دموع ملك إسبانيا فوق قبور المهاجرين.. وأسئلة التاريخ الكولونيالي المؤجلة

دموع ملك إسبانيا فوق قبور المهاجرين.. وأسئلة التاريخ الكولونيالي المؤجلة
صورة: مواقع التواصل الاجتماعي
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 06:00

إن أكثر ما يدعو إلى السخرية المريرة أن يتقن ورثة التاريخ الكولونيالي آداب السير في جنازة الضحية، قبل أن يتعلموا شجاعة مساءلة النظام الذي جعل موتها ممكناً؛ فليس المطلوب من أوروبا أن تحسن البكاء على موتى الجنوب، بل أن تسهم في بناء عالم لا يضطر فيه أبناء الجنوب إلى الموت على أبوابها. وليست العدالة أن تضع السلطة باقة ورد على قبر مهاجر مجهول، وإنما أن تجعل إنقاذ الإنسان الحي أسمى من حماية صورة الدولة. عندها فقط يمكن أن تتحول زيارة المقبرة من مشهد بروتوكولي بالغ التناقض إلى بداية مراجعة تاريخية حقيقية.

ثمة مشاهد في التاريخ تبلغ من المفارقة حداً يجعل السخرية أكثر بلاغة من التحليل، وتجعل الصورة الواحدة قادرة على فضح ما تعجز عنه آلاف الخطب السياسية. من هذه المشاهد وقوف الملك الإسباني فيليبي السادس، رفقة الملكة ليتيثيا، أمام قبور المهاجرين الذين ابتلعهم البحر وهم يحاولون العبور إلى الضفة الأوروبية عبر سبتة. ملك يقف خاشعاً أمام موتى، فيما تقف خلفه قرون من التوسع الاستعماري، وعقود من سياسات الحدود المغلقة، ومنظومة أوروبية جعلت من حرية التنقل امتيازاً جغرافياً، ومن حق الإنسان في البحث عن حياة كريمة مغامرة قد تنتهي في قاع البحر.

يا لها من مفارقة قاسية! يأتي ممثل مؤسسة ملكية أوروبية عريقة ليؤدي واجب العزاء في ضحايا نظام حدودي تُعدّ دولته أحد حراسه، في مشهد يذكّرنا بأولئك الذين يتعلمون السير بخشوع في جنازة إنسان ساهموا، بدرجات متفاوتة، في صناعة الظروف التي أفضت إلى موته. لا يتعلق الأمر هنا باتهام الملك الإسباني شخصياً بقتل هؤلاء المهاجرين، ولا بادعاء أن الاستعمار وحده مسؤول عن كل مأساة معاصرة، بل بمساءلة البنية التاريخية والسياسية التي تجعل الموت على الحدود نتيجة متكررة، ثم تتعامل معه المؤسسات باعتباره حادثاً طارئاً يستدعي دقيقة صمت، لا مراجعة عميقة للأسباب.

لقد وقف الملك الإسباني أمام قبور لا تحمل أسماء كثير من أصحابها، وإنما أرقاماً باردة تختزل حيوات كاملة. وراء كل رقم إنسان كان يحمل اسماً ووجهاً وأماً تنتظره، وربما طفلاً كان يحلم بالعودة إليه محملاً بهدية صغيرة من أوروبا. لكن الطريق إلى الفردوس الأوروبي الموعود لم يمنحه فرصة الوصول، ولا حتى شرف أن يُكتب اسمه على شاهد قبره.

وهنا تبدأ المأساة الحقيقية، أوروبا التي تمنح الإنسان اسماً وحقوقاً عندما يصل إليها وفق شروطها تستطيع أن تتركه رقماً مجهولاً عندما يموت في محاولته الوصول إليها. ولعل الأكثر إثارة للسؤال أن هذه الوقفة الإنسانية جاءت ضمن زيارة محمّلة بالرسائل السيادية إلى سبتة ومليلية، المدينتين الواقعتين على الساحل المغربي واللتين تعتبرهما إسبانيا جزءاً لا يتجزأ من أراضيها، بينما يراهما المغرب ومعه التاريخ والجغرافيا… امتداداً لمجاله الترابي وموروثاً من موروثات السيطرة الأجنبية. هكذا اجتمع في المشهد الواحد خطابان متناقضان: خطاب الرحمة الذي ينحني أمام الموتى، وخطاب السيادة الذي يعيد تأكيد الحدود نفسها التي تحولت إلى مقبرة لهم.

الدموع لا تمحو مسؤولية التاريخ

لا تكمن مشكلة هذا المشهد في فعل الترحم على الضحايا، فالتعاطف الإنساني، أياً كان مصدره، قيمة نبيلة. تبدأ المشكلة حين يتحول التعاطف إلى بديل عن المسؤولية، وحين يُطلب منا أن نكتفي بجمال الصورة بينما تظل السياسة التي جعلت هذه الصورة ممكنة خارج المساءلة.

ما الذي تعنيه زيارة قبر مهاجر مات وهو يحاول اجتياز حدود مغلقة، إذا لم يصاحبها سؤال عن جدوى السياسات التي تحاصر المهاجرين، وعن غياب المسالك الآمنة للهجرة واللجوء، وعن واقع المجتمعات التي تدفع أبناءها إلى ركوب البحر، وعن التفاوتات الهائلة بين عالمين تفصل بينهما بضعة كيلومترات، لكن تفصل بين فرص سكانهما هوة اقتصادية واجتماعية عميقة.

لقد ظل البحر الأبيض المتوسط عبر تاريخه أكبر من مجرد فاصل طبيعي بين الشمال والجنوب؛ كان فضاء للتبادل والتفاعل الحضاري، قبل أن يتحول تدريجياً إلى أحد أكثر خطوط التفاوت قسوة بين عالمين. وفي قلب هذه الجغرافيا تقف أسوار سبتة ومليلية شاهدة على مفارقة أن تمتد الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي إلى التراب الإفريقي، وأن يصبح العبور من ضفة إلى أخرى امتحاناً للمواطنة والجنسية والقدرة الاقتصادية.

تؤكد الوقائع أن مأساة الحدود لا يمكن اختزالها في حادثة يوليوز 2026، ففي يونيو 2022 شهد محيط مليلية فاجعة خلّفت، بحسب تحقيقات منظمة العفو الدولية، ما لا يقل عن 37 قتيلاً، فضلاً عن عشرات المفقودين. وقد تحدثت المنظمة عن استعمال مفرط وغير مشروع للقوة، وعن إخفاقات في تقديم المساعدة الطبية، وطالبت السلطات الإسبانية بكشف الحقيقة وتحقيق العدالة.

فهل يكفي بعد كل ذلك أن تنحني الرؤوس أمام القبور، بينما تظل الأسئلة الكبرى معلقة؟ إن احترام الموتى يبدأ باحترام الأحياء. والوفاء للضحايا لا يتحقق فقط بوضع الزهور أو الوقوف في صمت، وإنما بكشف الملابسات، وتحديد المسؤوليات، وضمان ألا تتحول الحدود إلى آلة متكررة لإنتاج المآسي؛ فالحداد الذي لا يراجع أسباب الموت قد يتحول، مهما حسنت نيات أصحابه، إلى مجرد بروتوكول لتجميل العجز السياسي.

الاستعمار لا يغادر عندما يطوي خرائطه

تفتح زيارة الملك الإسباني سؤالاً أعمق عن الذاكرة الكولونيالية التي لم تتحرر منها العلاقات بين أوروبا وإفريقيا تحرراً كاملاً؛ ذلك أن الاستعمار كان احتلالا عسكريا للأراضي، وإعادة تشكيل للاقتصاد والجغرافيا والعلاقات الاجتماعية، وربطاً غير متكافئ بين المركز والأطراف. لقد ساهمت الإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية في إقامة منظومات اقتصادية تقوم على استغلال الموارد وتوجيه الإنتاج والأسواق بما يخدم مصالح القوى المهيمنة. ولم تنتهِ آثار تلك البنيات بمجرد استقلال البلدان المستعمرة، بل استمرت بعض اختلالاتها في أشكال جديدة من التبعية الاقتصادية والتفاوت في شروط التبادل والتكنولوجيا والاستثمار.

صحيح أن أزمات الجنوب الراهنة لا يمكن تحميلها للاستعمار وحده، فهناك مسؤوليات جسيمة تتحملها النخب السياسية والاقتصادية المحلية، من فساد وسوء توزيع للثروة وضعف في التنمية وانسداد للآفاق. غير أن الاعتراف بهذه المسؤوليات لا يلغي حقيقة أن البلدان الإفريقية دخلت مرحلة ما بعد الاستعمار وهي تحمل أعباء تاريخية لم تكن متساوية مع ما ورثته الدول الأوروبية من تراكم للثروة والمؤسسات والقوة.

ومن هنا تبدو المفارقة فادحة.. لقد استفادت قوى أوروبية تاريخياً من حركة الموارد والثروات واليد العاملة عبر البحار، لكنها حين يتعلق الأمر بحركة الفقراء نحو مراكز الثراء تستحضر فجأة قدسية الحدود وصرامة السيادة. كانت الثروات تعبر، وكان الاستغلال يعبر، وكانت البضائع تعبر. أما الإنسان الذي يبحث عن نصيبه من الكرامة فيجد أمامه الأسلاك الشائكة والكاميرات والدوريات البحرية واتفاقيات الإعادة والترحيل.

وهذا أحد أكثر وجوه النظام الدولي المعاصر تناقضاً، إنه يدافع عن حرية حركة الرساميل والسلع، لكنه يفرض على حركة البشر نظاماً بالغ الانتقائية، تحدد فيه قيمة جواز السفر جزءاً كبيراً من فرص الإنسان في الحياة. لا يمكن تحميل إسبانيا وحدها مسؤولية فقر الجنوب، لكنها، مثل قوى أوروبية أخرى، مطالبة بمراجعة علاقتها بإرث تاريخي ساهم في إنتاج اختلالات مازالت آثارها ممتدة. كما أن أوروبا مطالبة بأن تنظر إلى الهجرة بوصفها قضية إنسانية وتنموية مشتركة، لا مجرد تهديد أمني يستدعي مضاعفة ارتفاع الأسوار والأسلاك.

سبتة ومليلية: تحول التاريخ إلى سور

تمثل سبتة ومليلية عقدة تاريخية وسياسية تتقاطع فيها أسئلة السيادة والهوية والحدود والهجرة، فسبتة المغربية خضعت للاحتلال البرتغالي سنة 1415، قبل انتقالها إلى التاج الإسباني في سياق التحولات الأوروبية، بينما دخلت مليلية تحت السيطرة القشتالية سنة 1497. وتستند إسبانيا إلى هذا الامتداد التاريخي وإلى وضع المدينتين في نظامها الدستوري لتأكيد سيادتها عليهما، في حين ينطلق الموقف المغربي من اعتبار وجودهما تحت الإدارة الإسبانية استمراراً لوضع تاريخي لم تُحسم آثاره من منظور الوحدة الترابية.

ومن الضروري هنا إدراك أن هذا النزاع ليس مطابقاً قانونياً لجميع قضايا تصفية الاستعمار التي عرفها العالم، الذي يطرح بشدة مشروعية النقاش التاريخي والسياسي حول وضعهما، ولا يمنع البحث عن أفق تفاوضي سلمي لمعالجة الخلاف.

إن المفارقة أن إسبانيا، التي تستحضر حقها في المدينتين انطلاقاً من تاريخ طويل من السيطرة والإدارة، تجد صعوبة في التعامل مع التاريخ نفسه حين ينظر إليه الآخرون باعتباره تاريخ اقتطاع واحتلال. فهل يكفي طول الزمن لتحويل كل وضع موروث إلى حقيقة أخلاقية لا تقبل النقاش؟ وهل تستطيع السيادة القانونية، مهما كانت قوة حججها، أن تعفي الدول من مساءلة الشروط التاريخية التي نشأت فيها؟.

هذه أسئلة لا ينبغي أن تُواجه بالشعارات أو التهديد، وإنما بالحوار التاريخي والقانوني والسياسي الجاد. وقد كان لافتاً أن الملك فيليبي السادس اختار، في زيارته، التأكيد على أن السيادة الإسبانية على سبتة ومليلية غير قابلة للتفاوض؛ وهو موقف واضح في الخطاب الرسمي الإسباني، لكنه يكشف في الوقت نفسه طبيعة الوظيفة السياسية للزيارة: لم تكن مجرد مواساة لسكان المدينتين، أو تضامن مع عائلات المهاجرين الراحلين، بل كانت أيضاً إعلاناً رمزياً لتثبيت السيادة. وبذلك صار المشهد أكثر تعقيداً: ملك يعزي موتى عبروا الحدود، ويؤكد في الوقت ذاته أن الحدود التي حاولوا عبورها تمثل جزءاً من سيادة لا يجوز المساس بها.

لا تناقض في أن تحمي الدول حدودها وأن تحترم حقوق المهاجرين في آن واحد، من حيث المبدأ، لكن التناقض يبدأ عندما تتحول حماية الحدود إلى قيمة مطلقة، بينما تصبح حياة الإنسان مسألة ثانوية تتولاها المقابر بعد انتهاء العمليات الأمنية.

أوروبا التي تحرس أبوابها وتحتاج إلى القادمين إليها

يستحيل فهم الهجرة المعاصرة بعيداً عن التناقضات الديمغرافية والاقتصادية التي تعيشها القارة الأوروبية نفسها، فأوروبا التي تشدد قوانين الهجرة تحتاج قطاعات واسعة من اقتصاداتها إلى العمالة الوافدة، سواء في الفلاحة أو البناء أو الخدمات أو الرعاية الصحية والاجتماعية؛ كما أن عدداً من مجتمعاتها يواجه شيخوخة سكانية تطرح أسئلة متزايدة حول مستقبل سوق العمل وأنظمة الحماية الاجتماعية.

غير أن الحاجة الاقتصادية إلى المهاجر لم تتحول إلى اعتراف سياسي كامل بكرامته، فقد يُستقبل باعتباره قوة عمل مطلوبة، بينما يُعامل في الخطاب الانتخابي والإعلامي بوصفه عبئاً أو خطراً أو منافساً على الخدمات العمومية. وهذا التناقض لا يخص إسبانيا وحدها، بل يمتد إلى سياسات أوروبية تتأرجح بين الحاجة إلى الهجرة والخوف منها، وبين الإعلان عن الالتزام بحقوق الإنسان وتوسيع أدوات الردع والترحيل.

إن الاتحاد الأوروبي لا يكتفي ببناء منظومته الحدودية داخل أراضيه، بل يوسع التعاون مع دول الجوار للحد من تدفقات الهجرة قبل وصولها إلى الحدود الأوروبية. وتصبح بلدان الجنوب، ومنها المغرب، شريكة في تدبير الحدود الخارجية لأوروبا، عبر اتفاقيات أمنية وتمويلات وبرامج مراقبة وإعادة قبول مجحفة.

لكن هذه المقاربة تثير سؤالاً أخلاقياً وسياسياً: هل يمكن معالجة الأسباب العميقة للهجرة بمجرد نقل مسؤولية منعها إلى دول أخرى؟ إن تحويل الجنوب إلى حارس لحدود الشمال لا يحل بالضرورة معضلة الفقر واليأس وانعدام الفرص، وقد يدفع بعض المهاجرين إلى سلوك طرق أشد خطراً كلما أُغلقت في وجوههم المسارات المعروفة.

والواقع أن الدولة الإسبانية، في نظامها الدستوري المعاصر، لا تُختزل في إرادة العاهل الإسباني وحده؛ فالقرارات التنفيذية المتعلقة بالهجرة والحدود تشترك في صياغتها الحكومة والبرلمان والمؤسسات الأوروبية. لكن الملكية، باعتبارها رمزاً لاستمرارية الدولة، تمنح هذه السياسات غطاءً معنوياً عندما تؤكد سيادة الحدود وتعلن التضامن مع من يعيشون داخلها. ومن هنا تأتي مشروعية مساءلة الرمزية السياسية للزيارة، دون الخلط بين المسؤولية الرمزية والمسؤولية القانونية المباشرة.

يخافون المهاجر الحي ويكرّمون الميت

ربما كان هذا هو السؤال الأكثر إيلاماً في مشهد مقبرة سيدي امبارك، لماذا يبدو المهاجر، في بعض الخطابات الأمنية، خطراً عندما يحاول الوصول إلى هناك، ثم يتحول إلى موضوع للتعاطف عندما يستقر جسده تحت التراب؟ في حياته يُطلب من المهاجر إثبات حقه في العبور، وتُفحص أوراقه وبصماته وجنسيته وأسباب رحيله، أما في موته فيختفي هذا التعقيد كله، وتصبح إنسانيته فجأة واضحة لا تحتاج إلى وثائق.

يا للمفارقة! إنسان احتاج إلى تأشيرة ليعبر الحدود، لكنه لم يحتج حتى لكفن ليدخل المقبرة الأوروبية. والأشد قسوة أن بعض الضحايا لم تُعرف هوياتهم أصلاً؛ أي إن نظاماً بالغ الدقة في مراقبة الأجساد العابرة عجز، بعد الكارثة، عن إعادة الأسماء إلى أصحابها. تتحول تلك الأرقام المنقوشة على القبور في دلالتها الرمزية إلى وثيقة إدانة لعالم جعل بعض البشر قابلين للاختفاء دون أن يتركوا وراءهم سوى رقم.

إن المهاجر الذي يموت في البحر يفقد حياته ومعها أيضاً حقه في أن تعرف أمه أين دُفن، وأن يصل إليه أهله، وأن يستعيد اسمه من مجهولية القبر. ولذلك فإن أعظم تكريم لهؤلاء الموتى كان يجب ألا يبدأ بزيارة ملكية، بل ببرنامج جاد لتحديد هويات الضحايا، وإخبار أسرهم، وفتح تحقيقات مستقلة في ظروف وفاتهم، وتوفير الضمانات التي تحول دون تكرار المأساة.

وتزداد المفارقة حدة عندما نعلم أن أطفالاً ومراهقين ممن نجحوا في الوصول إلى سبتة ظلوا، بعد أزمة الصيف، يعيشون في ظروف هشّة، بعضهم بلا مأوى ملائم؛ فأي معنى لكرامة الميت إذا لم تصبح حماية الطفل الحي أولوية لا تقبل التأجيل؟.

لا براءة للشمال ولا إعفاء للجنوب

لكن الإنصاف الفكري يقتضي ألا يتحول نقد الاستعمار الأوروبي إلى وسيلة لإعفاء دول الجنوب من مسؤولياتها، فالشباب الذين يغامرون بأرواحهم للوصول إلى أوروبا لا يهربون من التاريخ الاستعماري وحده، بل يهرب بعضهم أيضاً من حاضر اجتماعي لا يمنحهم ما يكفي من الأمل، ومن حقهم أن يسائلوا السياسات الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية في بلدانهم، مثلما من حقهم مساءلة أوروبا عن سياساتها الحدودية وعلاقاتها غير المتكافئة مع الجنوب.

إن الحق في الهجرة لا ينبغي أن يحجب حق الإنسان في ألا يُضطر إلى الهجرة. وهذا يعني أن مسؤولية المغرب وبقية البلدان الإفريقية تتمثل في بناء شروط العيش الكريم داخل أوطانها، وتوسيع فرص التعليم والعمل والعدالة الاجتماعية، ومحاربة الفساد والتفاوتات التي تجعل الرحيل يبدو أحياناً الخيار الوحيد.

كما أن التعاون المغربي الإسباني في مجال الهجرة لا ينبغي اختزاله في المقاربة الأمنية، بقدر ما يجب أن يمتد إلى التنمية المشتركة وتسهيل التنقل القانوني وحماية القاصرين واحترام حقوق طالبي اللجوء ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر.

إن مسؤولية الضفتين ليست متطابقة في التاريخ أو الإمكانات، لكنها مسؤولية مشتركة عن الحاضر. ومن الخطأ أن نطالب أوروبا بفتح نقاش صريح حول ماضيها الكولونيالي، ثم نغلق النقاش حول اختلالاتنا الداخلية؛ فالنقد الذي يرفض أن ينظر إلى المرآتين معاً يفقد جزءاً من قوته الأخلاقية.

من تناقضات الكولونيالية إلى أفق تحرير المدينتين

إن أعمق ما تكشفه زيارة فيليبي السادس أن المسألة التاريخية لسبتة ومليلية لم تفقد قدرتها على العودة إلى قلب النقاش السياسي، رغم مرور القرون وتغير العلاقات الدولية؛ فما يبدو في الخطاب الإسباني قضية سيادة محسومة يظل في الوعي الوطني المغربي سؤالاً تاريخياً مفتوحاً. وما يبدو من مدريد امتداداً طبيعياً للجغرافيا السياسية الإسبانية يُقرأ من الرباط باعتباره استمراراً لوضع استعماري يستدعي المعالجة.

إذا كان ثمة أفق لتحرير المدينتين من تناقضات الماضي فإنه يمر أولاً بتحرير النقاش نفسه من منطق الاستفزاز المتبادل، ومن تحويل السكان إلى مجرد أدوات في معركة الرموز الوطنية؛ ذلك أن سكان سبتة ومليلية، بمختلف انتماءاتهم الثقافية والدينية واللغوية، حقوقهم وأمنهم ومصالحهم ومشاركتهم الديمقراطية، عناصر أساسية في كل مقاربة مسؤولة. والتحرر، في معناه الإنساني العميق، هو انتقال سلطة من علم إلى علم، وهو أيضاً تحرير للعلاقات بين الشعوب من ميراث الخوف والإقصاء والتفوق التاريخي.

لذلك فإن الطريق إلى معالجة هذا الإرث ينبغي أن يكون طريق الحوار والتفاوض والقانون الدولي والتعاون الإقليمي، لا طريق التصعيد أو المغامرات التي قد تجعل السكان أول ضحاياها. ويمكن للعلاقات المغربية الإسبانية، بما راكمته من تشابك اقتصادي وإنساني وثقافي، أن تشكل فضاء لإعادة التفكير في هذا الملف، بدل بقائه أسير صراع الرموز والسيادات.

فالتاريخ لا يتوقف عند اللحظة التي تعلن فيها دولة أن قضية ما غير قابلة للتفاوض، بل يستمر في طرح أسئلته، ولو بعد قرون، خصوصاً عندما تعود التناقضات القديمة إلى الظهور في صور جديدة.

هل تستطيع إسبانيا أن تتصالح مع تاريخها؟

لقد أحرزت إسبانيا المعاصرة تحولات ديمقراطية عميقة، وراكم مجتمعها المدني والثقافي والحقوقي تجارب مهمة في نقد السلطة والدفاع عن الحريات. ولا يجوز اختزال الشعب الإسباني في ماضي الإمبراطورية، أو اعتبار جميع الإسبان مسؤولين عن خطايا الاستعمار. بل إن داخل إسبانيا نفسها أصواتاً حقوقية وفكرية تطالب بمراجعة سياسات الهجرة، وتندد بالعنف الحدودي، وتدافع عن حقوق اللاجئين، وتفتح نقاشات نقدية حول التاريخ الاستعماري وميراثه.

ولهذا فإن النقد الحقيقي لا يتوجه إلى هوية الشعب الإسباني، بقدر ما يستهدف استمرار بعض البنيات والتصورات التي تجعل العلاقة مع الجنوب محكومة بهاجس السيطرة أكثر من منطق الشراكة المتكافئة. وإذا كانت إسبانيا تريد أن تجعل من زيارة الملك إلى قبور المهاجرين لحظة أخلاقية ذات معنى فإن الطريق إلى ذلك لا يمر عبر الصور المؤثرة، ولكن عبر سياسات أكثر عدلاً، ومراجعة أكثر شجاعة للذاكرة الاستعمارية، واستعداد أكبر للاستماع إلى أسئلة الجوار المغربي والإفريقي.

فلا يكفي أن نتذكر ضحايا البحر إذا كنا نرفض مساءلة السياسات التي تجعل البحر مقبرة. ولا يكفي إعلان الصداقة مع المغرب إذا ظلت القضايا التاريخية الحساسة خارج إمكان الحوار. ولا يكفي الاعتراف بكرامة المهاجر بعد موته إذا كانت حياته، قبل ذلك، معلقة بين الطرد والخوف والتهميش.

إن المصالحة مع التاريخ لا تعني محاكمة الأبناء على أفعال الأجداد، وإنما تعني رفض تحويل نتائج تلك الأفعال إلى مقدسات سياسية لا يجوز الاقتراب منها.

المقبرة أبلغ من الخطاب الملكي

ربما أراد القائمون على زيارة العاهل الإسباني أن يبعثوا برسالة إنسانية عن التضامن مع ضحايا الهجرة، ورسالة سياسية عن رسوخ الوجود الإسباني في سبتة ومليلية. لكن الصور لا تخضع دائماً للمعاني التي يرغب أصحابها في منحها إياها، فالمقبرة التي كان يُراد لها أن تكون شاهداً على الرحمة استطاعت أن تتحول أيضاً إلى شاهد على التناقض.

فالملك الذي يقف أمام قبور مجهولة الأسماء لا يواجه الموت وحده، بل يواجه أسئلة التاريخ والسيادة والعدالة والحدود؛ والأجساد الراقدة تحت التراب لا تطالب بضميرها الصامت بأي شعار سياسي، لكنها تضع الجميع أمام حقيقة يصعب الهروب منها: لم يكن هؤلاء أعداءً لأوروبا، لقد كانوا يبحثون عن فرصة للحياة. لم يكونوا جيوشاً غازية، ولا حملة مشروع سياسي لإعادة رسم الخرائط؛ كانوا بشراً يحاولون عبور المسافة الفاصلة بين الحاجة والأمل، فوجدوا أمامهم حدوداً لا ترحم من يعجز عن اجتيازها بأوراق رسمية.

إن المأساة ليست في أن الملك الإسباني زار قبور المهاجرين، فذلك، في ذاته، سلوك إنساني محمود، المأساة أن يتحول الحداد إلى نهاية الحكاية، بينما ينبغي أن يكون بدايتها. وإذا كان التاريخ الكولونيالي قد علّم الدول الأوروبية كيف ترسم الحدود وتفرض السيادة فإن امتحانها الأخلاقي اليوم هو أن تتعلم كيف تحمي الإنسان قبل أن تضطر إلى تكريمه بعد موته. أما سبتة ومليلية فلا يمكن أن تبقيا إلى الأبد مجرد عنوانين للمواجهة الرمزية بين سرديتين تاريخيتين متعارضتين؛ إنهما تستدعيان تفكيراً سياسياً جديداً، يربط تصفية الموروث الاستعماري بالسلام والكرامة والحقوق والمصالح المشتركة، ويجعل الحوار أداة لتجاوز منطق الغلبة التاريخية.

لقد جاء الملك الإسباني إلى مقبرة سيدي امبارك ليقف دقيقة صمت أمام ضحايا الحدود، لكن التاريخ، على خلاف البروتوكول الملكي، لا يعرف دقيقة صمت أخيرة، سيظل يسأل: من رسم الأسوار؟ ومن استفاد من اختلال موازين القوة؟ ومن جعل عبور البحر امتحاناً للحياة والموت؟ ومن يتحمل مسؤولية تحويل أحلام شباب الجنوب إلى أرقام على شواهد القبور؟ وسيظل يسأل أيضاً: متى تتحرر العلاقات بين المغرب وإسبانيا من آخر أشباح الإمبراطوريات القديمة، ومتى يصبح المتوسط جسراً للتعاون الإنساني بدل أن يكون فاصلاً بين عالمين غير متكافئين؟.

إن أكثر ما يدعو إلى السخرية المريرة أن يتقن ورثة التاريخ الكولونيالي آداب السير في جنازة الضحية، قبل أن يتعلموا شجاعة مساءلة النظام الذي جعل موتها ممكناً؛ فليس المطلوب من أوروبا أن تحسن البكاء على موتى الجنوب، بل أن تسهم في بناء عالم لا يضطر فيه أبناء الجنوب إلى الموت على أبوابها. وليست العدالة أن تضع السلطة باقة ورد على قبر مهاجر مجهول، وإنما أن تجعل إنقاذ الإنسان الحي أسمى من حماية صورة الدولة. عندها فقط يمكن أن تتحول زيارة المقبرة من مشهد بروتوكولي بالغ التناقض إلى بداية مراجعة تاريخية حقيقية.

أما إلى ذلك الحين فستظل القبور المرقمة في سبتة تقول ما لا تستطيع الخطب الملكية للعاهل الإسباني قوله: إن الحدود التي تحتاج إلى كل هؤلاء الموتى كي تثبت صلابتها، تستحق أن تُساءَل أخلاقياً قبل أن تُحصَّن سياسياً.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
جلسة ماراطونية في ملف حامي الدين
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 00:10

جلسة ماراطونية في ملف حامي الدين

صوت وصورة
صناع يتألقون في معرض الفرس
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 22:37

صناع يتألقون في معرض الفرس

صوت وصورة
سفارة مصر تحتفل بذكرى أكتوبر
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 21:27

سفارة مصر تحتفل بذكرى أكتوبر

صوت وصورة
الهوية المتوسطية بأكاديمية المملكة
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 19:53

الهوية المتوسطية بأكاديمية المملكة

صوت وصورة
يوسف .. زراعة الرئتين أمل النجاة
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 15:27 7

يوسف .. زراعة الرئتين أمل النجاة

صوت وصورة
معرض الفرس والسلامة الطرقية
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 13:02

معرض الفرس والسلامة الطرقية