محتملة” مجلة، رهانات، العدد،28 سنة، 2014)، فإن واقع التجربة والممارسة الفعلية التي أفرزتها السنوات الأخيرة بيّنت إلى أي حد هناك هوة عميقة بين الخطاب والممارسة، وبين الدستور المكتوب، “والهابيتوس” السلطوي المتحكم في أجهزة الدولة العميقة الذي لم تستطع التخلص منه.

ولعل في التأمل في مختلف المشاريع التنموية التي ترصد للعديد من المناطق المغربية ما يبين ذلك بجلاء؛ حيث نجد، مثلا، أن مشروع “طنجة الكبرى” يديره ويشرف عليه الوالي وليس رئيس مجلس مدينة طنجة المنتخب شعبيا. أو حتى مشروع بناء مدينة الألعاب في أكادير التي لم يتم تنفيذها بسبب تدخل الأجهزة السلطوية بالمدينة لاعتبارات ايديولوجية ضد الحزب المسير في المدينة، أو مشروع مدينة الأنوار بالعاصمة الرباط الذي لم تتم استشارة المنتخبين حوله إلا حين تم إنجازه وتقديمه للتوقيع أمام الفاعل الملكي. وقبله مشروع “أبي رقراق” الذي غيّر معالم المنطقة ومورفولوجيتها، لكن في غيبة عن المستهدف بالتنمية وهو الشعب. وفي السنة الماضية، تم توقيع اتفاقية تأهيل مدينة القنيطرة وبناء الميناء الجديد، ومشاريع أخرى تنموية عملاقة (شركة سيتروين).

وهناك العديد من الأمثلة التي لا يمكن التوقف عندها في هذا المقال. لكن المؤكد أن جل هذه المشاريع لا يتم تجسيد المقاربة التشاركية التي نص عليها دستور 2011، وعندما يتم ذلك يكون فقط من أجل الإخبار لا أقل ولا أكثر؛ وذلك في شبه تواطئ موضوعي بين المنتخبين وبين السلطة، أو في أحسن الحالات بنهج سياسة الأمر الواقع، بمعنى أن الدولة/ المخزن له مشروع ويجب أن يتم تنزيله بدون نقاش أو معارضة.

ولعلنا لا نعدم الأمثلة على ذلك، في مرحلة ما قبل دستور 2011، في المخطط الأخضر أو في بناء الخط فائق السرعة بين الدار البيضاء وطنجة. ورغم أن هذه المشاريع قد تكون لها تأثيرات ايجابية على المجتمع وعلى الساكنة تحديدا، فإن ذلك لا يعني أنها ديمقراطية.

وهنا أستحضر مقولة رائعة للمهاتما غاندي يقول فيها: “أي قرار تتخذه في صالحي، ولكنه في غيابي، فهو في غير مصلحتي”، هذه المقولة تبيّن أن التنزيل الأمثل للمشاريع التنموية يقتضي انخراط الجميع فيه، وهذا ما يضفي على الدولة صفة الدولة الفاعلة كما تحدث عنها أحد تقارير التنمية البشرية التي يلتحم فيها المجتمع والدولة لكي يصبحا جزء واحدا وصنوانا لعملة واحدة.

وعليه، فما يمكن استخلاصه من هذا التحليل –المتواضع-هو أن أزمة الريف لم تكن بسبب أن مشروع “منارة المتوسط” قد تعثر بسبب التأخر في إنجازه، أو في أن الانجاز ليس في مستوى تطلعات الساكنة، بل إن ذلك مرده إلى عدم إشراك الساكنة في ذلك، وهو ما نعتبره نموا وليس تنمية، والفرق شاسع بين المفهومين.

ولهذا فتشكيل لجنة لاستقصاء الحقائق حول الموضوع لن يكون في نظرنا سوى تحريف للنقاش عن أهدافه ومحاولة ايجاد “كبش فداء” لتحمليه المسؤولية، قد يكون وزيرا أو مسؤولا إداريا أو حتى حكومة بعينها، وهو ما يذكرنا بواقعة “العفو عن البيدوفيلي “كالفن”. إننا نعتبر ذلك جزء من تزييف الوعي، أو هو إنتاج لوعي شقي.

ومن خلال هذا الاستنتاج الأولي، ننتقل لنشرح وجهة نظر المقاربة الثانية التي يدافع عنها العديد من النخب والحساسيات. فماهي أهم الدفوعات التي يطرحها هذا الاتجاه؟

ثانيا: المقاربة الشمولية وجدلية السياسي والتنموي (التنمية السياسية)

استحضارا للنقاش العام والمفتوح حول الأسباب العميقة التي فجرت “حراك الريف” وما تناسل عنه من مرافعات وقضايا، يمكن القول إن العديد ممن شاركوا في هذا النقاش توصلوا، سواء عبر قراءاتهم الخاصة أو من خلال الاستناد إلى مجموعة من المعطيات والمؤشرات الرقيمة والاحصائية، إلى كون المغرب بدأ مشواره التنموي وبناء مؤسساته الدستورية وتشكيل مشروعه المجتمعي والسياسي، لكنه لا يزال يراوح مكانه، وما يتحقق من نتائج- على جميع المستويات- لا تعدو أن تكون نموا وليس تنمية، بدليل أن المغرب لا زال يتذيل مؤشرات التنمية البشرية ما بين الرتب ما بعد المائة (122، انظر تقرير التنمية البشرية، 2016).

وفي قراءة سريعة لهذا التقرير، يتبين أن المجالات الرئيسية للاهتمامات التنموية، بما فيها النمو، والتوزيع، والفقر، والتعليم، والصحة، والسكان، ووفيات الأطفال، جنبا إلى جنب مع الفروق النوعية، والمعرفة، والحكامة، والثقافة، والسياسة، كلها تؤشر على وجود بطء تنموي حقيقي، بل إنه يؤشر على تنمية معطوبة.

ورغم التحسن الطفيف الذي سجل مقارنة بالسنوات الماضية (حيث كان يحتل الرتبة 129)، فإن ذلك لا يعني أن المغرب في المسار الصحيح، وأنه لا زال مفتقرا إلى دينامية تنموية حقيقية وشاملة.

وإذا كان الكل يقر بهذا التشخيص، وعلى رأسهم الفاعل الرسمي من خلال خطابه الأخير؛ إذ إنه بدوره توقف عند هذا المستوى، فإن طبيعة الأجوبة التي يطرحها البعض تزيحنا عن عمق النقاش، بدعوى أن أسباب الأزمة هي الأحزاب السياسية أو الإدارة أو العقليات، أو أو… وهنا يحق لنا التساؤل: من المسؤول عن هذا الوضع؟ ومن الذي أوصل هذه الأحزاب إلى ما وصلت إليه؟ ولم تتخلف الإدارة عن أداء مهماتها وتملك قيم الحكامة الجيدة؟ ولماذا لم نستطع تغيير العقليات؟

إنني أعتقد أن المسألة سياسية بامتياز، وليست مسألة تقنية محضة؛ إذ إن جل الاصلاحات التي تمت ماشرتها في 18 سنة الأخيرة، اتخذت منحى زائفا في مباشرة الاصلاح الحقيقي، والمتمثل أساسا في الاصلاح السياسي وإصلاح نظام الحكم. ولعل استمرار وتجديد وإعادة إنتاج “النزعة التسلطية المخزنية، تصبح ببساطة مسألة باثولوجية؛ حيث ينظر للدولة على أنها دولة فاضلة ولكنها غير عاقلة، أو إنها دولة عاقلة ولكنها جاهلة، وهي في الحالتين يمكن أن توضع على الطريق الصحيح من خلال تقديم المشورة الصحيحة، والتشريع الناجز أو الضغط من الخارج”. (بيات، 2014).

قد يقول البعض إن هذا تحليل متشائم، أو غير موضوعي، لكنني أعتقد أننا بحاجة اليوم إلى جواب سياسي عن الأزمة وليس جواب تقني، وعلينا أن نواجه المشكل بكل جرأة وبكل تجرد، وبما تقتضيه طبيعة المرحلة.

ولعل من بين الأمور التي وجب التفكير فيها هو كيفية إعادة استئناف ورش التأويل الديمقراطي للدستور، في اتجاه يعكس إرادة المجتمع. وإلا فإننا سنبقى في الدائرة المغلقة (Cercle vicieux). ويأتي هذا الكلام من خلال ما لاحظناه من تغول السلطة في تدبير الشأن العام بغير وجه حق، والانحياز لهذا الحزب على ذاك.

فلا معنى لدولة تحترم نفسها وتعلن أنها نموذج في المنطقة، ولا زال العمال والولاة هم من يملك سلطة القرار، رغم أنهم غير معنيين بالمراقبة الشعبية؟ لا معنى لدولة ينص دستورها على الفصل بين السلطات، لكننا نلاحظ أن ذلك ليس سوى حبر على ورق؟ أين هي القوانين والمساطر والأعراف الديمقراطية؟ أين هو القانون فوق الجميع؟ لماذا نصوت؟ ولماذا الانتخابات؟ ولماذا الحكومة؟ ولماذا هذا المسلسل البئيس الذي لا يتوقف؟ وجب وقف الضحك على الذقون؟ كفى من الاستهزاء بإرادة المواطنين والمواطنات؟ فإما أن نكون ديمقراطيين أو لا نكون؟ ليس هناك منزلة بين المنزلتين؟

لكل ذلك وغيره، وجب على الصف الديمقراطي أن يعيد النظر في الصلاحيات الممنوحة لبعض ممثلي السلطة، الذين لا زالوا يشتغلون بمنطق التعليميات اللامرئية وغير المعلنة وكأنها تشكل روح القانون. أما ثاني أمر وجب الالتفات إليه، هو “تنشئة الدولة” (Socialisation of the State)، وهي، كما قال بذلك أصف بيات، “نوع من الحوكمة المعكوسة”. فعوض التوجه إلى الأسفل، وجب الآن التوجه إلى الأعلى.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • Lamya
    الجمعة 4 غشت 2017 - 09:07

    "لكن المؤكد أن جل هذه المشاريع لا يتم تجسيد المقاربة التشاركية التي نص عليها دستور 2011 "

    انا مع المقاربة التشاركية, لكن لا يجب المبالغة في هذا الشان, لان الدولة حتى في الديموقراطيات العريقة, تكون لديها مشاريع كبرئ, يعتبرها السكان انها لا تغني و لا تسمن من جوع, ورغم ذلك تفرضها الدولة عليهم, لان وجهة نظر مختلفة, لاسباب متعددة من وجهة نظر اقتصادية, لا يسعي ذكرها بالتفصيل, غائبة عن المواطن العادي.

    مثلا في المانيا و بالضبط في مدينة شتوتكارت تم الاعلان عن مشروع ضخم اسمه Stuttgart 21لتغيير تصميم محطة القطار التي تبلغ ميزانيته, التي تم الاعلان عنها مؤخرا, 10 ملايير اورو, فخرج الاف المتظاهرين المعارضين لهذا المشروع لعدة شهور و نصبوا خياما داخل الورشات و نتج عن ذلك تجارة خاصة بالمعارضين من لافتات و ملصقات… ولكن بعد نقاشات و جدل و ضجة اعلامية كبيرة, تم فض الاحتجاجات بالقوة من طرف رجال الامن و بدا انجاز المشروع بعد عرقلة دامت عقود.

  • نوال من صفرو
    الجمعة 4 غشت 2017 - 11:13

    ارفع القبعة هنا لكاتب المقال السيد جرموني عن مقاله الجريئ, القوي والذي يسمي الاسماء باسمائها بدل الاصطفاف في طابور حملة المباخر. بيت القصيد سياسي 100% حيث اللامنتخب هو سيد القرار و البقية لاتعدو كومبارس. اننا احوج ما نكون الى مسح المائدة table rase و الانطلاق و العودة الى سيادة الشعب و القطع مع الاسطوانة البائدة: سوء البطانة.

  • إكرام
    الجمعة 4 غشت 2017 - 17:58

    الخطاب يصور الملكية كفاعل حر طليق يقود قاطرة المجتمع نحو التقدم والديموقراطية والتنمية،ومن هذا المنظور،فكل تأخير تقع مسؤوليته على الفاعلين الآخرين كالاحزاب، لكن حراك الريف سهام في كشف حقيقة هذه الاخيرة ومدى خضوعها للسلطة،ودفع بالمؤسسة الملكية إلى الخطوط الأمامية،مما وجدت نفسها وجها لوجه مع الاحتجاج الشعبي.

  • عبد الجليل بوشطرت
    الجمعة 4 غشت 2017 - 23:18

    تحية امتنان وتقدير للاستاذ الجرموني. تحليل رصين يحمل فى جعبته مقاربة سوسيولوجية للخطاب الملكي ممزوجة بتحليل سياسي تنموي .

  • Safae jamal
    الأحد 17 شتنبر 2017 - 17:47

    أشكركم جزيل الشكر أستاذنا المحترم، على كل المجهودات التي تبذلونها في نشر المقالات التي نستفيد منها بشكل يومي.
    أنا أوافقكم الرأي أستاذ. كلامكم في الصميم، من أروع المقالات السوسيولوجية التي قرأتها، إنه في الحقيقة موضوع سوسيولوجي بامتياز. و فقكم الله في مشواركم العلمي، و أتمنى لكم مسيرة موفقة بالمزيد من التألق و العطاء.

صوت وصورة
خصاص الكتب يرهق الأسر
الخميس 24 شتنبر 2026 - 23:48

خصاص الكتب يرهق الأسر

صوت وصورة
احتفالية في بيت المنصوري
الخميس 24 شتنبر 2026 - 23:42 6

احتفالية في بيت المنصوري

صوت وصورة
شوكي: تراجع النتائج رسالة للتصحيح
الخميس 24 شتنبر 2026 - 18:46 7

شوكي: تراجع النتائج رسالة للتصحيح

صوت وصورة
المنصوري: العلاقة مع إسبانيا ضرورية
الخميس 24 شتنبر 2026 - 15:48 11

المنصوري: العلاقة مع إسبانيا ضرورية

صوت وصورة
بوعياش: ضعف المشاركة إنذار
الخميس 24 شتنبر 2026 - 14:37 8

بوعياش: ضعف المشاركة إنذار

صوت وصورة
ندوة حزب الأصالة والمعاصرة
الخميس 24 شتنبر 2026 - 14:33 11

ندوة حزب الأصالة والمعاصرة