"دع ما كان منهارا ينهار"

"دع ما كان منهارا ينهار"
الثلاثاء 6 دجنبر 2016 - 20:22

منذ 2011 تغير وجه المغرب كثيرا وتغيرت مع البنية الذهنية للمغاربة وحدث تحول يكاد يكون جذريا في أنماط تفكيرهم ورؤيتهم للمشاركة السياسية وللقضايا المصيرية للبلاد وأمام تطور غير قابل للضبط لوسائل التواصل الاجتماعي أصبح الجميع يشارك في صناعة الرأي العام وينخرط فيما أسماه الراحل ألبرتو مورافيا ب”السعار الجماعي” سواء سلبا أو إيجابا.

هذا الانخراط في النقاش حول قضايا كانت حكرا في الماضي على نخبة محدودة، خلق نوع من الارتجاج حتى داخل بنية الدولة التي أبانت في ديناميات كثيرة أنها تصيغ السمع لهذا الصوت الجديد والمتمرد والخارج من سلطة الرقابة، بل إنها أصبحت محددا يتحكم في الكثير من القرارات.

بالمقابل تراجعت النخب السياسية والثقافية عن التأثير في الرأي العام كما كانت في السابق. في الحالة المغربية كان اتحاد كتاب المغرب في الأزمنة الغابرة كيانا مستقلا يخيف الدولة ليس بالصراخ والبيانات، إنما بتقديم بديل ثقافي واجتماعي ينافس مشروعيات الدولة، والدولة في الأخير لا تخشى الصراخ والفوضى ولا تحترم من يتقرب أو يتزلف إليها بل تخشى الفكر الحر والمستقل، وفي الأزمنة الغابرة كان اتحاد كتاب المغرب مشتلا للمثقف العضوي ليس بمفهومه الميكانيكي البسيط كما يفهم البعض، إنما مثقفا قادرا على إزعاج السلطة وعلى تفتيت أطروحاتها وإبراز مكامن الفساد فيها، ولم تكن الجماهير لحظتئذ، باعتراف المثقفين أنفسهم قادرة على استيعاب وعي النخبة المثقفة التي كانت في الصف الأول لمواجهة سياسات الدولة والحاصل أن المعادلة مالت قليلا، على حد تعبير وزير أردني سابق”في الماضي كانت النخبة فاعلة بدون جماهير أما الآن فصارت الجماهير فاعلة بدون نخب”.

اتحاد كتاب المغرب، تحول منذ أكثر من عقدين أي منذ أن بدأ يطغى الحساب الإيديولوجي على دور الكاتب أو المثقف بشكل عام واستمر هذا الانهيار بدخول الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إلى الحكومة. لا يمكن أن يفسر هذا الانهيار إلا بأن اتحاد كتاب المغرب كانت على الدوام سلطة مضادة للدولة ولمؤسساتها، وهؤلاء الذين كانوا يناهضون أو يرون فيها عدوا للطبقات الفقيرة ومكرسا للتمييز الطبقي احتموا بما كان يسمى في قاموس اليسار ب”قلاع الصمود” أما وأن الاتحاد الذي كان يأوي جزء كبيرا من أعضاء الاتحاد قبل أن يلعب مع الدولة وأن يقبل بقواعد اللعبة ذات تناوب ولى، فقد بدأن يتفكك شيئا فشيئا حتى صار “زاوية” لا تغري أحدا.

أما الآن، فرغم التغيرات العميقة التي طرأت في المجتمع المغربي، والتي مست جميع مناحي الحياة لم تستفز ولا مرة اتحاد كتابنا ولم تحرض إلا من لا يزال يحن إلى الماضي الآسر للاتحاديين على الكتابة أو التحليل أو المشاركة في دينامية الجماهير التي أصبح يؤطرها الفايسبوكوتويتر أكثر مما يؤطرها الأحزاب السياسية والنخب الثقافية وعلى العكس من ذلك، ظهر “الاتحاد” وكأنه يعيش في جزيرة معزولة هادئة مكتفيا ببعض الزيارات إلى الدول الشقيقة وإصدار مجلات بشكل غير منتظم بمضمون يعطي الانطباع أنه

هل نشيع اتحاد كتاب المغرب ونعلن وفاته ونسير في جنازته ونحن نتجرع المرارةونأسف لتراكم معرفي متين ولتاريخ نضالي كبير؟ لا نبغي ذلك على الإطلاق لكن واقع الحال يؤكد أن مسلسل الانهيار وصل إلى حالته القصوى ولم يعد، والحالة هاته، أن تبعث الحياة في كيان ميت ومتلاش غارق في الصراعات الشخصية، وليت هاته الصراعات تجسد صراع أفكار واختلاف مشاريع ثقافية ولذلك علينا أن نكون أوفياء لرسالة الشاعر الفلسطيني محمود درويش..دع ما كان منهارا ينهار.

*صحافي في يومية المساء

[email protected]

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • المهدي
    الثلاثاء 6 دجنبر 2016 - 22:57

    فعلا كان التنوير حكرا على نخب مثقفة لم يلوثها اللهاث وراء المنافع والمناصب وكانت العامة ترى في هذه النخبة صوتها الهادر الذي يوصل ما تعجز عن بلورته ، وبالقدر نفسه كانت قنوات التواصل والتنزيل الميداني للفكر الحر محدودة لا تتعدى مجالي الصحافة الورقية والكتب وفي افضل الأحوال كاسيطات تصدح بأشعار احمد فؤاد نجم وأغاني الشيخ إمام ، وكانت اجهزة الدولة ايضا قادرة على غلق منابع تصريف الفكر الحر بالحجز على الصحف التي تخترق جدار الصوت كما حدد سقفه المخزن العتيد ، اليوم انتهى كل هذا فأصبح التقدمي صاحب " كان واخواتها " سفيرا في بلد ناء ورئيس اتحاد كتاب المغرب السابق وزيرا أفسدته السلطة فغادرها دون ان يتمكن من استرجاع هيبته واحترامه السابقين ، وعج الفضاء السمعي البصري بالجرائد الالكترونية واصبحت قنوات اليوتوب بعدد النجوم وتهافت الجهلة والفضوليون فبتنا نسمع عن قناة الشيخ سار ومرات العطسة ومول الدلاحة وهلم جرا فانكمش الفكر الحر ليفسح المجال للميوعة والرداءة وتراجع الانتاج الأدبي والمعرفي امام زحف الضحالة والثرثرة ولم يعد هناك من ينبه للاخطار والمزالق ويزعج السلطة خوفا على البلد ومستقبله ليضيع صوت الحق

  • محمد أيوب
    الثلاثاء 6 دجنبر 2016 - 23:53

    صدقت…لكن:
    "…والدولة في الأخير لا تخشى الصراخ والفوضى ولا تحترم من يتقرب أو يتزلف إليها،بل تخشى الفكر الحر والمستقل…"…صدقت في هذه الكلمات من مقالك أيها الأخ الكريم..لكنني أضيف اليها كون الدولة التي تخشى الفكر الحر والمستقل هي الدولة التي تخشى الديموقراطية الحقيقية القائمة على الحرية في التعبير والاختلاف وليس الدولة"البوليسية"التي وان كانت لا تواجه مخالفيها بصفة مباشرة الا أنها تعرقل الفكر الحر والمستقل عبر تجييش "الهوام"وشراء الذمم بواسطة الريع والامتيازات المتنوعة،وهذا بالضبط ما هو حاصل عندنا،لذلك لا تجد فردا واعيا بواقع الحال يثق في نخبتنا التي باعت نفسها للدرهو والدينار:فرنين هذين المعدنين له جاذبية خاصة لا يستطيع مقاومتها الا من له مبادئ وأخلاق عالية جدا جدا..فنخبتنا أبانت عن انتهازيتها وانبطاحيتها وهرولتها بسرعة نحو الريع السياسي والاقتصادي، وأما من نأى بنفسه عن الانجذاب نحو"المخزن"فله التهميش والاقصاء والتشويه والتشهير عبر أذرع هذا المخزن المتعفن والمتواجدة في مختلف وسائل الاعلام والتواصل.."دع ما كان منهارا ينهار"تبقى عبارة سليمة بخصوص واقعنا المضحك المبكي في آن واحد..

صوت وصورة
وزير الداخلية يعلن نتائج الانتخابات
الخميس 24 شتنبر 2026 - 03:31

وزير الداخلية يعلن نتائج الانتخابات

صوت وصورة
النتائج  في دائرتي فاس
الخميس 24 شتنبر 2026 - 03:25

النتائج في دائرتي فاس

صوت وصورة
الفرز الانتخابي في الجديدة
الخميس 24 شتنبر 2026 - 02:27

الفرز الانتخابي في الجديدة

صوت وصورة
شوكي: النتائج تخلف الارتياح
الخميس 24 شتنبر 2026 - 00:24 2

شوكي: النتائج تخلف الارتياح

صوت وصورة
النتائج المؤقتة في بني ملال
الخميس 24 شتنبر 2026 - 00:02

النتائج المؤقتة في بني ملال

صوت وصورة
مباشر | نتائج انتخابات المغرب
الأربعاء 23 شتنبر 2026 - 23:41 4

مباشر | نتائج انتخابات المغرب