في كل عام، حين تُعلن نتائج البكالوريا، يتكرر المشهد ذاته بحذافيره، كأننا نُعيد تشغيل شريط مسجّل لم يتبدّل فيه شيء سوى الأرقام. تمتلئ الشاشات وتضجّ مواقع التواصل بصور التلاميذ وهم يرفعون أوراق النتائج فرحًا، تتساقط التهاني كالمطر، وتتسابق المؤسسات التعليمية على نشر نسبها كما يتسابق التجار على عرض بضاعتهم في سوق موسمية. ثم تنتهي الضجة، وتعود الحياة إلى مجراها، ولا يبقى في الفضاء العام من أثر لكل هذا الصخب سوى رقم واحد يُحفظ في ذاكرة إدارية ثم يُنسى.
ما الذي يحدث فعلًا في هذه اللحظة؟ وما الذي لا يحدث ولو أنه كان ينبغي أن يحدث؟
لنكن صرحاء مع أنفسنا قبل أن نكون صرحاء مع بعضنا: نحن لا نحتفل بالتعلم، نحن نحتفل بالاجتياز. والفرق بين الكلمتين ليس لغويًا فحسب، بل هو فرق يصنع حضارات أو يهدم مشاريع أمم بأسرها.
كان الامتحان في أصل تصميمه أداةً للكشف لا للحكم. كان المفترض أن يقول للأستاذ: هذا ما وصل إليه تلميذك. وأن يقول للتلميذ: هذا ما يعرفه وما يجهله. غير أن ما حدث في منظومات تعليمية كثيرة، ومنها منظومتنا المغربية، أن الوسيلة ابتلعت الغاية، فأصبح الامتحان هو الهدف الأسمى، والنقطة هي المعيار الأوحد، والنجاح بأي ثمن هو الشعار غير المُعلن الذي يسري في عروق المنظومة من القاعدة إلى القمة. لن يُصرّح أحد بهذا بوضوح، طبعًا. لكن انظر إلى الواقع المُعاش: الأستاذ الذي يُضيّق دروس المراجعة إلى ما يُرجَّح أن يكون في الامتحان فقط، والتلميذ الذي يسأل بعد الشرح “هل هذا سيخرج؟” قبل أن يسأل “هل فهمت؟”، والأسرة التي تقيس نجاح أبنائها بمعدل الباكالوريا لا بقيم اكتسبوها ولا بمهارات تسلّحوا بها. كل هذه المشاهد تقول شيئًا واحدًا: لقد أصبحنا نُعلّم للامتحان، لا للحياة.
والخطير في هذا التحوّل أنه لا يؤثّر فقط في قدر ما يتعلّمه التلميذ، بل يؤثر في طبيعة علاقته بالمعرفة ذاتها. فحين يتعوّد الإنسان أن يتلقّى المعلومة لأجل تفريغها في ورقة الامتحان ثم نسيانها، يكون قد تعوّد على نمط من الاستهلاك المعرفي لا يُنتج شيئًا. وتكوين أجيال على هذا النمط يعني ببساطة إنتاج مجتمع يحفظ ولا يفكّر، ويردّد ولا يُبدع، ويُتقن الإجابة عن الأسئلة المتوقّعة لكنه يتحيّر أمام أي سؤال خرج عن السكة المألوفة.
حين نقول إن نسبة النجاح في البكالوريا بلغت كذا بالمئة، ماذا نقول فعلًا؟ نقول إن عددًا معيّنًا من التلاميذ أجابوا بطريقة كافية عن أسئلة محدودة في يوم معيّن وأمام مصحّحين بشر يتفاوتون في معاييرهم وظروفهم. لا أكثر. لكن الأرقام في ثقافتنا لها سطوة غريبة، إذ ما إن يُعلَن الرقم حتى يتحوّل إلى حقيقة قاطعة، ويصبح الحكم نهائيًا والملف مغلقًا. أما ما لا يقوله الرقم فكثير. لا يقول لك شيئًا عن تلميذ نجح بمعدل جيّد لكنه لا يستطيع قراءة نصّ بتأمّل وفهم. لا يخبرك بشيء عن خرّيج علوم غير قادر على ربط ما تعلّمه بمشكلة من مشاكل حياته اليومية. لا يُشير إلى طالب اجتاز الباكالوريا بامتياز ثم وجد نفسه أمام الجامعة وكأنه يدخل عالمًا لم يُعدَّ له أبدًا. هذه الفجوة بين النجاح في الامتحان والكفاءة الحقيقية في الحياة ليست ظاهرة فردية نادرة، بل باتت نمطًا مُقلقًا يشكو منه أساتذة الجامعات في المغرب وفي غيره ممن اعتمدوا نفس النماذج التعليمية.
ثم هناك وجه آخر للمعادلة يُسكَت عنه دائمًا: من يُعدّ ذلك الرقم؟ وبأي معيار؟ وهل المعايير موحّدة أصلًا بين المدن والأرياف، بين المؤسسات العمومية والخاصة، بين جهة وأخرى؟ حين تُقارن نسبة نجاح ثانوية في قلب الرباط بأخرى في منطقة نائية تعاني من نقص مزمن في الأساتذة والتجهيزات، أيّ شيء تُقارن حقًا؟ ومع ذلك يُجمع الكل في رقم واحد وتُعلن نتيجة وطنية واحدة، كأننا نسكب ماءً وزيتًا في كأس واحدة ثم نزعم أننا نعرف ما في تلك الكأس.
أحد أكثر الأشياء إيلامًا في هذا المشهد السنوي هو النظرة القاطعة التي تُلقيها المجتمعات على التلميذ الراسب. في لحظة واحدة، وبموجب ورقة نقط، ينتقل الإنسان من خانة إلى أخرى. الناجح يصبح تلقائيًا مشروع مستقبل مُنجز، والراسب يجد في عيون بعض من حوله نظرة تقول، حتى حين لا تُقال: لقد فاتك القطار. هذه المأساة الصغيرة المتكرّرة لا تقتصر على إيذاء المشاعر، بل تُشكّل أثرًا نفسيًا عميقًا على نظرة الشباب لأنفسهم وقدراتهم. يكبر جيل مُعتقِد أن قيمته تُحسب بمعدّله، وأن خسارة امتحان تعني خسارة المستقبل. وحين تتجذّر هذه القناعة في وعي الجماعة فإنها تصنع نوعًا من الرهبة المُقيِّدة أمام الفشل، تلك الرهبة التي تمنع الإنسان من المجازفة والتجريب والابتكار، وهي بالضبط المهارات التي يحتاجها أي مجتمع يريد أن يخطو إلى الأمام.
قراءة متأنّية لسير أناس صنعوا الفارق في تاريخ أممهم تُؤكّد ما يُثبته العلم: إن العلاقة بين التفوق الأكاديمي والإنجاز الحياتي أقل اطرادًا مما نفترض. كم من متفوق في الباكالوريا دخل الجامعة ثم تعثّر لأنه لم يمتلك سوى مهارة واحدة هي الحفظ والتلقين. وكم من “فاشل في الامتحانات” كان في داخله ذلك الشرر الذي لا تقيسه أي ورقة نقط، فانطلق لاحقًا في مسار لم يكن أحد ليتوقعه. الحياة أكثر رحابةً مما تتسع له شبكة التصنيف المدرسية، وهذه الحقيقة يُدركها كل من اتسعت تجربته بما يكفي ليرى الصورة الكاملة.
الأمر الذي يستوقفني دومًا في هذا النقاش هو غياب مهارات بعينها عن المنظومة التعليمية، لا لأنها ثانوية، بل لأن طريقة تقييمنا لا تُحسن قياسها فأصبحنا نتعامل مع ما لا نقيسه كأنه لا يهمّ. كيف يُعالج الشاب أزمة نفسية؟ كيف يُدير خلافًا؟ كيف يقرأ قرارًا ويوازن بين خيارات؟ كيف يُعبّر عن رأيه تحت ضغط المجموعة؟ كيف يتعامل مع الإخفاق؟ كيف يتعلّم من تلقاء نفسه حين لا يكون أمامه أستاذ يُملي ويُملي؟ هذه ليست مهارات ثانوية أو كماليات تربوية، هذه هي عدّة الإنسان الكاملة التي يواجه بها الحياة. والمدرسة التي لا تُنمّيها ليست مدرسة ناقصة فقط، بل هي مدرسة تُسلّم خرّيجيها للحياة وهم أقل استعدادًا مما يبدو على ورق نتائجهم.
المفارقة المؤلمة أن دولًا باتت اليوم تتصدر مؤشرات التعليم الدولية لم تُحقق ذلك بزيادة ساعات الحفظ والتلقين، بل بإعادة تعريف ما يعنيه التعليم أصلًا. فنلندا لا تُفاخر بعدد حاملي الشهادات، بل بمواطنين يُحسنون قراءة المشكلات ويُقبلون على التعلّم بشغف ذاتي يمتد ما بعد المدرسة. سنغافورة بنت نموذجها على تنمية التفكير النقدي لا على إنتاج أعلى المعدلات. واليابان تُصرّح صراحة بأن هدفها تعليمي أخلاقي اجتماعي قبل أن يكون معرفيًا أكاديميًا. هذه ليست نماذج نستوردها بالنسخ واللصق، لكنها دليل على أن ثمة طريقًا آخر ممكنًا لمن يملك الإرادة على سلوكه.
أقول هذا كله للأسرة أولًا: إن ابنك الراسب ليس مشروعًا فاشلًا، وابنك الناجح ليس مضمونًا في مستقبله. كلاهما في بداية الطريق، وأشد ما يحتاجه في هذه اللحظة هو نظرتك إليه، لا كرقم يعكس قيمته، بل كإنسان يسير في رحلة لا تُحدد نهايتها ورقة واحدة في يوم واحد. وأقوله للتلاميذ: المعرفة الحقيقية لا تعيش في ورقة الإجابات، بل في الأسئلة التي تبقى معك بعد انتهاء الامتحان. التعلم الذي يهمّ هو الذي يُغيّر طريقة رؤيتك للأشياء، لا الذي تُفرّغه ثم تنساه. وأقوله للنقاش العام: يكفينا ركضًا وراء الأرقام في كل موسم. التعليم قضية أكبر من إحصاء وأعمق من نسب، والسؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس “كم نجح؟” بل “ماذا تعلّم؟ وإلى أين يمضي بما تعلّم؟”
الفرق بين السؤالين لا يبدو كبيرًا حين تقرأه في سطر، لكنه يصنع في الواقع الفرق بين أمة تتقدّم وأخرى تدور في مكانها. والأمم لا تعظم بعدد الشهادات التي تُوزّعها، بل بما تصنعه العقول التي تحمل تلك الشهادات حين تُغلق ملفات الامتحانات وتُفتح أبواب الحياة على مصراعيها.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.