"ديوان المائدة" ـ12ـ .. "كعب غزال" تاج الحلويات يغري المغربيات

"ديوان المائدة" ـ12ـ .. "كعب غزال" تاج الحلويات يغري المغربيات
الأربعاء 6 ماي 2020 - 18:00

في شهر رمضان الكريم ينسحب الطعام من الموائد في النهار، فيعوّض نفسه بأكثر من صورة، وحيثما أمكنه أن يفعل.

وهكذا تنبعث وصفات من الراديو، وبرامج تُبث على القنوات التلفزية، وصفحات خاصة بمختلف “الشهيوات” تنشرها الجرائد والمجلات، وصور لأطباق شهية تملأ مواقع التواصل الاجتماعي، كما أن الطعام بات موضوعا يثار في المكالمات الهاتفية بين الأهل والأحباب..

ولا يعود هذا الطعام إلى نفسه من جديد إلّا بحلول مائدة الإفطار في الشهر الفضيل.

جريدة هسبريس الإلكترونية ارتأت أن تتحف قراءها خلال شهر رمضان المبارك بحلقات من كتاب “ديوان المائدة” للشاعر والكاتب المغربي المتألق سعد سرحان، وهو يقدم صورا غير مألوفة للطعام .. شهية طيبة:

المائدة 12

لم تكن طفولتي مزركشة بالحلوى، لا لقلة الأعياد فقط، وإنما لكثرة العطل التي كانت تطوِّح بي إلى بيت جدتي هناك حيث تسود ثقافة الفطائر لا ثقافة الشطائر والسكاكر.

في تلك البادية التي على مشارف القلب، كانت جدتي هي أمي ومعلمتي خلال العطل، وكانت حاكورتها هي القاعة الرحبة حيث أعطتني درسا في محبة التراب، إذ أشركتني في غرس شجرات اللوز وحببت إليَّ العناية بها، فما انقطعت عنها حتى بعد أن سمعتها بعيني هاتين وهي تتحدث عن الله بأنصع ما يكون الحديث.

لم تكن طفولتي مزركشة بالحلوى، لكن ذاكرتي كانت وستظل مرصعة باللوز.

الحلوى الشباكية وحلوى باب المدرسة وحلوى مولاي إدريس وحلوى سوق السبت وحلويات المناسبات الدينية والعائلية التي كانت مختصرة في غْريّبة وكعب غزال…

هذه الحلويات وغيرها قليل هي ما كان يؤثث لحظات ذلك الزمن البعيد الذي كان حُلْوًا بلا حلوى. فعدا كعب غزال، لا تحتفظ طفولتي بالوُدّ لحلوياتها.

ولعل ذلك يعود إلى أنني نشأت أعرابيَّ الذوق أفضل بنات الأثافي والتنُّور على الهلاليات والبوتي فور. ولأن الأعراب أشد أكلا أيضا، فإن ما يفي بالنهم هو الحرشة والبغرير والمطلوع والمفروق والملاوي (وقد سميت كذلك لكثرة ليّها لا نسبة إلى شقيقتنا جنوب القارة)، وهي الفطائر التي غالبا ما تُشيّع إلى مثواها الأخير مرفقة بما يكفي من السمن والعسل إكراما لها ولآكليها.

لقد تطورت صناعة الحلويات بعد إنشاء معاهد لدراستها، ومحلات فخمة لبيعها، وبرامج تلفزيونية للتعريف بها والترويج لها، كما تعددت أصنافها بعد أن توسعت دائرة محتوياتها، فشملت الشوكولاتة والكاراميل والكوكو والفواكه المعلبة ومشتقات الحليب وفواكه البحر… فصار منها الحلو والمالح، الرطب والصلب، الساخن والمثلج وما لست أعرف.

هكذا صارت الحلوى للمائدة كالحلي للجسد، تعرض في واجهات لا تقل بريقا وتباع في حُقّ يناسب حجمها وتحمل خاتم صانعها الذي يخال نفسه صائغا، فيضع فوق بعضها ما يشبه الحجر الكريم وغالبا ما يرى في حبة اللوز زمردة.

ولست أبالغ إذا قلت إن الحلوى أصبحت تستأثر باهتمام النساء أكثر مما تفعل الحلي، فيقبلن على شرائها جاهزة وعلى تعلم صناعتها من التلفزيون وكتب الطبخ، كما يتبادلن الخبرات حولها بينهن… لكأن الموائد أجساد النساء، أجسادهن الأخرى التي يعرضن مفاتنها إذ يُحلِّينها بنفائس الحلويات.

فلا غرو أنهن أصبحن يتحدثن، بعد كل حفل، عن أصناف الحلويات بعد أن كنّ، في الماضي، يتحدثن عن حلي المدعوات، فارتفعت أسهم منظمي الحفلات في بورصة المجتمع بما يقدمون من أطباقها.

طفرة الحلويات هذه لها سبب آخر، لعله تعدد الأعياد والمناسبات. فبعد أن كان لدينا عيدان فقط: الصغير والكبير (الفطر والأضحى) صارت لنا أعياد الميلاد وعيد الحب وحفلات الاستقبال وحفلات التخرج وحفلات رأس السنة… فلم تعد الأعراس تكتفي بالأقراص والأقواس (أقصد غريبة وكعب غزال) فصار ما صار من هذه الأطباق التي ينسيك التالي منها السابق.

كلما وجدت نفسي عرضة لطبق من الحلوى تمتد يدي تلقائيا إلى كعب الغزال، فهو عندي تاج الحلويات الذي لن يخلع أبدًا، لاسمه نصيب من الشعر، ولشكله سر الهندسة: القوس، أما قلبه فمن معجون اللوز، ولست أخاله لوزًا غير الذي غرست في حاكورة جدتي ذات طفولة.

لَكَمْ سيكون جميلا من صاغة الحلويات أن يبدعوا لكعب الغزال أشباها في الشعر كأيطل الظبي وعيون المها… ستفرح أشجار اللوز في كل مكان وسَتفْترُّ عن مزيد من الأزهار البيضاء بيضاءَ كأنها الْبَرَدُ الموعود بالعُنَّاب.

حين أقلعت عن تلك البادية التي على مشارف القلب، تلك التي تندر فيها الأعياد، اكتشفت في روزنامتي عيدين جديدين: عيد ميلادي وعيد الحب الذي يصادفه. ولأني لا أعدم أحبة، فإنني أتمنى عليهم بدل الورود الحمراء من هنا شقائق النعمان من هناك، وبدل ألواح الشوكولاتة أقواس كعب غزال.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

10
  • رشيد
    الأربعاء 6 ماي 2020 - 18:19

    اللهم اني صاءم ،سال لعابي…فعلا يبقى كعب غزال ارقى والذ الحلويات على الإطلاق، خصوصا اذا كان فاسيا.احسنت قولا،وشكرا

  • ahmed
    الأربعاء 6 ماي 2020 - 18:24

    حسب التقديم، فصاحب المقال كاتب وشاعر، إلّا انّ الشاعر فيه هو من كتب عن كعب غزال بدليل أيطل الظبي وعيون المها والعناب…
    فشكرًا للشاعر وشكرًا لهيسبريس

  • hassan
    الأربعاء 6 ماي 2020 - 18:24

    اتمنى ان لا يقوم الجيراان بسرقة كعب غزال كذلك, فبعد ان حاولو سرقة القفطان و جامع الكتبية, و قامو بتزييف صفحات ويكيبيديا و وضع مصادر جزائرية كحجة. اصبح على وزارة الثقافة التي تفعل كل شيء الا حماية ثرات المغرب من النهب, ان تتحرك و ان توظف وطنيين متحمسيين بدل المخصيين الذين لا يجدون حرجا في الانبطاح لاي اجنبي كايضحك عليهوم بديك حنا خوت و هادشي حرام, بحال لاجا عندك شي حد و قال ليك اخويا حنا خوت و لي الصداع حرام و يهز ليك مراتك لبيت النعاس, و فاش يقول ليك شي حد السيد راه دا ليك مراتك كاتجاوبو كاي مخصي مكلخ بلي "نتا باغي الفييتنا و حنا خاوة خاوة كانتشاركو فكولشي"

  • الريفي
    الأربعاء 6 ماي 2020 - 18:37

    المطبخ المغربي غني جدا و متنوع : الحلو منه و المالح. طبق اليوم الحلو هو ملك الحلويات التقليدية المحشوة باللوز و لطالما كنت متاكدا من تطرق الكاتب اليه و لطالما انتظرته. و يستحيل ان اذكر كعب الغزال و لا اذكر معه حلويات : الغريبة – المقروط- الفقاص – حلوة الكوكو دون ان نغفل عن ذكر البريوات ديال اللوز مغمسين في العسل الحر يا سلام. و القاءمة طويلة جدا. مؤخرا اكلت في مراكش قبل الحجر الصحي في جامع الفنا حلوى كعب الغزال عملاقة بمقدار يزيد عن الشبر و تزن حوالي 150 الى 200 غرام ربما. ضحكت لما رايتها لانه لم اكن اعرفها بذلك الحجم قبل ذلك حتى رايتها صدفة فاقتنيتها و الخطا الذي ارتكبته هو انني تناولتها قبل وجبة العشاء فلم استطع بعد ذلك تناول لحم الراس مبخر عند باولو . انه كان اخر سفر لي قبل سن حالة الطوارء الصحية. تقبل الله صيامكم و شهية طيبة .شكرا العزيزة الغالية هيسبريس

  • Chef cuisinier
    الأربعاء 6 ماي 2020 - 18:51

    عند طرد المسلمين واليهود الاسبان الى المغرب حملو معهم ثقافة اعداد الحلويات ليزداد غنى الطبخ المغربي اساسه امازيغي باضافة عربية ويهودية مما مكنه من احتلال الرتبة 2 عالميا سنة 2015 خلف الطبخ الفرنسي حسب موقع worldsim المختص

  • سين
    الأربعاء 6 ماي 2020 - 18:54

    إلى. حسن: وماذا تقول عن أمر الرسول بضروىة مشاركة الأنصار مع المهاجرين كل شيء حتى النساء (من كانت له أكثر من زوجة.)بعد الهجرة من مكة إلى يثرب.شيوعية قبل ماركس.

  • عاشق كعب الغزال
    الأربعاء 6 ماي 2020 - 19:20

    شكرا لكاتب المقال ،فهذا هو الأسلوب الذي إفتقدناه في الكتابه والقرآءة.
    قصتي مع كعب الغزال في سن ما دون العاشرة هي سؤال واحد ومضحك كيف هو حلو ويسمى هكذا كم يلزمهم من غزال لتحضير طبق واحد؟..
    هذه هي سذاجة الطفولة.

  • Meryem
    الأربعاء 6 ماي 2020 - 21:01

    أكلته في عدة مدن و لكن لا يعلى على كعب غزال الأصلي في مدينة فاس.

  • اللوز
    الأربعاء 6 ماي 2020 - 22:36

    اتمنى كذلك مثل الاخ حسن رقم 3 ومنك بالخصوص الاستاذ سعد سرحان كتاب خاص بالمطبخ المغربي ليس الطريقة والمقادير فقط بل التاريخ والفصل والمفصل بطريقتك وابيات شعر واللؤلؤ والمرجان صادف مرة وكنت خارج المغرب وفي محل خاص بالتوابل يقصده الطباخيين قبل الناس العاديين وجدت راس الحانوت فسالت قالوا انها توابل مغربية فسألت عن معنى راس الحانوب لا احد يعرف حتى يبقى الطبخ مغربي مطبوع بطابع مغربي كسكسو وبسطيلة وكعب غزال وعصير اللوز لازم من كتاب يدخل الخزانة العامة المغربية شكرا لك ولهسبريس

  • مولاي البسطيلة
    الخميس 7 ماي 2020 - 01:16

    أينما تواجد الاندلسيين تواجدت معهم ثقافة اشببلية وغرناطة وقرطبة والروندا (طبخ لباس طرب اندلسي واسلوب العيش الاريستقراطي ) .

صوت وصورة
الهوية المتوسطية بأكاديمية المملكة
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 19:53

الهوية المتوسطية بأكاديمية المملكة

صوت وصورة
يوسف .. زراعة الرئتين أمل النجاة
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 15:27 6

يوسف .. زراعة الرئتين أمل النجاة

صوت وصورة
معرض الفرس والسلامة الطرقية
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 13:02

معرض الفرس والسلامة الطرقية

صوت وصورة
السوق والغلاء
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 12:27 4

السوق والغلاء

صوت وصورة
التاريخ يعيد أسئلة الذاكرة
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 09:42

التاريخ يعيد أسئلة الذاكرة

صوت وصورة
جائزة الشيخ منصور لتصوير الخيل العربي
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 00:16

جائزة الشيخ منصور لتصوير الخيل العربي